مظهر محمد صالح: العراق يتحرك نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وانفتاحاً والتمويل هو مفتاح التحول
مظهر محمد صالح: العراق يتحرك نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وانفتاحاً والتمويل هو مفتاح التحول
-
ميسون حسين
يقدم مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، نفسه في حديثه كرجل اقتصاد ومال يمتلك رؤية تتجاوز إدارة الملفات اليومية إلى التفكير في المسار الذي ينبغي أن يسلكه الاقتصاد العراقي خلال السنوات المقبلة. فهو يتحدث بلغة الاقتصاد الحديث، ويربط بين المالية العامة والمصارف والاستثمار والقطاع الخاص والبنية التحتية وموقع العراق الإقليمي ضمن رؤية واحدة، ويقارب هذه الملفات بعقلية رجل دولة أكثر من مقاربة الخبير المنشغل بالتفاصيل الفنية وحدها.
في طرحه ابتعاد واضح عن الشعبوية وعن الحلول السهلة. فهو يرى أن العراق يمتلك من الثروات والموارد والموقع الجغرافي ما كان يمكن أن يضعه في موقع اقتصادي أكثر تقدماً، وأن الفجوة بين الإمكانات الكبيرة والنتائج المتحققة تمثل إحدى أبرز الفرص الضائعة التي راكمتها العقود الماضية. ومن هنا ينطلق في حديثه عن الإصلاح بوصفه مساراً لا مفر منه، يشمل المصارف والمالية العامة وبيئة الاستثمار والقطاع العام ودور القطاع الخاص، ويهدف إلى جعل الاقتصاد أكثر عقلانية وكفاءة وقدرة على اجتذاب رأس المال وتوجيهه نحو الإنتاج.
ولا ينظر صالح إلى الإصلاحات باعتبارها إجراءات متفرقة، وإنما كخريطة طريق مترابطة تشمل نظام مصرفي قوي ومندمج عالمياً، ومالية عامة أقل ارتهاناً لتقلبات النفط، قطاع خاص أوسع حضوراً، وبيئة استثمارية أكثر وضوحاً، وبنية تحتية تستفيد من موقع العراق بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن.
وفي خلفية هذه الرؤية فكرة مركزية تتكرر في حديثه مفادها أن على العراق أن ينتقل من مجرد امتلاك الثروة والموقع إلى حسن توظيفهما، وأن يحول موارده وجغرافيته وعلاقاته الخارجية إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل ونمو أكثر استدامة.
ويرى صالح أن العراق يقف أمام تحول اقتصادي واسع تتداخل فيه زيادة الاستثمارات الخارجية مع إصلاح الجهاز المصرفي وتنويع الاقتصاد وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، بالتوازي مع تطوير الممرات التجارية والطاقة التي تربط العراق بمحيطه. ويعتبر أن الموقع الجغرافي للبلاد يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي إضافي إذا اقترن ببنية تحتية حديثة ونظام مالي قادر على تمويل الإنتاج والاستثمار.
في هذا الحوار، يتناول صالح نتائج الانفتاح الاقتصادي العراقي، ومتطلبات تحويل الاتفاقات الاستثمارية إلى مشروعات فعلية، وإصلاح المصارف، والمالية العامة، والقطاع الخاص، وموقع العراق في شبكة المصالح الاقتصادية الإقليمية والدولية.
شهدت الفترة الأخيرة توسعاً في الاتفاقات ومذكرات التفاهم بين العراق والولايات المتحدة. كيف تنظرون إلى النتائج الاقتصادية لهذا الانفتاح؟
تظهر الأهمية الحقيقية لأي اتفاق اقتصادي عندما ينتقل إلى الاستثمار والتنفيذ. العراق يعمل على توسيع شراكاته الاقتصادية والاستثمارية، والاتفاقات التي جرى التوصل إليها توفر قاعدة يمكن البناء عليها في قطاعات مختلفة. لكن المطلوب هو متابعة كل مشروع وتحديد التزاماته التمويلية والاستثمارية وجدوله الزمني والجهة المسؤولة عن تنفيذه. النجاح في النهاية سيقاس بحجم رأس المال الذي يدخل العراق، والمشروعات التي تبدأ العمل، وما تضيفه إلى الإنتاج والتشغيل.
ما الذي يحتاجه العراق حتى تنتقل هذه الاتفاقات بصورة أسرع إلى التنفيذ؟
هناك جانب يتعلق بالبيئة الداخلية، بدءاً من سرعة إصدار التراخيص وتخصيص الأراضي وترتيب التمويل والضمانات، وصولاً إلى وضوح الإجراءات القانونية والتنظيمية. المستثمر يريد بيئة مستقرة يستطيع فيها تنفيذ عقده وتحويل أمواله وأرباحه والتعامل مع جهة واضحة صاحبة قرار. لذلك فإن التنسيق بين المؤسسات الحكومية وتحسين الإجراءات جزء أساسي من تحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشروعات فعلية.
تحويل الجغرافيا إلى مورد اقتصادي
تحدثتم عن تحول العراق من الجغرافيا السياسية إلى “الجغرافيا الاقتصادية”. ما المقصود بذلك؟
العراق دولة استراتيجية من حيث الجغرافيا، وموقعه يسمح له بأن يكون نقطة اتصال بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن والأسواق المحيطة. الجغرافيا الاقتصادية تركز على الإنتاج والموارد والعلاقات الاقتصادية بين الدول، وعلى كيفية تحويل الموقع إلى تجارة واستثمار ونقل وطاقة. لكن الاستفادة من هذه المزايا تتطلب جهازاً مالياً ومصرفياً قوياً، لأن التمويل يسبق الإنتاج وأي نشاط اقتصادي.
إصلاح المصارف وإنهاء العزلة المالية
لماذا تضعون إصلاح القطاع المصرفي في قلب هذا التحول؟
لأن الاستثمار والإنتاج يحتاجان إلى تمويل ونظام مدفوعات ومصارف قادرة على التعامل مع العالم. الجهاز المصرفي العراقي تأثر ببنى قديمة وظروف سياسية سابقة، وهذا أدى إلى تشوهات وأبقاه بعيداً عن الاندماج الكامل بالنظام المالي العالمي. المطلوب اليوم هو الانتقال إلى الامتثال المؤسسي وبناء مصارف تعمل وفق الحوكمة والشفافية وتخدم الاقتصاد الحقيقي.
ما الذي ستغيره عملية إعادة الهيكلة الحالية؟
تشمل إعادة هيكلة المصارف الأهلية دمج بعضها وتصفية عدد محدود منها، وإدخال شركاء استراتيجيين من مصارف عالمية، وزيادة رؤوس الأموال، واعتماد أنظمة تدقيق ومحاسبة دولية. الاتجاه سيكون نحو عدد أقل من المصارف، لكن بمؤسسات أقوى مالياً وأكثر قدرة على إدارة السيولة والمخاطر وتمويل النشاط الاقتصادي.
وما علاقة ذلك بقدرة المصارف العراقية على تمويل القطاع الخاص؟
هذه إحدى الغايات الأساسية للإصلاح. جزء كبير من النشاط المصرفي ظل مرتبطاً بالتحويلات والأنشطة قصيرة الأجل والإنفاق الحكومي. الاقتصاد الذي يريد زيادة الاستثمار والإنتاج يحتاج إلى مصارف تستطيع تمويل الشركات والمشروعات. زيادة رؤوس الأموال وتحسين إدارة المخاطر وبناء علاقات مع المصارف العالمية ترفع قدرة القطاع المصرفي على القيام بهذه الوظيفة.
ما أهمية الامتثال لمعايير مجموعة العمل المالي FATF بالنسبة إلى العراق؟
أصبحت هذه المعايير مرجعاً عالمياً لمكافحة غسل الأموال والجرائم المالية. الالتزام بها يعزز الثقة الدولية بالنظام المالي. العراق انضم منذ عام 2004 إلى منظومة العمل المالي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأنشأ مجلساً أعلى لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب برئاسة البنك المركزي. وكلما تحسن مستوى الامتثال، انخفضت المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المصارف العراقية.
البعض ينظر بحساسية إلى مشاركة خبراء من وزارة الخزانة الأميركية والمؤسسات الدولية في عملية الإصلاح. كيف تردون؟
يأتي وجود هؤلاء الخبراء في إطار التعاون الفني ولا يمس السيادة الوطنية. الهدف هو الاستفادة من الخبرات الدولية وبناء قطاع مصرفي يعمل وفق المعايير العالمية. الولايات المتحدة تمتلك أكبر سوق مالية في العالم ولديها تأثير كبير في النظام المالي الدولي، ومن الطبيعي أن يكون التعاون الفني معها ومع المؤسسات الدولية جزءاً من عملية تحديث القطاع.
متى يمكن أن تظهر نتائج ملموسة للإصلاح المصرفي؟
ينفذ العراق خارطة طريق بالتعاون مع شركات تدقيق عالمية، وأتوقع أن تظهر خلال 24 شهراً تغيرات كبيرة في هيكل القطاع. سيكون هناك عدد أقل من المصارف مع رؤوس أموال أكبر وعلاقات أوسع مع المؤسسات المالية العالمية. وزيادة عدد المصارف المراسلة الدولية ستكون مؤشراً مهماً على نجاح الإصلاح وإنهاء عزلة المصارف العراقية.
تمويل التنمية وضبط المالية العامة

العراق يحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية. كيف يمكن تمويلها من دون تحميل الموازنة أعباء كبيرة؟
لا يمكن الاعتماد على الموازنة وحدها. هناك خيارات متعددة تشمل التمويل المصرفي الدولي، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والضمانات السيادية، إلى جانب مساهمة الدولة المباشرة في بعض المشروعات. المهم هو توزيع المخاطر بصورة سليمة وتحديد حدود التزامات الدولة المالية بحيث لا تتحول المشروعات إلى عبء مستقبلي على المالية العامة.
هذا يقود إلى الاعتماد الكبير للموازنة على النفط. ما الأولوية في إصلاح المالية العامة؟
المطلوب توسيع الإيرادات غير النفطية وتحسين كفاءة الإنفاق وإدارة العجز والدين بصورة أكثر استقراراً، مع الحرص على عدم تحميل القطاع الخاص المنظم أعباء تعرقل نموه. كما أن وجود إطار مالي متوسط الأجل يساعد على وضع سقوف ومسارات واضحة للإنفاق والعجز والدين، ويخفض أثر التقلبات السنوية في أسعار النفط على القرارات المالية.
التنويع وإطلاق طاقات القطاع الخاص
أين يقف تنويع الاقتصاد ضمن هذه الرؤية؟
أصبح التنويع ضرورة اقتصادية. المطلوب زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج والصادرات وخلق فرص العمل. العراق يمتلك إمكانات في الصناعة والزراعة والنقل والخدمات والطاقة وغيرها، لكن إطلاق هذه الطاقات يتطلب استثمارات وتمويلاً وبنية تحتية وقطاعاً خاصاً أكثر قدرة على المبادرة.
وما الذي يحتاجه القطاع الخاص العراقي تحديداً؟
يحتاج القطاع الخاص إلى فرص متكافئة في الوصول إلى التمويل والأراضي والعقود الحكومية، وإلى إجراءات أبسط وأكثر وضوحاً. كما أن فتح قطاعات جديدة أمام الاستثمار الخاص وإعادة النظر في الطريقة التي تعمل بها بعض الشركات العامة يمكن أن يوسع مساحة النشاط الخاص ويزيد مساهمته في الإنتاج والتشغيل.
العراق كممر للتجارة والطاقة
كيف تندرج مشاريع مثل “طريق التنمية” والسكك والموانئ وخطوط الطاقة ضمن التحول الاقتصادي؟
ينبغي النظر إلى هذه المشروعات ضمن رؤية مترابطة. العراق يمكن أن يكون ممراً للتجارة والطاقة بين الخليج وتركيا والأسواق الأخرى. طريق التنمية والموانئ والسكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز والربط الكهربائي يمكن أن تكمل بعضها بعضاً وتحول الموقع الجغرافي للعراق إلى مصدر للدخل والاستثمار والنشاط الاقتصادي.
تعدد الشراكات وتوسيع الخيارات
العراق يقيم علاقات اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة والصين والخليج وأوروبا وتركيا والدول العربية. هل هناك توجه للاعتماد على شريك محدد؟
تقوم مصلحة العراق على تعدد الشراكات. اختيار الشريك يجب أن يرتبط بطبيعة المشروع وشروط التمويل ونقل التكنولوجيا وتشغيل العراقيين وما يقدمه المشروع للاقتصاد الوطني. يمنح وجود أكثر من مصدر للاستثمار والتمويل والتكنولوجيا العراق خيارات أوسع ويزيد قدرته على اختيار العروض التي تحقق أفضل عائد اقتصادي.
خريطة طريق لاقتصاد أكثر إنتاجاً
إذا أردنا اختصار الاتجاه الاقتصادي الذي يسير فيه العراق، فما العنصر الذي يجمع كل هذه الملفات؟
المطلوب بناء اقتصاد يستطيع تحويل الموارد والموقع الجغرافي والعلاقات الخارجية إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل. وهذا يتطلب إصلاح النظام المالي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وإعطاء القطاع الخاص مساحة أكبر، وتطوير البنية التحتية التي تربط العراق بالأسواق المحيطة. هذه العناصر مترابطة، ونجاح أحدها يدعم نجاح العناصر الأخرى.
الأكثر قراءة
-
"لوبريف" تُحول تقلبات السوق إلى أرباح قياسية وتدفقات نقدية قوية
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
الشركات السعودية تعيد شراء أسهمها مع تطور السوق والحوكمة
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات

