الكهرباء السورية تدخل دورة استثمار جديدة..
الكهرباء السورية تدخل دورة استثمار جديدة..
من تأمين الوقود إلى بناء قدرات توليد ومنظومة جديدة
-
الاقتصاد والأعمال
تفتح الاتفاقيات الجديدة التي وقعتها أخيراً شركة محمد أحمد الحرفي السعودية في سوريا نافذة على تحول أوسع يجري في قطاع الكهرباء، لا تقتصر أهميته على إضافة مئات الميغاواطات من الطاقة الشمسية، وإنما تمتد إلى شكل السوق التي يمكن أن تتكون حول إعادة بناء القطاع خلال السنوات المقبلة، والفرص التي ستنشأ أمام المستثمرين والمقاولين وموردي المعدات وشركات التشغيل والتمويل.
وبحسب وكالة الأنباء السعودية "واس"، وقعت الشركة ثلاث اتفاقيات لشراء الطاقة مع الشركة السورية للكهرباء، إلى جانب اتفاقيتي تعاون فني مع مركز تطوير المشاريع التابع للشركة السعودية للكهرباء و"سيمنس إنرجي"، لتطوير مشاريع للطاقة الشمسية في منطقة وديان الربيع بريف دمشق بقدرة إجمالية تقارب 760 ميغاواط.
وتكتسب الاتفاقيات أهمية إضافية من طبيعة العلاقة التي تؤسس لها بين الدولة والمستثمر. فعندما يتولى القطاع الخاص تمويل محطة الكهرباء وإنشاءها وتشغيلها ويبيع إنتاجها إلى الشركة السورية للكهرباء بموجب عقد طويل الأجل، تستطيع الدولة إضافة قدرات جديدة من دون تحمل كامل كلفة الاستثمار مباشرة. وإذا أمكن تكرار هذا النموذج وتأمين التمويل له، فإنه يفتح سوق الكهرباء السورية أمام مصادر أوسع من رأس المال والخبرة.

ومن هنا تصبح القضية الأساسية بالنسبة إلى الشركات المهتمة بالقطاع هي شكل السوق التي تتكون حول إعادة بناء الكهرباء. فالاحتياجات لا تتوقف عند إنشاء محطات توليد، وإنما تشمل أيضاً إعادة تأهيل القدرات القائمة، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتوفير التخزين للطاقة المتجددة، وتأمين المعدات والخدمات، وبناء آليات تمويل تسمح بمشاركة أوسع للقطاع الخاص.
من نقص الكهرباء إلى فجوة استثمار
بلغ إنتاج محطات الكهرباء التابعة للدولة خلال عام 2025 نحو 2400 ميغاواط وفق البيانات الرسمية، وهو ما يعكس حجم الإنتاج المتاح وليس مجمل القدرة التصميمية للمحطات السورية. فقد خرجت وحدات من الخدمة أو تراجعت قدرتها بسبب نقص الصيانة وقطع التبديل، فيما عملت وحدات أخرى دون طاقتها بسبب نقص الغاز والوقود.
وظهر أثر الوقود بوضوح مع بدء وصول الغاز عبر الأردن مطلع 2026، عندما أمكن إعادة تشغيل قدرات إضافية ورفع التوليد إلى أكثر من 3000 ميغاواط في إحدى المراحل. وهذا يعني أن جزءاً من العجز يمكن معالجته عبر استعادة قدرات قائمة، في حين يحتاج الجزء الآخر إلى استثمارات جديدة.
وتزداد الحاجة إلى هذه الاستثمارات مع تحسن النشاط الاقتصادي، لأن إعادة تشغيل المصانع وتوسع المناطق الصناعية والخدمات والاتصالات والمرافق اللوجستية سترفع الطلب على الكهرباء. لذلك تتجاوز المشكلة نقص التوليد الحالي إلى الحاجة لبناء منظومة قادرة على مواكبة نمو الاستهلاك مستقبلاً.
5000 ميغاواط تظهر حجم السوق
تعطي المشاريع الكبرى صورة عن حجم السوق المحتملة. فقد انتقلت حزمة المشروعات التي يقودها تحالف دولي تتقدمه "UCC" القطرية، والتي بدأت بمذكرة تفاهم في مايو 2025، إلى اتفاقيات لإنشاء ثماني محطات بقدرة إجمالية تبلغ نحو 5000 ميغاواط، منها نحو 4000 ميغاواط من المحطات الغازية ذات الدورة المركبة و1000 ميغاواط من الطاقة الشمسية.
وبدأت أعمال ميدانية في بعض المواقع، بينها زيزون، مع الإعلان عن تجهيز مواقع في محردة ودير الزور وشمال حلب.
والأثر الاقتصادي لهذه المشاريع يتجاوز قيمة بناء المحطات، لأنها تخلق طلباً على التوربينات والمولدات وأنظمة التحكم والمحولات وخطوط الربط والأعمال المدنية، ثم على خدمات التشغيل والصيانة وقطع الغيار بعد دخولها الخدمة. وينطبق الأمر نفسه على الطاقة الشمسية التي تحتاج إلى الألواح والمحولات والكابلات وأنظمة الربط والحماية والتخزين.
وبالتالي فإن إضافة آلاف الميغاواطات تعني نشوء سوق أوسع من التوليد نفسه، تمتد إلى مجموعة كبيرة من الأنشطة الهندسية والصناعية والخدمية.
النقل والتوزيع بالتوازي مع الإنتاج
تبرز شبكات النقل والتوزيع كواحدة من أهم حلقات هذه السوق، لأن زيادة التوليد لا تحقق أثرها الكامل إذا تعذر نقل الكهرباء بكفاءة من المحطات إلى مناطق الاستهلاك.

وستحتاج إضافة قدرات كبيرة إلى استثمارات موازية في خطوط الجهد العالي ومحطات التحويل والمحولات والكابلات وأنظمة الحماية والتحكم وتحديث شبكات التوزيع. كما أن ارتفاع مساهمة الطاقة الشمسية يزيد الحاجة إلى أنظمة أكثر تطوراً لإدارة الأحمال والمحافظة على توازن الشبكة.
وهذه المشروعات قد توفر مجال دخول واسعاً أمام شركات المقاولات والهندسة وموردي المعدات، لأنها قابلة للتنفيذ ضمن حزم متعددة وفي مناطق مختلفة. كما أن جزءاً منها يجب أن يسبق دخول المحطات الجديدة إلى الخدمة أو يتقدم بالتوازي معها، ما يجعل الشبكات إحدى الأسواق التي يمكن أن تشهد نشاطاً مبكراً.
الطاقة الشمسية تفتح مسار استثماري جديد
يكشف الاتفاق السعودي أيضاً عن انتقال الطاقة الشمسية من حل اعتمد عليه الأفراد والمنشآت للتعامل مع التقنين إلى نشاط استثماري واسع مرتبط بالشبكة الوطنية.
وكانت شركة محمد أحمد الحرفي قد وقعت في فبراير مشروعاً آخر بقدرة 210 ميغاواط مدعوماً ببطاريات تخزين بطاقة 827 ميغاواط/ساعة، إلى جانب مشروعات واتفاقيات أخرى لبيع الكهرباء الشمسية إلى الشبكة.
ويتيح نموذج شراء الطاقة للمستثمر تمويل المحطة وإنشاءها والاحتفاظ بملكيتها وتشغيلها، بينما تشتري الشركة السورية للكهرباء الإنتاج وفق عقد طويل الأجل وسعر وشروط متفق عليها. ويسترد المستثمر كلفة المشروع ويحقق عائده من إيرادات بيع الكهرباء على مدى سنوات، ما يسمح بإضافة قدرات جديدة من خارج التمويل الحكومي المباشر.
لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على إمكانية تمويل المشاريع. فالمصرف أو المستثمر يحتاج إلى الاطمئنان إلى قدرة الشركة السورية للكهرباء على دفع ثمن الطاقة طوال مدة العقد، وإلى وضوح السعر وطريقة تعديله إذا تغيرت التكاليف، وإلى معالجة مخاطر سعر الصرف عندما يكون التمويل أو جزء من المعدات مقوماً بعملات أجنبية. وكلما كانت هذه الشروط واضحة، أصبح جذب التمويل للمشاريع أسهل.
تشابك سوقي الغاز والكهرباء
رغم التوسع في الطاقة الشمسية، يبقى الغاز مهماً لاستقرار منظومة الكهرباء، لأن المحطات الغازية توفر قدرة يمكن تشغيلها بحسب مستوى الطلب وتعوض تراجع إنتاج الطاقة الشمسية في ساعات معينة.
وبدأت سوريا مطلع العام استلام الغاز عبر الأردن ضمن ترتيبات تستهدف توريد نحو أربعة ملايين متر مكعب يومياً لمحطات الكهرباء، إلا أن الاعتماد على الاستيراد يحمل كلفة مالية ويبقي جانباً من الإمدادات مرتبطاً بمصادر خارجية.
لهذا تكتسب زيادة إنتاج الغاز المحلي أهمية مباشرة بالنسبة إلى الكهرباء. فقد بدأت الشركة السورية للبترول في يوليو تنفيذ عقد مع شركة "أديس" السعودية لتطوير عدد من الحقول في المنطقة الوسطى ورفع إنتاجها تدريجياً لتوفير كميات إضافية للمحطات.
وتؤثر هذه الكميات في الجدوى التشغيلية للمحطات الغازية الجديدة، لأن استقرار الوقود وسعره عنصران أساسيان في تحديد كلفة إنتاج الكهرباء وقدرة المحطات على العمل بصورة منتظمة.
التأهيل يوفر سوقاً أسرع
إلى جانب إنشاء محطات جديدة، يوفر تأهيل الموجود فرصة أسرع لإضافة قدرات إلى الشبكة. وقدمت محطة جندر في حمص نموذجاً لذلك بعد استعادة مستويات مرتفعة من الجاهزية إثر أعمال صيانة وتأمين قطع تبديل، بالتوازي مع مشروع تموله اليابان وينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم استقرار بعض وحداتها.

ويخلق هذا النوع من المشروعات طلباً على صيانة التوربينات والمولدات وأنظمة التحكم وقطع الغيار والخدمات الهندسية، ويمكنه إعادة قدرات إلى الخدمة في مدة أقصر من الوقت المطلوب لبناء محطة جديدة.
ولهذا يمكن أن تشكل إعادة تأهيل المحطات وتحديث الشبكات جزءاً نشطاً من السوق في الأجل القريب، بينما تحتاج مشاريع التوليد الكبرى إلى وقت أطول للوصول إلى التشغيل التجاري.
من سيمول السوق الجديدة؟
يبقى التمويل العامل الذي سيحدد سرعة توسع السوق. فالحاجة إلى قدرات توليد جديدة وتأهيل المحطات وتوسعة الشبكات والتخزين تتطلب استثمارات لا يستطيع التمويل العام وحده تحملها.
ومن هنا تكتسب إعادة تنظيم قطاع الكهرباء أهمية خاصة. فقد أنشئت في أبريل 2026 "الشركة السورية للكهرباء" كشركة عامة قابضة تتمتع باستقلال مالي وإداري، ويمكن لهذا الهيكل أن يساعد في توحيد إدارة القطاع والتعامل مع المستثمرين.
لكن الأهم سيكون قدرة الشركة على أن تصبح مشترياً موثوقاً للكهرباء، لأن المستثمر الذي يمول محطة على مدى عشرين أو خمسة وعشرين عاماً يحتاج إلى وضوح بشأن الإيرادات وطريقة السداد وضمان استمرارها. وقد يتطلب ذلك في المراحل الأولى ضمانات حكومية أو أدوات من مؤسسات التمويل التنموي أو هياكل تمويل مشتركة تساعد على تخفيف المخاطر وتشجيع رأس المال الخاص.
سوق تتشكل على عدة مستويات
تظهر من هذه التطورات سوق كهرباء تعمل على أكثر من مستوى في الوقت نفسه: فرص قريبة في تأهيل المحطات والشبكات وتأمين المعدات، وتوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والتخزين، ومشاريع أكبر للتوليد الغازي، إلى جانب سوق متنامية للتمويل والتشغيل والصيانة مع زيادة مشاركة القطاع الخاص.
ولهذا تتجاوز أهمية الاتفاق السعودي الأخير إضافة 760 ميغاواط من الطاقة الشمسية. فهو يعكس اتجاهاً نحو علاقة أكثر تنوعاً بين الدولة والمستثمر، ويمكن أن يفتح قطاعاً اعتمد تاريخياً بدرجة كبيرة على الاستثمار الحكومي أمام مطوري المشاريع والمقاولين وموردي المعدات وشركات التشغيل والتمويل.
وبالنسبة إلى الشركات المهتمة بقطاع الكهرباء السوري، فإن الفرص لا ترتبط فقط بالحاجة إلى بناء محطات جديدة. فإعادة بناء القطاع ستولد طلباً على تأهيل المحطات، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتوسيع التخزين، وتمويل المشاريع وتشغيلها وصيانتها، ما يتيح المجال لشركات مختلفة الأحجام والتخصصات.
وتتوقف قدرة هذه السوق على جذب المزيد من الاستثمارات على انتقال المشاريع الحالية من الاتفاقات إلى التمويل والتنفيذ والتشغيل. فنجاح أولى المشاريع سيقدم للمستثمرين دليلاً عملياً على إمكانية تنفيذ الاستثمارات وتحقيق عائد منها، فيما ستؤدي زيادة الكهرباء المتاحة واستقرار التغذية إلى خفض كلفة تشغيل المصانع والمنشآت وتشجيع استثمارات جديدة. ومن هنا تصبح الكهرباء أحد الشروط الأساسية لتوسيع النشاط الصناعي والخدمي والتجاري ودفع التعافي الاقتصادي.

