"أريد" تدخل حوسبة الذكاء الاصطناعي باستثمار 800 مليون دولار... مسار نمو جديد يتجاوز الاتصالات

  • 2026-08-09
  • 19:07

"أريد" تدخل حوسبة الذكاء الاصطناعي باستثمار 800 مليون دولار... مسار نمو جديد يتجاوز الاتصالات

  • الاقتصاد والأعمال

تفتح مجموعة "أريد" القطرية مساراً جديداً للنمو خارج نشاط الاتصالات التقليدي، باستثمار يصل إلى نحو 800 مليون دولار في منصة "زانكور" المتخصصة في حوسبة الذكاء الاصطناعي في إندونيسيا، في خطوة توسع أعمال المجموعة من شبكات الاتصال ومراكز البيانات إلى الاستثمار المباشر في البنية التحتية الحاسوبية التي تحتاج إليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وأعلنت المجموعة أنها ستصبح مساهماً مؤسساً ومستثمراً رئيساً بحصة تبلغ 49 في المئة في "زانكور"، وهي منصة للحوسبة السحابية الجديدة "Neocloud" مخصصة للذكاء الاصطناعي، جرى تطويرها بالتعاون مع "إندوسات أريد هتشيسون" و"نوكيا" و"إنفيديا". وتستهدف المنصة توفير ما يصل إلى 1 غيغاواط من قدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي القائمة على تقنيات "إنفيديا"، وفق ما أعلنته المجموعة.

لا يمكن حصر الأهمية الأساسية للصفقة في حجم الاستثمار الذي تنطوي عليه، وإنما في طبيعة النشاط الذي تدخله "أريد". فالمجموعة بنت خلال السنوات الماضية مجموعة من الأعمال المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية تشمل مراكز البيانات والأبراج والألياف البصرية والاتصال الدولي، بينما تضيف "زانكور" إلى هذه المحفظة نشاطاً مختلفاً يقوم على توفير القدرة الحاسوبية نفسها للشركات ومطوري تطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعي.

وهذا ما يجعل الصفقة امتداداً لاستراتيجية "RISE" التي تنفذها المجموعة لتوسيع مصادر النمو خارج أعمال الاتصالات الأساسية، وتحويل بعض مرافق البنية التحتية التي كانت تخدم نشاط الاتصالات إلى منصات مستقلة يمكن أن تستقطب عملاء واستثمارات وتولد إيرادات وأرباحاً بذاتها.

من مراكز البيانات إلى القدرة الحاسوبية

سبقت صفقة "زانكور" خطوات عدة اتخذتها "أريد" لتوسيع حضورها في البنية التحتية الرقمية. ومن أبرزها فصل أعمال مراكز البيانات في منصة مستقلة تحت اسم "Syntys"، التي تعمل على تطوير مراكز بيانات مهيأة للخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ورفعت "Syntys" خلال النصف الأول من 2026 قدرتها التشغيلية في قطر إلى 26 ميغاواط وإجمالي سعتها إلى 30 ميغاواط، بعد استحواذها على "Q Data"، فيما تستهدف الوصول إلى أكثر من 120 ميغاواط بحلول 2030. كما حصلت خلال الربع الثاني على عقد إضافي مع أحد كبار مزودي الخدمات السحابية بقدرة 8.4 ميغاواط. وبلغت إيرادات الشركة خلال النصف الأول 112 مليون ريال قطري، فيما سجلت أرباحاً قبل الفائدة والضريبة والاستهلاك والإطفاء بقيمة 46 مليون ريال.

وتختلف "زانكور" عن هذا النشاط في نقطة أساسية. فـ "Syntys" توفر منشآت مراكز البيانات والطاقة والاتصال والبنية اللازمة لتشغيل الخوادم، بينما تستهدف "زانكور" تقديم قدرة حاسوبية متخصصة في الذكاء الاصطناعي من خلال منصة سحابية جديدة.

وبذلك تنتقل "أريد" خطوة إضافية إلى داخل منظومة الذكاء الاصطناعي من خلال  توفير المكان والاتصال والبنية الأساسية إلى الاستثمار في المنصة التي توفر موارد الحوسبة نفسها للعملاء.

استثمار يستهدف عائداً مالياً واضحاً

ويعطي الإعلان عن العوائد المتوقعة مؤشراً على أن "أريد" تتعامل مع النشاط باعتباره مصدراً تجارياً جديداً وليس مشروعاً تقنياً تجريبياً.

فوفق تقديرات المجموعة الحالية، يتوقع أن يسهم الاستثمار الأولي في "زانكور" بنحو 600 مليون دولار من الأرباح التراكمية قبل الفائدة والضريبة والاستهلاك والإطفاء خلال السنوات الخمس الأولى. كما تتوقع المجموعة أن يزيد الاستثمار مساهمة البنية التحتية الرقمية في أرباحها ويوسع قاعدة إيراداتها المقومة بالعملات الأجنبية.

ولا يعني هذا الرقم أن "أريد" ستسترد بالضرورة 600 مليون دولار نقداً خلال خمس سنوات، إذ يتعلق بمساهمة متوقعة في الأرباح قبل الفائدة والضريبة والاستهلاك والإطفاء، وليس بصافي الربح أو التدفقات النقدية. لكنه يعطي مؤشراً على الحجم المالي الذي تتوقع المجموعة أن يصل إليه النشاط إذا جرى تنفيذ المشروع وفق الخطط المعلنة.

وتأتي الصفقة في وقت تتمتع فيه "أريد" بقدرة مالية تمنحها مساحة لتمويل توسعات جديدة. فقد بلغت إيرادات المجموعة في النصف الأول من 2026 نحو 12.5 مليار ريال قطري، وبلغت الأرباح قبل الفائدة والضريبة والاستهلاك والإطفاء 5.5 مليار ريال، فيما وصل التدفق النقدي الحر إلى 3.9 مليار ريال.

وبلغت نسبة صافي الدين إلى الأرباح قبل الفائدة والضريبة والاستهلاك والإطفاء 0.6 مرة بنهاية يونيو، مقارنة بنطاق مستهدف يتراوح بين 1.5 و2.5 مرة. كما بلغت الاحتياطيات النقدية للمجموعة 10.9 مليار ريال، إلى جانب 6.4 مليار ريال من التسهيلات الملتزم بها وغير المسحوبة. وتوفر هذه المؤشرات للمجموعة مرونة لتمويل استثمارات جديدة مع المحافظة على مركز مالي مريح.

إندونيسيا قاعدة للتوسع في جنوب شرق آسيا

ويكتسب اختيار إندونيسيا أهمية خاصة لأن "أريد" لا تدخل سوقاً جديدة بالكامل. فالمجموعة موجودة فيها عبر "إندوسات أريد هتشيسون"، ما يوفر للمنصة قاعدة تشغيلية محلية وخبرة في السوق وعلاقات قائمة مع العملاء والشركاء.

ويتيح الاستثمار للمجموعة البناء على وجودها في واحدة من أكبر أسواق جنوب شرق آسيا، مع الانتقال إلى نشاط يرتبط مباشرة بالنمو المتوقع للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة "أريد" عزيز العثمان فخرو إن المجموعة عملت خلال الأعوام الماضية على بناء محفظة للبنية التحتية الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإن الاستثمار في "زانكور" يمثل الخطوة التالية من خلال إضافة حوسبة الذكاء الاصطناعي إلى هذه المحفظة وتوسيع نطاقها إلى جنوب شرق آسيا.

وتلخص هذه الرؤية جوهر الصفقة. فالمجموعة لا تستثمر في شركة تقنية بعيدة عن أعمالها، وإنما تضيف نشاطاً يمكن ربطه بما تمتلكه أصلاً من شبكات ومراكز بيانات واتصال وعلاقات مع شركات التكنولوجيا العالمية.

ماذا تعني الصفقة لقطر؟

أما بالنسبة إلى قطر، فتأتي الصفقة ضمن توجه أوسع نحو بناء حضور مباشر في الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي، داخل الدولة وخارجها.

ففي ديسمبر 2025، أسست شركة "Qai" التابعة لجهاز قطر للاستثمار شراكة مع "Brookfield" بقيمة 20 مليار دولار للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في قطر وأسواق دولية مختارة، تشمل تطوير مرافق متكاملة للحوسبة عالية الأداء. وتستهدف الشراكة توسيع قدرات الحوسبة داخل قطر، إلى جانب البحث عن فرص استثمار خارجية.

كما وسع جهاز قطر للاستثمار استثماراته في شركات مرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية، بما يعكس اهتماماً متزايداً بالاستفادة من النمو السريع في الطلب العالمي على الحوسبة المتقدمة.

ومن هذا المنظار، تضيف صفقة "زانكور" بعداً مهماً. فالاستثمارات القطرية في الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في جهاز قطر للاستثمار أو في بناء القدرات داخل الدولة، وإنما تمتد أيضاً إلى الشركات الوطنية التشغيلية التي تبدأ بتوسيع أنشطتها التجارية في هذا القطاع خارج قطر.

وتكمن القيمة الاقتصادية لهذا المسار في أن قطر تستطيع الاستفادة من نمو الذكاء الاصطناعي عبر أكثر من قناة: بناء مراكز وقدرات حوسبة داخل البلاد، والاستثمار في الشركات التقنية العالمية، وامتلاك شركات قطرية حصصاً في منصات تشغيلية تقدم هذه الخدمات في أسواق خارجية.

وهذا يضيف بعداً جديداً إلى مسار التنويع الاقتصادي. فبدلاً من أن تقتصر الاستثمارات الدولية للشركات القطرية على القطاعات التقليدية، تتجه رؤوس الأموال والخبرات التشغيلية بصورة متزايدة إلى البنية التحتية التي سيقوم عليها جانب متنامٍ من الاقتصاد الرقمي العالمي.

نشاط جديد داخل مجموعة أكبر

لهذا تبدو "زانكور" أكثر من صفقة استثمارية منفردة في محفظة "أريد". فهي تمثل محاولة لتحويل الخبرة والموجودات التي بنتها المجموعة في الاتصالات والبنية التحتية الرقمية إلى مصدر نمو جديد مرتبط مباشرة بالطلب المتزايد على الحوسبة.

وسيظل نجاح هذا التوجه مرتبطاً بتنفيذ المشروع والوصول إلى مستويات الاستخدام والعوائد المستهدفة، خصوصاً أن بناء قدرات حوسبة بهذا الحجم يتطلب استثمارات كبيرة في المعدات والطاقة ومراكز البيانات والوصول إلى العملاء.

لكن الاتجاه أصبح واضحاً. فـ"أريد" تعمل على بناء مجموعة تضم إلى جانب الاتصالات منصات مستقلة في مراكز البيانات والأبراج والألياف والتكنولوجيا المالية، وتضيف إليها الآن حوسبة الذكاء الاصطناعي.

 ومع تطور أعمال "زانكور" ونموها وتحقيق أهدافها التشغيلية والمالية، ستعزز المنصة قدرة "أريد" على تسريع التحول الذي تعمل عليه في نموذج أعمالها، وزيادة مساهمة البنية التحتية الرقمية والخدمات المرتبطة بها في نمو المجموعة مستقبلاً. وبذلك تصبح حوسبة الذكاء الاصطناعي امتداداً جديداً للأعمال التي بنتها "أريد" في مراكز البيانات والأبراج والألياف، ومصدراً إضافياً للنمو يرتبط مباشرة بالتوسع المتسارع للاقتصاد الرقمي.