حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
الاقتصاد والأعمال
أقر مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان خطة عمل الحوكمة المؤسسية بصيغتها النهائية في آب 2026، في خطوة يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لمسار إصلاحي طال انتظاره في أحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد اللبناني. أهمية الخطة لا تأتي فقط من إعادة تنظيم آليات اتخاذ القرار والرقابة داخل المؤسسة، وإنما من الصلة المباشرة بين تحسين الحوكمة واستعادة قدرة قطاع الكهرباء على جذب التمويل والاستثمار اللذين يحتاج إليهما لزيادة الإنتاج وتطوير الشبكة وخفض كلفة الخدمة.
فالقطاع لا يعاني نقصاً في معرفة ما يحتاج إليه. فالجميع في لبنان يعرف منذ سنوات أن هناك حاجة إلى قدرات إنتاج إضافية، ووقود أقل كلفة، وشبكة أكثر كفاءة، وتحسين الجباية وخفض الهدر. العقدة الأساسية بقيت في قدرة المؤسسة والقطاع على تحويل هذه الاحتياجات إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ. ومن هنا تكتسب خطة الحوكمة أهميتها، إذ إنها تستهدف بناء المؤسسة التي يفترض أن تدير هذه الاستثمارات وتتعاقد بشأنها وتتابع تنفيذها وتوفر للممولين والمستثمرين مستوى أعلى من الشفافية والمساءلة.
وهذه الصلة لم تعد نظرية. فالإصلاحات المطلوبة من مؤسسة كهرباء لبنان ترتبط أيضاً بمسار يجري العمل عليه مع البنك الدولي لتمكين مشاريع جديدة، من بينها معمل دير عمار 2 ومشروع التغويز في خليج البداوي. وهكذا تصبح الحوكمة حلقة تصل الإصلاح المؤسسي بالاستثمار الفعلي في القطاع.
إصلاح المؤسسة قبل التوسع
تنطلق خطة مجلس الإدارة من تشخيص واضح مفاده أن استدامة التحسن التشغيلي والمالي تحتاج أولاً إلى مؤسسة أقوى. وتربط الوثيقة بين الحوكمة والقدرة المؤسسية والأداء التشغيلي والاستدامة المالية والقيمة العامة، معتبرة أن إصلاح الحوكمة هو الأساس الذي يتوقف عليه التعافي التشغيلي والاستدامة المالية واستعادة الثقة بالمؤسسة.

وهذا التحول في المقاربة مهم. فقد انصب جانب كبير من النقاش حول الكهرباء في لبنان طوال سنوات على كمية التغذية، وأسعار الوقود، والتعرفة، والمعامل المطلوب بناؤها. وهي عناصر أساسية، لكنها لا تكفي إذا بقيت المؤسسة المسؤولة عن إدارة القطاع عاجزة عن إنتاج حسابات مالية موثوقة، أو إدارة مشاريع كبرى وفق قواعد واضحة، أو تحديد المسؤولية عن القرارات والنتائج.
ولهذا تتوزع الخطة على ست ركائز تشمل حوكمة مجلس الإدارة وفعاليته، والحوكمة الداخلية والتدقيق والمخاطر والامتثال والنزاهة، وحوكمة المشاريع، والمساءلة التشغيلية، والحوكمة المالية والشفافية والاستدامة، وصولاً إلى القدرة التنظيمية والتحول الرقمي. والغاية العملية من هذه البنية هي جعل القرار والمسؤولية والرقابة والأداء المالي أكثر وضوحاً وقابلية للقياس.
مجلس إدارة جديد يقود مسار الإصلاح
وتعود البداية العملية لهذا المسار الإصلاحي إلى صدور المرسوم رقم 2956 في 30 نيسان 2026، الذي تضمن تعيين أعضاء جدد في مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، قبل أن تتبلور جهود المجلس لاحقاً في إقرار خطة عمل الحوكمة المؤسسية. ويبرز في هذا المسار سامر أنيس الحسنية، العضو غير التنفيذي في المجلس، بوصفه المعدّ الرئيسي للخطة وقائد برنامج إعدادها، بالتنسيق مع مجلس الإدارة وإدارة المؤسسة والبنك الدولي. ويعكس ذلك أن مسار الحوكمة الحالي لم يبدأ مع إقرار الوثيقة وحده، وإنما مع إعادة تفعيل مجلس الإدارة وتولي أعضائه مهمة دفع الإصلاح المؤسسي ووضع آليات لتنفيذه.
الحوكمة كبنية تحتية للتمويل
هذه النقطة هي الأهم اقتصادياً. فإعادة بناء قطاع الكهرباء تحتاج مبالغ لا تستطيع الدولة اللبنانية توفيرها وحدها، ما يجعل المؤسسات المالية الدولية ورأس المال الخاص والشراكات الاستثمارية جزءاً أساسياً من أي مسار واقعي للتوسع.

لكن المستثمر لا يمول الحاجة فقط. فوجود عجز في إنتاج الكهرباء لا يكفي لجذب رأس المال. المستثمر يريد معرفة الجهة التي سيتعاقد معها، وقدرتها المالية، وكيفية اتخاذ القرارات، ومدى وضوح الحسابات، وآليات فض النزاعات، وكيفية إدارة المشاريع والمشتريات، ومن يتحمل المسؤولية إذا انحرف المشروع عن الكلفة أو الجدول الزمني.
من هذا المنظار، تصبح الحوكمة جزءاً من البنية التحتية اللازمة للقطاع، تماماً كما هي المعامل والشبكات. والفارق أن هذه البنية غير مرئية، لكنها تحدد إلى حد بعيد قدرة المشاريع المادية على الوصول إلى التمويل.
وتعكس الخطة هذا الاتجاه بوضوح من خلال إدخال حوكمة المشاريع والشراء والاستثمار ضمن أولويات الإصلاح، بما يشمل مراجعة دراسات الجدوى، والقيمة مقابل الكلفة، والرقابة على المراحل التنفيذية، والتأكيد المستقل على المشاريع المشمولة.
شروط البنك الدولي تضع الإصلاح أمام اختبار عملي
تظهر العلاقة بين الحوكمة والتمويل بصورة أكثر وضوحاً في الشروط الإصلاحية المرتبطة بمسار البنك الدولي والضمانات المطلوبة لمشاريع الكهرباء، وفي مقدمتها مشروع معمل دير عمار ومشروع التغويز في خليج البداوي.
تشمل المتطلبات نشر البيانات المالية المدققة لمؤسسة كهرباء لبنان عن الأعوام 2023 و2024 و2025، وتعيين مدقق حسابات خارجي مستقل لتدقيق بيانات 2026، واستكمال تقييم موجودات المؤسسة، وإعداد ونشر الميزانية الافتتاحية وفق المعايير المحاسبية الدولية. كما تشمل نشر تقارير نصف سنوية تبين التقدم في تنفيذ خطة الاستدامة المالية وخطة التدفقات النقدية.
تكشف هذه المتطلبات جوهر المشكلة. فالممول الذي سيتحمل مخاطر مرتبطة بمشروع طويل الأجل يحتاج قبل ذلك إلى معرفة الوضع المالي الحقيقي للجهة المقابلة، وحجم موجوداتها والتزاماتها وقدرتها على إدارة السيولة والوفاء بالتزاماتها.
الشفافية المالية في صلب الإصلاح
والمهم أن خطة الحوكمة تسير في الاتجاه نفسه. فهي تنص على استكمال الميزانية الافتتاحية، ووضع خارطة للانتقال إلى المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، ثم إعداد بيانات مالية وفق هذه المعايير والوصول إلى بيانات مدققة خارجياً، إلى جانب تعيين المدقق الخارجي في الوقت المناسب ومعالجة ملاحظات التدقيق بصورة منهجية.
كما تنص الخطة على وضع إطار لإدارة الخزينة والنقد، وإعداد توقعات للتدفقات النقدية، وإجراء التسويات المصرفية بصورة منتظمة، ورفع تقارير دورية عن السيولة والخزينة.
وبذلك لا يظهر مسار البنك الدولي وخطة الحوكمة كبرنامجين منفصلين. كلاهما يلتقي عند هدف واحد هو جعل المؤسسة أكثر شفافية وقابلية للمساءلة وقادرة على إثبات وضعها المالي أمام الجهات التي ستوفر التمويل أو الضمانات.
دير عمار والبداوي أول اختبار
لهذا يمكن النظر إلى دير عمار ومشروع التغويز في البداوي باعتبارهما أول اختبار اقتصادي حقيقي للتحول الذي تستهدفه الخطة.

إذا استطاعت مؤسسة كهرباء لبنان تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتحسين الشفافية المالية، وإظهار قدرة أكبر على إدارة التدفقات النقدية والمشاريع والعقود، فإن النتيجة لن تقتصر على تحسين صورتها المؤسسية. يمكن أن ينعكس ذلك مباشرة على قدرة لبنان على استخدام ضمانات المؤسسات الدولية لتخفيف المخاطر أمام المستثمرين والممولين وتحريك مشاريع كان تمويلها صعباً في ظل الوضع المالي القائم للدولة.
والأهمية تتجاوز المشروعين. نجاح هذا النموذج يمكن أن يؤسس لآلية قابلة للتوسع نحو استثمارات أخرى في الإنتاج والنقل والتوزيع والعدادات والبنية الرقمية. وهنا تنتقل الحوكمة من كونها التزاماً إصلاحياً إلى أداة عملية لحشد رأس المال.
الخطة تحتاج إلى جهاز لتنفيذها
غير أن إقرار الخطة لا يعني تنفيذها. وهذه ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.
الوثيقة نفسها تقر بأن الرأسمال البشري والقدرة التنظيمية يشكلان شرطاً أساسياً لنجاح البرنامج، وأن المؤسسة تحتاج إلى القدرات اللازمة لتنفيذ الإصلاحات وترسيخها عبر مختلف مجالات الحوكمة.
ولهذا تتضمن الخطة إنشاء "مكتب تحول إصلاح الحوكمة" وتشكيل لجنة توجيهية داخل المؤسسة وتشغيل لوحة لمتابعة التنفيذ وسجل للمخاطر وآليات منتظمة لإعداد التقارير. وتضع إنشاء هذه البنية في مقدمة الالتزامات التنفيذية ذات الأولوية.
الكفاءات والموارد شرط للتنفيذ
وهذا يعني أن الإصلاح يحتاج إلى فريق متفرغ وكفاءات محاسبية ومالية وقانونية وتقنية، وإلى تمويل للتحول نفسه. فالمؤسسة التي تعاني نقصاً في الموارد البشرية لا يمكن مطالبتها بتنفيذ برنامج بهذا الاتساع من خلال الهيكل الحالي وحده.
ومن هنا يصبح إنشاء مكتب التحول وتأمين موارده اختباراً مبكراً لجدية التنفيذ. فالوثيقة يمكن إقرارها بقرار، أما تغيير طريقة عمل المؤسسة فيحتاج سنوات من المتابعة والموارد والمساءلة.
إصلاح يمكن أن يبدأ قبل إعادة هيكلة القطاع
من نقاط القوة في الخطة أيضاً أنها لا تربط بدء الإصلاح بحسم الشكل النهائي لقطاع الكهرباء. فالوثيقة تميز بين التدابير التي تستطيع المؤسسة تنفيذها ضمن صلاحياتها الحالية وبين القرارات السيادية المتعلقة بتطبيق القانون 462/2002، ومنها التحويل إلى شركة مساهمة عامة والفصل بين أنشطة القطاع وإنشاء كيانات مستقبلية.
وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن انتظار الاتفاق على كل تفاصيل إعادة هيكلة القطاع كان يمكن أن يتحول إلى سبب إضافي للتأجيل. تستطيع المؤسسة منذ الآن تحسين حساباتها، وضبط عملياتها، وتطوير الرقابة، والفصل المحاسبي بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، وإعداد نفسها لأي هيكل يقر لاحقاً.
بمعنى آخر، يمكن بناء مؤسسة أكثر جاهزية قبل اكتمال إعادة تنظيم القطاع.
الكهرباء نقطة البداية للتعافي
يبقى البعد الأوسع هو الاقتصاد اللبناني نفسه. فلا يمكن بناء تعافٍ اقتصادي مستدام مع كهرباء غير موثوقة ومرتفعة الكلفة تدفع الشركات والأسر إلى الاعتماد على بدائل خاصة أكثر كلفة.
تدخل الكهرباء بصورة مباشرة أو غير مباشرة في كلفة الصناعة والسياحة والتجارة والخدمات والتكنولوجيا، وتؤثر في قرار المستثمر قبل تأسيس أي مشروع. لذلك فإن تحسين التغذية وخفض الكلفة لا يمثلان إصلاحاً قطاعياً محدوداً، وإنما تحسناً في بيئة الاستثمار والقدرة التنافسية للاقتصاد كله.
وهذا ما تعكسه رؤية الخطة نفسها، التي تربط تقديم كهرباء موثوقة وميسورة ومستدامة بالتعافي الاقتصادي ونمو القطاع الخاص والتنمية الطويلة الأجل.
من إصلاح المؤسسة إلى التعافي الاقتصادي
من هنا، قد يكون إقرار خطة الحوكمة بداية رحلة الألف ميل، لكنه يبقى البداية فقط. يبدأ الامتحان في تحويل هذه الخطة إلى مؤسسات وآليات عمل وحسابات مدققة وشفافة ومساءلة فعلية، ثم في تلبية المتطلبات التي تسمح بفتح باب التمويل.
ذا نجح تنفيذ هذه الإصلاحات، فلن يقتصر أثرها على تحسين إدارة مؤسسة كهرباء لبنان. فتعزيز الشفافية والانضباط المالي يمكن أن يعيد ثقة الممولين والمستثمرين بالمؤسسة، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة في القطاع. وقد يشكل تمويل مشروعي دير عمار والتغويز في البداوي أول نتيجة عملية لهذا المسار. ومن هناك، يمكن أن يبدأ توسيع الاستثمار في الإنتاج والشبكة، بما يساعد على تحسين التغذية وخفض كلفة الكهرباء ودعم تعافي الاقتصاد اللبناني.

