امتياز 80 في مسندم: عُمان تعزز موارد الطاقة وتربط النفط بمسار التنويع

  • 2026-06-26
  • 10:54

امتياز 80 في مسندم: عُمان تعزز موارد الطاقة وتربط النفط بمسار التنويع

  • الاقتصاد والأعمال

يأتي توقيع اتفاقية منطقة الامتياز رقم 80 في محافظة مسندم ضمن سياسة عُمانية أوسع تقوم على تطوير موارد النفط والغاز بكفاءة أعلى، واستقطاب شركاء متخصصين، وتعزيز دور الشركات الوطنية في إدارة الأصول الاستراتيجية.

فالسلطنة تمضي في تنفيذ رؤية "عُمان 2040" عبر تنويع الاقتصاد وتوسيع قطاعات الصناعة واللوجستيات والسياحة والمعادن والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع النفط والغاز كقاعدة مالية وتشغيلية مهمة لدعم هذا التحول، وتمويل جزء من استثماراته، وتأمين الطاقة اللازمة للصناعة والنمو.

أتفاقية استكشاف بما لا يقل عن 90 مليون دولار

وفي هذا الإطار، وقّعت وزارة الطاقة والمعادن العمانية الاتفاقية مع شركة أوكيو للاستكشاف والإنتاج - مسندم البحرية، وشركة بتروليوم أوفرسيز التركية المحدودة. ووقّعها عن حكومة سلطنة عُمان المهندس سالم بن ناصر العوفي وزير الطاقة والمعادن، وعن أوكيو للاستكشاف والإنتاج محمود بن سالم الهاشمي الرئيس التنفيذي للشركة، وعن الشركة التركية جاغري شيرين رئيس المشاريع الدولية.

وبموجب الاتفاقية، تتولى أوكيو للاستكشاف والإنتاج تشغيل المنطقة بحصة تبلغ 50 في المئة، بينما تمتلك الشركة التركية الحصة المتبقية البالغة 50 في المئة.

تبلغ مساحة منطقة الامتياز 5737 كيلومتراً مربعاً، وتقع في محافظة مسندم، وتضم حقلي بخاء وغرب بخاء المنتجين. ويمنح هذا الموقع الاتفاقية أهمية خاصة، لأن المنطقة تجمع بين أصول منتجة وخبرة تشغيلية قائمة وفرص استكشافية جديدة. كما تقع ضمن نطاق بحري يتمتع بأهمية استراتيجية وبإمكانات جيولوجية واعدة، مستفيداً من البيانات والخبرات المتراكمة في المناطق المجاورة.

ويتضمن البرنامج الاستكشافي للمنطقة مرحلتين رئيسيتين. تمتد المرحلة الأولى أربع سنوات، وتشمل تنفيذ مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد على مساحة 500 كيلومتر مربع، وحفر بئرين استكشافيتين وبئر تجريبية، باستثمارات إلزامية تقديرية لا تقل عن 60 مليون دولار. أما المرحلة الثانية، ومدتها أربع سنوات أيضاً، فتشمل حفر بئر استكشافية أو تجريبية إضافية وفق نتائج المرحلة الأولى، باستثمارات إلزامية تقديرية لا تقل عن 30 مليون دولار.

وبذلك تصل الاستثمارات الدنيا الملزمة إلى 90 مليون دولار في حال الانتقال إلى المرحلة الثانية، مع أثر مباشر على خدمات الحفر والمسح والتحليل والتوريد وفرص العمل الفنية.

مسندم في خريطة الطاقة العُمانية

تحمل مسندم موقعاً خاصاً في قطاع الطاقة العُماني. فهي محافظة بحرية تطل على واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة، وتضم أصولاً قائمة مثل حقلي بخاء وغرب بخاء ومحطة غاز مسندم. وتقوم هذه المحطة بمعالجة النفط والغاز والمكثفات والغاز البترولي المسال، كما تسهم في توفير الغاز الجاف لمحطة كهرباء مسندم، بما يعزز أمن الطاقة المحلي في المحافظة ويدعم النشاط الاقتصادي فيها.

وتملك أوكيو للاستكشاف والإنتاج خبرة مباشرة في هذه البيئة. فقد أصبحت منذ عام 2019 مشغلاً للمربع 8 البحري المرتبط تاريخياً بحقول بخاء وغرب بخاء، كما تدير محطة غاز مسندم. لذلك تمنحها اتفاقية الامتياز 80 فرصة لتوسيع حضورها البحري من موقع خبرة قائمة، مع إدخال شريك دولي يشارك في التمويل والمخاطر الفنية ويضيف بعداً جديداً للتعاون بين عُمان وتركيا في قطاع الطاقة.

وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة في الاستكشاف البحري، حيث ترتفع الكلفة الفنية والمالية مقارنة بالعديد من المناطق البرية. فالمسوحات الزلزالية والحفر البحري يتطلبان تقنيات متقدمة، وإدارة دقيقة للسلامة والبيئة، وقدرة على تحليل البيانات الجيولوجية المعقدة. ومن هنا تبدو الشراكة بين شركة وطنية مشغلة وشركة دولية متخصصة أداة عملية لتقاسم المخاطر، وتسريع نقل المعرفة، ورفع فرص تحويل الموارد المحتملة إلى إنتاج تجاري.

سياسة مستمرة لتطوير الاحتياطات

تندرج الاتفاقية ضمن توجه عُماني واضح لزيادة الاحتياطات واستدامة الإنتاج. فسلطنة عُمان تعتمد على مزيج من الحقول الناضجة والغاز العميق والمكامن المعقدة والنفوط التي تتطلب تقنيات متقدمة. وقد دفع هذا الواقع السلطنة إلى بناء خبرة واسعة في تحسين الاستخراج، وخفض كلفة التشغيل، واستخدام الحفر الأفقي، والمسح الزلزالي، والتقنيات الرقمية في إدارة المكامن.

وتظهر هذه السياسة في أكثر من مسار. تظل شركة تنمية نفط عُمان اللاعب الأكبر في المربع 6، وهو مركز الثقل التاريخي لإنتاج النفط والغاز في السلطنة. وفي الوقت نفسه توسعت أوكيو للاستكشاف والإنتاج في إدارة أصول منتجة واستكشافية داخل عُمان، ضمن محفظة تضم مناطق برية وبحرية وشراكات مع شركات عالمية.

كما واصلت وزارة الطاقة والمعادن فتح مناطق جديدة أمام المستثمرين. ففي أبريل 2026 طرحت خمس مناطق امتياز أمام الشركات المحلية والعالمية، شملت المربعات 12 و16 و55 و42 و45. وسبق ذلك توقيع اتفاقية للمربع البحري 18 في بحر عُمان بالشراكة بين بتروناس وأوكيو للاستكشاف والإنتاج، وهي منطقة واسعة تفتح المجال أمام استكشافات بحرية من المياه الضحلة إلى العميقة. كما دخلت أوكيو في اتفاقية للمربع 54 مع جنل إنرجي في محافظة الوسطى، ضمن برنامج يشمل مسوحات ثلاثية الأبعاد وحفر آبار استكشافية وإعادة تقييم آبار قائمة.

هذه التحركات تعكس رغبة السلطنة في توسيع قاعدة الموارد، وتحسين استغلال المناطق المنتجة، واستقطاب شركات قادرة على تحمل جزء من المخاطر الفنية والمالية. كما تعزز موقع أوكيو للاستكشاف والإنتاج كذراع وطنية قادرة على التشغيل والشراكة وبناء الخبرة، في حين توفر الشركات الدولية التكنولوجيا والتمويل والخبرة في البيئات الجيولوجية الصعبة.

الغاز ركيزة للصناعة والنمو

يحتل الغاز موقعاً متقدماً في سياسة الطاقة العُمانية. فهو عنصر أساسي لتأمين الكهرباء، وتغذية الصناعة، ودعم مشاريع البتروكيماويات، وتوفير إمدادات طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال. وقد أظهرت مشاريع مثل خزان وغزير في المربع 61 أهمية الغاز العميق في تعزيز قاعدة الإنتاج، ودعم موقع عُمان كمورد موثوق للطاقة.

كما يعزز مشروع مرسى للغاز الطبيعي المسال في صحار، بالشراكة بين توتال إنرجيز وأوكيو، توجه السلطنة نحو نماذج تجمع الغاز والطاقة النظيفة وخدمات الشحن. فالمشروع يستهدف توفير الغاز الطبيعي المسال كوقود بحري، مع الاعتماد على الطاقة الشمسية لتغطية احتياجاته الكهربائية. وهذا يضع الغاز العُماني في مساحة جديدة بين التصدير التقليدي والتحول في وقود النقل البحري.

وفي موازاة ذلك، وقّعت عُمان خلال الأعوام الأخيرة عقود توريد طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال مع شركات وأسواق رئيسية، بما يعزز استقرار الإيرادات ويدعم العلاقة مع الأسواق الآسيوية والأوروبية والإقليمية. ويمنح هذا المسار السلطنة قدرة أكبر على التخطيط المالي والصناعي في ظل تقلبات أسواق النفط.

الطاقة في خدمة التنويع

لا تنفصل اتفاقية الامتياز 80 عن مسار التنويع الاقتصادي. فكل استثمار في الاستكشاف والإنتاج يمكن أن يخلق أثراً أوسع في الخدمات البحرية، والهندسة، والصيانة، والتدريب، والمشتريات المحلية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. لذلك تشدد وزارة الطاقة والمعادن على المحتوى المحلي ونقل المعرفة وتنمية الكفاءات الوطنية.

كما يرتبط تطوير موارد النفط والغاز بمشاريع المصب والتكرير والبتروكيماويات. وتبرز مصفاة الدقم "أوكيو 8" كمثال على تحويل قطاع الطاقة إلى منصة صناعية ولوجستية ترتبط بالموانئ والأسواق البحرية المفتوحة. وتدعم هذه المشاريع موقع عُمان في سلاسل التجارة والطاقة، وتمنحها قدرة أكبر على تحويل الموارد الخام إلى منتجات أعلى قيمة.

وفي الوقت نفسه، تتحرك السلطنة نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. ويتطلب هذا المسار خبرة في إدارة المشاريع الكبرى، والتمويل، والتصدير، والسلامة، وبناء الشراكات الدولية. وهي خبرات راكمها قطاع النفط والغاز على مدى عقود، ويمكن توظيفها في اقتصاد الطاقة الجديد.

تمثل اتفاقية الامتياز 80 خطوة محسوبة ضمن مسار طويل. فهي توسع حضور عُمان في المناطق البحرية، وتدعم فرص زيادة الاحتياطات، وتعزز دور أوكيو كمشغل وطني، وتفتح المجال أمام شراكة دولية جديدة.