استثمارات "موانئ دبي العالمية" تبدأ في مرفأ طرطوس

  • 2026-08-21
  • 12:41

استثمارات "موانئ دبي العالمية" تبدأ في مرفأ طرطوس

  • الاقتصاد والأعمال

بدأ مشروع تطوير مرفأ طرطوس ينتقل من الاتفاقات والخطط الاستثمارية إلى تغييرات ملموسة في قدراته التشغيلية، وقد أنجزت مجموعة "موانئ دبي العالمية" مرحلة رئيسية من برنامجها الاستثماري البالغ 800 مليون دولار، مع وصول ثلاث رافعات مرفئية متنقلة جديدة يتوقع أن ترفع طاقة مناولة البضائع في المرفأ بنحو 40 في المئة. وتمثل هذه الخطوة جزءاً من برنامج أوسع يمتد على 30 عاماً يستهدف تطوير البنية التحتية وتوسيع الطاقة الاستيعابية وتحديث أنظمة المناولة وإدخال حلول تشغيلية ورقمية حديثة.

ومع هذه الاستثمارات بدأ مرفأ طرطوس بالتحول تدريجياً إلى أحد المكونات الرئيسية لمشروع أوسع لتحديث منظومة النقل والتجارة السورية وربط الساحل بالأسواق الداخلية، ثم بالدول المجاورة. وإذا تقدم هذا المسار بالتوازي مع تحديث الطرق والسكك الحديدية والمنافذ البرية والموانئ الجافة، تستطيع سوريا استثمار موقعها بين البحر المتوسط والعراق والأردن لتصبح نقطة عبور وتوزيع للبضائع على مستوى المنطقة.

تشغيل المرفأ وبناء مركز لوجستي

وقعت الحكومة السورية في يوليو 2025 اتفاق امتياز لمدة 30 عاماً مع مجموعة "موانئ دبي العالمية" لتطوير مرفأ طرطوس وتشغيله وإدارته، تلتزم المجموعة بموجبه باستثمار 800 مليون دولار في تحديث البنية التحتية للمرفأ وتوسيع طاقته التشغيلية ورفع كفاءة خدمات المناولة والخدمات اللوجستية. وبدأت الشركة عملياتها رسمياً في المرفأ في نوفمبر من العام نفسه وأشارت إلى أن المشروع يستهدف وضع طرطوس ضمن شبكة تربط جنوب أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويشكل وصول الرافعات الثلاث مؤشراً مهماً لأن التحسن في أداء الموانئ يبدأ في جانب كبير منه من سرعة مناولة السفن. وكلما تقلص وقت الانتظار والتفريغ والتحميل، ارتفعت قدرة المرفأ على استقبال حركة إضافية وتراجعت تكاليف تشغيل السفن والبضائع.

لكن الوصول إلى كامل الفوائد المنتظرة من استثمار الـ800 مليون دولار يرتبط بمجموعة أوسع من الأعمال. فالبرنامج يشمل البنية التحتية للمرفأ ومرافق المناولة والأنظمة الرقمية والطاقة الاستيعابية. ومن شأن تنفيذ هذه العمليات التطويرية بصورة متكاملة أن يغير طبيعة طرطوس من مرفأ يعتمد بدرجة كبيرة على السوق المحلية إلى مركز قادر على المنافسة على جزء من التجارة العابرة للحدود.

وتملك "موانئ دبي العالمية" في هذا المجال ميزة إضافية تتمثل في الشبكة العالمية من الموانئ ومحطات الحاويات والخدمات اللوجستية التي تديرها. لذلك فإن أهمية دخولها طرطوس ترتبط أيضاً بإمكانية إدخال المرفأ ضمن شبكات تجارية قائمة واستقطاب خطوط ملاحية وشحنات جديدة مع تحسن الظروف التشغيلية والتجارية.

أثر يتجاوز حدود المرفأ

يمكن أن ينعكس مشروع تطوير طرطوس على الاقتصاد السوري عبر قنوات متعددة. فأول أثر مباشر يتمثل في زيادة كفاءة الاستيراد، وهو أمر مهم لاقتصاد يدخل فترة واسعة من إعادة تأهيل المنشآت والبنية التحتية ويعتمد على استيراد المعدات والآلات والمواد الأولية ومدخلات الإنتاج.

كما يمكن أن يساعد تحسين المرفأ المنتجين السوريين على الوصول إلى الأسواق الخارجية بكلفة ووقت أقل، خصوصاً المنتجات الزراعية والغذائية والصناعات التي تعتمد قدرتها التنافسية بدرجة كبيرة على كفاءة النقل.

أما الأثر الثالث فيظهر حول المرفأ نفسه. فالموانئ الحديثة لا تعمل كأرصفة لتحميل السفن فقط، وإنما تنشأ حولها خدمات التخزين والنقل البري والتخليص والتوزيع والصيانة والتأمين والخدمات البحرية والمناطق اللوجستية. ويساعد هذا النشاط على جذب استثمارات إضافية وخلق فرص عمل وتوسيع قاعدة الخدمات المرتبطة بالتجارة الخارجية.

ويمكن للمرفأ أن يوفر ايضا إيرادات مباشرة وغير مباشرة للدولة من رسوم الخدمات والنشاط التجاري والاقتصادي الذي يتولد حوله، فيما تؤدي زيادة المنافسة بين المنافذ وتطوير تقنيات العمل إلى تحسين كفاءة التجارة السورية بصورة أوسع.

اللاذقية يتحرك بالتوازي

ليس طرطوس المشروع البحري الكبير الوحيد الجاري تطويره حالياً في سوريا. ففي مرفأ اللاذقية، الذي يمثل البوابة الرئيسية لحركة الحاويات السورية، وقعت مجموعة الشحن الفرنسية  CMA CGM  اتفاق امتياز لمدة 30 عاماً يتضمن استثمار نحو 230 مليون يورو، منها 30 مليون يورو في السنة الأولى والباقي خلال السنوات الأربع التالية، إلى جانب إنشاء رصيف جديد بطول 1.5 كيلومتر وعمق 17 متراً.

 وفي نوفمبر 2025، وسعت مجموعة "موانئ أبوظبي" حضورها في قطاع الموانئ السوري عبر اتفاق مع مجموعة CMA CGM للاستحواذ على حصة 20 في المئة في شركة "محطة حاويات اللاذقية الدولية"، المشغلة لمحطة الحاويات في مرفأ اللاذقية، مقابل 81 مليون درهم، أي نحو 22 مليون دولار. وكانت  CMA Terminals ، التابعة للمجموعة الفرنسية، تتولى تشغيل المحطة منذ عام 2009، قبل توقيع اتفاق امتياز معدل لمدة 30 عاماً في مايو 2025. وبذلك أصبحت "موانئ أبوظبي" شريكاً في تشغيل وتطوير محطة الحاويات التي تتعامل مع أكثر من 95 في المئة من حركة الحاويات السورية.

 

يقدم وجود ثلاثة أسماء دولية كبيرة، "موانئ دبي العالمية"، CMA CGM  و"موانئ أبوظبي"، داخل قطاع الموانئ السوري مؤشراً مهماً إلى الاتجاه الذي يسلكه القطاع. فهذه الشركات تأتي معها بخبرات تشغيل وشبكات شحن وعلاقات مع مستوردين ومصدرين وقدرة على ربط الموانئ السورية بحركة التجارة الدولية.

المرفأ وحده لا يصنع الممر

يظهر العنصر الأكثر أهمية في التحول الجاري عندما يتم ربط الموانئ بالسوق الداخلية وبالمنافذ البرية.

وفي مايو 2026، وقعت سوريا اتفاقاً مع CMA CGM لتشغيل ميناءين جافين في عدرا قرب دمشق وحلب، بالتزامن مع تشغيل تجريبي لقطار شحن بين مرفأ اللاذقية وعدرا بعد انقطاع استمر نحو 14 عاماً.

هنا تتضح الصورة الأكبر. فالسفينة تصل إلى الساحل، لكن الميزة اللوجستية الحقيقية تتكون عندما تستطيع الحاوية الانتقال سريعاً عبر السكك الحديدية أو الطرق إلى دمشق وحلب، ومنها باتجاه الحدود الأردنية والعراقية، أو في الاتجاه المعاكس نحو البحر المتوسط.

سوريا وموقع جديد على خريطة التجارة الإقليمية

تعطي الجغرافيا سوريا أساساً قوياً لهذا التحول، فمرافئها تقع على شرق المتوسط، بينما يمتد خلفها نطاق اقتصادي يصل إلى العراق والأردن ودول الخليج. ويمكن لهذه الجغرافيا، مع تحسن البنية التحتية وتبسيط إجراءات الجمارك والعبور، أن توفر مساراً إضافياً لتجارة المنطقة مع المتوسط وأوروبا.

تحمل هذه الامكانية أهمية أكبر في بيئة إقليمية باتت فيها الدول والشركات تبحث عن تنويع طرق التجارة والطاقة وتقليل الاعتماد على مسار واحد. ومن هنا يمكن النظر إلى تطوير طرطوس ضمن مشروع اقتصادي يتجاوز حاجات السوق السورية ويمنح البلاد فرصة لاستعادة وظيفة تجارية ولوجستية فقدت جزءاً كبيراً منها خلال السنوات الماضية.

ومع تقدم استثمارات طرطوس واللاذقية والموانئ الجافة وإعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية، تبدأ أجزاء هذا المشروع بالظهور بشكل أوضح على الأرض. ويبقى التحدي في ربطها ضمن منظومة واحدة تشمل المرافئ والطرق والقطارات والمعابر والجمارك والخدمات الرقمية.

وإذا تحقق ذلك، فإن عائد الـ 800 مليون دولار المخصصة لطرطوس سيتضمن زيادة عدد السفن وأطنان البضائع التي يستطيع المرفأ مناولتها والنشاط الذي يمكن أن ينشأ في النقل والتخزين والتوزيع، التجارة العابرة، الاستثمارات الصناعية، الصادرات، وتدفقات البضائع بين المتوسط والداخل العربي. عندها يصبح تطوير طرطوس جزءاً أساسياً من بناء قطاع لوجستي يمكن أن يحتل موقعاً مهماً في الاقتصاد السوري الجديد وفي شبكة التجارة الإقليمية.