اقتصاد عُمان في الربع الأول... نمو هادئ وسط اختبار النفط والجغرافيا

  • 2026-07-06
  • 15:11

اقتصاد عُمان في الربع الأول... نمو هادئ وسط اختبار النفط والجغرافيا

  • الاقتصاد والأعمال

تقدم أرقام الناتج المحلي الإجمالي العُماني في الربع الأول من عام 2026 صورة اقتصاد يتحرك بثبات، لكنه يتحرك في بيئة إقليمية أكثر صعوبة. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بنسبة 2.6 في المئة ليصل إلى 9.68 مليار ريال عُماني، مقارنة بـ 9.44 مليار ريال في الربع الأول من عام 2025، وفق البيانات الأولية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.

ويؤكد ذلك أن الاقتصاد بدأ العام بنمو إيجابي، مدفوعاً بتحسن الأنشطة النفطية من جهة، واستمرار توسع الأنشطة الخدمية والزراعة وصيد الأسماك من جهة أخرى.

النفط يعود إلى دعم النمو

المؤشر الأبرز في هذه الأرقام هو أن الأنشطة النفطية سجلت نمواً بنسبة 4.6 في المئة، لتصل إلى 3.03 مليار ريال عُماني. وارتفعت القيمة المضافة لنشاط النفط الخام بنسبة 4.3 في المئة، فيما نما نشاط الغاز الطبيعي بنسبة 6 في المئة.

وقد أعاد هذا الأداء للقطاع النفطي دوراً أكبر في دفع النمو، بعد فترة كانت فيها قيود الإنتاج وتقلبات السوق تضغط على مساهمة القطاع في اقتصادات الخليج.

ويعتبرهذا التحسن مهماً لعُمان لأن النفط والغاز لا يزالان يشكلان رافعة أساسية للناتج والإيرادات العامة والميزان الخارجي. لكنه يأتي في توقيت استثنائي. فحرب إيران وما رافقها من اضطراب في حركة الملاحة والطاقة أعادت تذكير دول الخليج بأن قوة المؤشرات النفطية يمكن أن تتحول بسرعة من عامل دعم إلى مصدر ضغط إذا ارتفعت المخاطر البحرية أو زادت كلفة التأمين والشحن.

أظهرت حرب إيران أن موقع عُمان يمنحها أفضلية نسبية داخل الخليج، من دون أن يعزلها كلياً عن المخاطر. فالسلطنة تمتلك موانئ ومرافق على بحر العرب وخليج عُمان، وبعضها يقع خارج مضيق هرمز، ما سمح لها بالحفاظ على قدرة تصديرية ولوجستية أفضل من دول تعتمد بصورة أكبر على المرور عبر المضيق.

وقد ساعد ذلك، مع ارتفاع أسعار النفط، على تعزيز الإيرادات النفطية خلال فترة التوتر. غير أن الحرب رفعت أيضاً كلفة التأمين والشحن، وفرضت إجراءات احترازية حول بعض المنشآت، ما يعني أن المكسب العُماني كان نسبياً ومشروطاً باستمرار الاستقرار البحري.

ومن هنا تبرز فرصة أكبر أمام السلطنة في مرحلة ما بعد الحرب، إذ يمكن لموانئ الدقم وصلالة وصحار أن تتحول إلى جزء من شبكة خليجية أكثر مرونة، توفر منافذ بديلة للتجارة والطاقة والتخزين وإعادة التصدير. وستتوقف قدرة عُمان على تحويل هذه الأفضلية الجغرافية إلى مكسب اقتصادي طويل الأجل على سرعة تطوير الربط البري واللوجستي مع دول الخليج، وتعميق الصناعات حول الموانئ، وجذب استثمارات في التخزين، والهيدروجين، والصناعات التحويلية، والخدمات البحرية.

الأنشطة غير النفطية تواصل التقدم

رغم عودة النفط إلى دعم النمو، فإن الجزء الأكثر أهمية في بيانات الربع الأول هو استمرار توسع الأنشطة غير النفطية بنسبة 2.4 في المئة، لتبلغ 7.04 مليار ريال عُماني. ويعطي هذا الرقم النمو طابعاً أكثر توازناً، خصوصاً أن الأنشطة الخدمية ارتفعت بنسبة 3.7 في المئة إلى 4.72 مليار ريال، كما نما نشاط الزراعة وصيد الأسماك بنسبة 6.1 في المئة إلى 337.8 مليون ريال. في المقابل، سجلت الأنشطة الصناعية تراجعاً بنسبة 1.2 في المئة، لتصل إلى 1.98 مليار ريال.

 يكشف أداء الأنشطة غير النفطية عن تفاوت واضح بين قطاع وآخر. فقد جاءت الخدمات في موقع أقوى لأنها ترتبط مباشرة بحركة التجارة والسياحة والنقل واللوجستيات والاستهلاك، وهي قطاعات تستجيب سريعاً لتحسن النشاط الاقتصادي.

ويعكس قطاعي والزراعة وصيد الأسماك اتجاهاً لتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي في قطاعات مرتبطة بالأمن الغذائي وسلاسل القيمة. أما تراجع الصناعة فيشير إلى أن التنويع لا يزال بحاجة إلى قاعدة إنتاجية أعمق، خصوصاً في الصناعات التحويلية والتصديرية والقطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة أعلى.

وهنا تتقاطع نتائج الربع الأول مع الدرس الذي أظهرته الحرب. فالمرونة الاقتصادية  تقاس بقدرة الدولة على تصدير النفط عند ارتفاع الأسعار وأيضاً بقدرتها على بناء قطاعات غير نفطية قادرة على امتصاص الصدمات، وتوفير بدائل في التجارة والغذاء والصناعة والخدمات اللوجستية. وهذا يجعل نمو الخدمات والزراعة وصيد الأسماك مؤشراً إيجابياً، بينما يضع تراجع الصناعة أمام الحكومة تحدياً واضحاً في تسريع الاستثمار الصناعي وربطه بالموانئ والمناطق الاقتصادية.

الربع الأول بين الإصلاح والإنفاق المنضبط

لا يمكن فصل أرقام النمو عن المسار المالي الذي اتبعته عُمان خلال السنوات الأخيرة. فقد ساعدت الإدارة المالية الحذرة على خفض الدين وتحسين ثقة المستثمرين وتعزيز قدرة الدولة على تمويل المشاريع ذات الأولوية. وتظهر أهمية هذا المسار في أن النمو لم يأت نتيجة توسع مالي غير منضبط، وإنما ضمن إطار يحاول الجمع بين الاستقرار المالي وتمويل التحول الاقتصادي.

تعطي هذه الخلفية أرقام الربع الأول معنى إضافياً. فالسلطنة  استخدمت تحسن المالية العامة لتوسيع قاعدة الاستثمار، وتحسين كفاءة الإنفاق، وخفض الاعتماد على الإيرادات النفطية. ويظهر ذلك في توجهات خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة وموازنة 2026، حيث تتركز الأولويات على استدامة المالية العامة، وضبط مستويات الدين، وتوسيع الإيرادات غير النفطية، مع الاستمرار في تمويل المشاريع التنموية والحماية الاجتماعية.

دقم والهيدروجين وصناديق الاستثمار

تظهر مبادرات الحكومة أن عُمان تحاول تحويل الاستقرار المالي إلى منصة استثمارية. ففي يونيو 2026، وقعت السلطنة حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بقيمة تقارب 2.9 مليار ريال عُماني، أي نحو 7.5 مليار دولار، تشمل الطاقة والهيدروجين الأخضر والصناعة والسياحة ومشاريع أخرى.  

توفر هذه المشاريع للتنويع بعداً عملياً. فالدقم ليست تمثل محاولة لبناء مركز صناعي ولوجستي خارج المسار التقليدي المعتمد على النفط الخام. كما أن الهيدروجين الأخضر يربط عُمان بتحولات الطاقة العالمية، خصوصاً أن السلطنة تستهدف بناء موقع متقدم في اقتصاد الطاقة الجديدة، مستفيدة من مواردها الطبيعية وموقعها البحري وقربها من أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.

إلى جانب ذلك، يبرز دور صندوق عُمان المستقبل، الذي يستهدف الاستثمار داخل السلطنة في قطاعات غير النفط والغاز والعقار، مع تركيز على الخدمات، والصناعة، والتعدين، والطاقة النظيفة، والسياحة، والتقنية.  

ماذا تعني الأرقام لبقية العام؟

تعطي أرقام الربع الأول إشارة إيجابية لبقية 2026، لكنها تضع الاقتصاد أمام اختبارات أساسية. الاختبار الأول هو مسار أسعار النفط. فإذا بقيت الأسعار عند مستويات داعمة، ستستفيد المالية العامة والقطاع النفطي، وسيبقى النمو مدعوماً بإيرادات أفضل. أما إذا تراجعت الأسعار مع عودة المعروض وهدوء المخاطر الجيوسياسية، فستظهر مجدداً أهمية ضبط الإنفاق وتسريع التنويع.

الاختبار الثاني هو أثر حرب إيران على التجارة والطاقة. فقد تستطيع عُمان الاستفادة من موقعها خارج قلب الاختناق في هرمز، ومن موانئها المطلة على بحر العرب وخليج عُمان، لكنها ستبقى جزءاً من بيئة بحرية إقليمية تتأثر بالتأمين والشحن والمخاطر الأمنية. لذلك فإن المكسب الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار التصدير عند الأزمات، إنما في تحويل هذا الموقع إلى بنية دائمة للمرونة الخليجية.

الاختبار الثالث هو قدرة القطاعات غير النفطية على تسريع النمو. فالخدمات والزراعة وصيد الأسماك حققت أداءً جيداً في الربع الأول، لكن تراجع الصناعة يوضح أن التحول الاقتصادي يحتاج إلى وقت واستثمارات أعمق. لذلك ستكون نتائج بقية العام مرتبطة بمدى تقدم مشاريع الدقم، وتفعيل صندوق عُمان المستقبل، واستمرار إصلاحات سوق العمل، وتحسين بيئة الأعمال، وتوسيع الصادرات غير النفطية.

نمو مستقر لا يلغي الحاجة إلى تسريع التنويع

تقول أرقام الربع الأول إن الاقتصاد العُماني بدأ 2026 من موقع أفضل من سنوات الضغط المالي السابقة. النمو إيجابي، المالية العامة أكثر تماسكاً، والمشاريع الاستثمارية الكبرى بدأت تتحول إلى رافعة عملية لرؤية عُمان 2040.

لكن الأرقام نفسها تقول أيضاً إن النفط لا يزال حاضراً بقوة في معادلة النمو، وأن التنويع يحتاج إلى انتقال أسرع من توسع الخدمات إلى بناء قاعدة إنتاجية وتصديرية أعمق.

تكشف أرقام الربع الأول عن تحسن اقتصادي وعن فرصة لعُمان كي تتحول من اقتصاد يستفيد من موقعه إلى منصة خليجية للمرونة اللوجستية والطاقة والتجارة.

فقد أعطت الحرب موقع السلطنة قيمة استراتيجية أكبر، وأظهرت أن الموانئ والمناطق الاقتصادية والربط الإقليمي يمكن أن تصبح جزءاً من مناعة اقتصادية أوسع في الخليج.