شطب سوريا من قائمة الإرهاب يزيل أكبر الحواجز أمام عودتها إلى النظام المالي الدولي

  • 2026-07-10
  • 11:51

شطب سوريا من قائمة الإرهاب يزيل أكبر الحواجز أمام عودتها إلى النظام المالي الدولي

  • الاقتصاد والأعمال

أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس قراره شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مستكملاً مسار رفع القيود الأميركية عن اقتصادها. وتُقرّب هذه الخطوة البلاد من تجاوز أحد أكبر العوائق أمام تعاملاتها المالية والتجارية الدولية.

ويخضع القرار لمراجعة في الكونغرس لمدة 45 يوماً قبل دخوله حيز التنفيذ بصورة نهائية. وكان ترمب قد أبلغ الرئيس السوري أحمد الشرع بأن الخطوة تهدف إلى إزالة الحواجز التي تعطل إعادة إعمار سوريا، مشيراً إلى وجود شركات أميركية مستعدة للاستثمار فيها.

ويمثل القرار استكمالاً لعملية بدأت في عام 2025 برفع العقوبات الاقتصادية الشاملة وتخفيف قيود التصدير وإلغاء قانون قيصر.

كيف يُنفذ القرار؟

لا يصبح شطب سوريا نافذاً بمجرد إعلان الرئيس. إذ يتعين على الإدارة الأميركية إخطار الكونغرس وتقديم المبررات القانونية التي تؤكد تغير سياسات الدولة، وتوقفها عن دعم الإرهاب الدولي، والتزامها بعدم تقديم هذا الدعم مستقبلاً.

وبعد انقضاء مهلة المراجعة، تستطيع وزارة الخارجية إزالة سوريا رسمياً من القائمة، ما لم يتخذ الكونغرس إجراء يمنع القرار.

ويؤدي الشطب إلى رفع القيود المرتبطة بهذا التصنيف على المساعدات الخارجية الأميركية وصادرات الدفاع وبعض المعاملات المالية. وكانت سوريا مدرجة على القائمة منذ عام 1979.

الأثر الأهم في القطاع المالي

بدأ تخفيف القيود في 23 مايو 2025، عندما أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية الرخصة العامة رقم 25. وسمحت الرخصة بمعظم المعاملات التي كانت محظورة بموجب نظام العقوبات على سوريا، بما شمل الاستثمار ونشاط القطاع الخاص والتعامل مع الحكومة السورية الجديدة ومصرف سوريا المركزي وعدد من المؤسسات والمصارف السورية.

واتسع نطاق الانفتاح في 30 يونيو 2025، عندما أصدر الرئيس دونالد ترمب أمراً تنفيذياً أنهى برنامج العقوبات الشاملة على سوريا اعتباراً من الأول من يوليو. ونفذت وزارة الخزانة القرار من خلال شطب الجهات التي كانت مدرجة حصراً بموجب برنامج العقوبات السوري، ومن بينها مصرف سوريا المركزي، ما أتاح للمصارف الأميركية إنشاء علاقات مراسلة وتقديم الخدمات المالية إلى المؤسسات السورية غير الخاضعة لعقوبات أخرى.

وفي 28 أغسطس 2025، خفف مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية ضوابط تصدير السلع والبرمجيات والتقنيات المدنية إلى سوريا. ودخلت القواعد الجديدة حيز التنفيذ في 2 سبتمبر، فسمحت بتصدير وإعادة تصدير معظم السلع الأساسية غير الحساسة من دون ترخيص خاص، مع استمرار القيود على المواد الحساسة وبعض المنتجات ذات الاستخدام المزدوج.

تقدم هذا المسار في ديسمبر 2025 بإلغاء الكونغرس الأميركي قانون قيصر، الذي كان يفرض عقوبات على جهات أجنبية تتعامل مع الحكومة السورية وبعض قطاعات الاقتصاد.

 

وهكذا، جاء السماح بالتجارة والاستثمار والخدمات المالية عبر مجموعة قرارات اتخذتها وزارة الخزانة والرئيس الأميركي ووزارة التجارة، ولم يكن نتيجة قرار واحد.

مع ذلك، ظل تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب يرفع مستوى المخاطر القانونية والسياسية لدى المصارف الدولية. لذلك قد يكون الأثر الأهم للقرار الجديد في تخفيف تردد إدارات الامتثال، خصوصاً لدى المصارف التي تعتمد على الدولار أو تحتاج إلى علاقات مراسلة مع المؤسسات الأميركية.

ولا يعني الشطب عودة العلاقات المصرفية بصورة تلقائية. فكل مصرف سيواصل تقييم مخاطر السوق السورية، ومدى التزام المصارف المحلية بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ووضوح ملكية الشركات والأطراف المستفيدة من التحويلات.

لكن إزالة التصنيف تمنح المصارف أساساً قانونياً أوضح لفتح الحسابات ومعالجة التحويلات وتمويل التجارة وإنشاء علاقات المراسلة، وقد تخفف الحاجة إلى مرور المدفوعات عبر وسطاء وقنوات غير مباشرة.

ومن المرجح أن يمتد أثر القرار إلى التعاملات السورية مع دول الخليج وتركيا وأوروبا. فكثير من المصارف غير الأميركية كانت تتجنب سوريا بسبب الخشية من المخاطر المرتبطة بالنظام المالي الأميركي، حتى عندما تكون المعاملة مسموحة قانونياً.

التجارة والاستثمار

ظلت التجارة المباشرة بين سوريا والولايات المتحدة محدودة نتيجة العقوبات وصعوبة المدفوعات والتأمين والشحن. ولن تتحول الولايات المتحدة سريعاً إلى شريك تجاري رئيسي لسوريا، إلا أن القرار يحسن البيئة التي تعمل فيها الشركات.

يمكن أن تستفيد سوريا من استيراد الآلات الصناعية والمعدات الزراعية وتجهيزات الكهرباء والطاقة والاتصالات والمعدات الطبية والبرمجيات الأميركية. كما قد تبدأ شركات أميركية دراسة فرص في البنية التحتية والطاقة والخدمات الرقمية والنقل.

أما الاستثمارات الخليجية والدولية، فقد تستفيد من انخفاض المخاطر القانونية وتحسن القدرة على تحويل الأموال وتمويل الواردات وإصدار الضمانات والتأمين على المشاريع.

وقد يوسع القرار مستقبلاً دور بنوك التصدير ومؤسسات تمويل التنمية وشركات التأمين على المخاطر السياسية، وهي مؤسسات يصعب عليها عادة دخول أسواق مصنفة راعية للإرهاب.

 عقوبات فردية ما زالت قائمة

لم ترفع واشنطن جميع العقوبات المرتبطة بسوريا. فقد أبقت القيود على بشار الأسد ومعاونيه، والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وشبكات تجارة الكبتاغون، والأشخاص المرتبطين بأنشطة الانتشار السابقة، وتنظيمي داعش والقاعدة، إضافة إلى الجهات المرتبطة بإيران ووكلائها.

لذلك يتعين على الشركات والمصارف فحص أسماء أطراف الصفقات والمساهمين والمستفيدين الحقيقيين. فرفع العقوبات عن الدولة لا يسمح بالتعامل مع شخص أو شركة مدرجة بصورة منفصلة على القوائم الأميركية.

كما ستبقى صادرات الأسلحة والمواد العسكرية والتقنيات الحساسة خاضعة لرقابة مشددة.

القائمة الرمادية لـ"فاتف"

إلى جانب العقوبات الأميركية، لا تزال سوريا مدرجة على قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة لدى مجموعة العمل المالي "فاتف"، المعروفة بالقائمة الرمادية.

ولا يعني الإدراج فرض عقوبات مالية مباشرة، لكنه يشير إلى وجود نواقص في نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقد يدفع المصارف الدولية إلى طلب معلومات إضافية أو تجنب بعض العمليات بسبب ارتفاع كلفة الامتثال.

ويتطلب الخروج من القائمة تحسين التشريعات، وتعزيز الرقابة المصرفية، وتطوير عمل وحدة مكافحة غسل الأموال، وتتبع الأموال غير المشروعة، وتحسين تبادل المعلومات مع الجهات الدولية.

وبذلك يزيل القرار الأميركي حاجزاً مهماً، لكنه لا ينهي جميع الصعوبات التي تواجه عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي.

فرصة اقتصادية مرتبطة بالإصلاح

يمكن أن يسهم شطب سوريا من قائمة الإرهاب في توسيع التحويلات وتمويل التجارة وجذب الاستثمارات وخفض مخاطر التعامل مع المصارف السورية. كما يرسل إشارة سياسية إلى الحكومات والشركات بأن واشنطن تدعم إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الدولي.

إلا أن الاستفادة الفعلية ستعتمد على الإجراءات التي تتخذها دمشق. فالمستثمرون والمصارف يحتاجون إلى قوانين واضحة، وقضاء قادر على حماية العقود، وشفافية في ملكية الشركات، ومصارف قابلة للتدقيق واصلاحات اخرى.

ستظهر القيمة الحقيقية للقرار عندما تتحول التغييرات القانونية إلى تحويلات مصرفية فعلية وتمويل تجاري واستثمارات قابلة للتنفيذ. وبعد إزالة الجزء الأكبر من العقوبات، ينتقل التحدي تدريجياً من رفع القيود الخارجية إلى بناء المؤسسات السورية القادرة على الاستفادة من الانفتاح الجديد.