معرض دمشق الدولي يعكس تحولاً أوسع في موقع سوريا الاقتصادي

  • 2026-08-29
  • 17:52

معرض دمشق الدولي يعكس تحولاً أوسع في موقع سوريا الاقتصادي

  • الاقتصاد والأعمال

يعود معرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين بحضور واسع يضم نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، لكن أهمية هذه الدورة لا تأتي من حجم المشاركة وحده، فالمعرض ينعقد في وقت تحاول فيه سوريا الانتقال من تخفيف العزلة الاقتصادية إلى إعادة بناء علاقاتها التجارية والاستثمارية وتحويل الانفتاح الخارجي إلى نشاط اقتصادي فعلي.

لهذا يمكن النظر إلى المعرض باعتباره أكثر من مناسبة لعرض المنتجات أو توقيع اتفاقات متفرقة، فهو يجمع في مكان واحد مجموعة من التحولات التي تسارعت خلال الأشهر الماضية، مع عودة قنوات الدفع، وتخفيف القيود على التعامل المالي والتجاري، وازدياد اهتمام الشركات الإقليمية بالسوق السورية، وبدء طرح مشاريع في البنية التحتية والصناعة والطاقة والنقل.

السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت سوريا قادرة على استقطاب وفود وشركات إلى دمشق، وإنما ما إذا كانت البيئة الاقتصادية الجديدة قادرة على تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات وتجارة وعلاقات طويلة الأجل.

العودة الخارجية تدخل اختبار السوق

شهدت سوريا خلال الفترة الأخيرة تغيراً واضحاً في بيئتها الخارجية. إزالة معظم العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا وعدد من القيود التي كانت تعرقل التعامل معها وإعادة فتح قنوات مالية وتجارية أسهمتا في خفض جزء من الكلفة والمخاطر التي كانت تواجه الشركات الأجنبية. غير أن إزالة العوائق لا تنتج الاستثمار تلقائياً.

فالشركة التي تفكر في دخول سوريا ستبحث عن حجم الفرصة، وإمكانية تحويل الأموال، وضمان العقود، وسرعة الحصول على التراخيص، واستقرار القواعد التنظيمية، وتوافر الكهرباء والنقل والتمويل والشركاء المحليين.

وهنا تبرز أهمية معرض دمشق الدولي، إذ يمنح الشركات فرصة الانتقال من متابعة سوريا من الخارج إلى اختبار السوق مباشرة، والاجتماع بالجهات الحكومية ورجال الأعمال، وفهم التغييرات التنظيمية، وتكوين صورة أوضح عن المخاطر والعائد المتوقع.

ويمكن اعتبار المعرض إحدى أولى المساحات الواسعة التي يلتقي فيها الانفتاح الخارجي الجديد مع حسابات الاستثمار الفعلية.

السوق السورية تتغير طبيعتها

تواجه السوق السورية طلباً واسعاً على المعدات والآلات ومواد البناء والكهرباء والنقل والاتصالات والخدمات الهندسية والتكنولوجيا والتمويل لتلبية احتياجات إعادة الإعمار، وهو ما يغير وظيفة المعرض ويمنحه بعداً يتجاوز تجارة السلع الجاهزة.

يمكن للمعرض أن يصبح مكاناً لبحث مشاريع إنتاجية وشراكات صناعية واتفاقات توريد طويلة الأجل وتأسيس شركات جديدة. وتزداد القيمة الاقتصادية لهذه الوظيفة إذا استطاعت سوريا استخدام الطلب الكبير لتوسيع طاقتها الإنتاجية المحلية، بحيث يبقى جزء أكبر من الإنفاق داخل الاقتصاد ويتحول إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات جديدة.

وبالتالي، فإن إعادة الإعمار ليست مسألة إنشاء طرق ومبان وبنى تحتية وحسب، وإنما فرصة لإعادة تنشيط قطاعات إنتاجية كاملة وربطها بسلاسل توريد واستثمار جديدة.

الصناعة والتصدير ضمن مسار واحد

تحتل الصناعة موقعاً مهماً في هذه المعادلة، لأن المصانع السورية تحتاج في الوقت نفسه إلى استعادة علاقاتها مع موردي المعدات ومدخلات الإنتاج وإعادة بناء حضورها في الأسواق الخارجية.

وتأتي منظومة "صناعة سورية"، التي أطلقتها وزارة الاقتصاد والصناعة خلال المعرض، ضمن هذا الاتجاه عبر تنظيم اعتماد المنتجات وتعزيز موثوقيتها وإثبات منشئها الصناعي. ويتكامل ذلك مع تأسيس مجلس المصدرين السوريين كإطار لتنظيم عمل المصدرين والمساعدة في معالجة العقبات التي تواجه وصول المنتجات السورية إلى الأسواق.

الربط بين الإنتاج والجودة والتصدير مهم في المرحلة الحالية. فالتعافي الصناعي لا يرتبط بزيادة الإنتاج المحلي وحدها، وإنما بقدرة الشركات السورية على تطوير منتجات قادرة على المنافسة واستعادة أسواق خارجية فقدت جزءاً منها خلال السنوات الماضية.

ومعرض دمشق الدولي يوفر لهذه الشركات مساحة للقاء الموردين والمستثمرين والموزعين، ما يجعله إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لإعادة وصل الصناعة السورية بشبكات التجارة الإقليمية.

إعادة طرح موقع سوريا في اقتصاد المنطقة

هناك بعد آخر يجعل دورة 2026 مختلفة، وهو أن عودة سوريا اقتصادياً لا ترتبط بالسوق المحلية وحدها.

يوفر موقع البلاد بين تركيا والعراق والأردن ولبنان، واتصالها بشرق المتوسط، لسوريا إمكانية استعادة دور في التجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد والنقل. ولهذا ترتبط مشاريع المرافئ والطرق والمعابر والمناطق الصناعية والطاقة بمسألة أوسع من إعادة بناء الاقتصاد الداخلي، لأنها تحدد أيضاً قدرة سوريا على الاندماج مجدداً في حركة السلع والاستثمارات بين أسواق المنطقة.

وعندما تجتمع شركات من عشرات الدول في دمشق، فإنها تنظر إلى حجم السوق السورية وإلى إمكانية استخدامها قاعدة للإنتاج أو التوزيع والوصول إلى أسواق مجاورة.

لن تستعاد هذه الوظيفة بسرعة، فهي تتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والإدارة وتطوير القواعد التجارية، لكن المعرض يوفر مساحة لإعادة تقديم الموقع السوري باعتباره جزءاً من الفرصة الاقتصادية نفسها.

المهم ما يحدث بعد المعرض

تبقى هناك مسافة كبيرة بين الحضور في معرض واتخاذ قرار استثماري. تستطيع الشركات إرسال وفود واستكشاف الفرص بسهولة نسبية، بينما يحتاج إنشاء مصنع أو الدخول في مشروع بنية تحتية إلى وضوح في القوانين والتمويل والضمانات وآليات فض النزاعات وحركة الأموال.

لذلك ستظهر أهمية دورة 2026 خلال الأشهر التالية في العقود التي تنتقل إلى التنفيذ، والمشاريع التي تحصل على التمويل، والشركات التي تؤسس وجوداً دائماً، والشراكات التي تنتقل من مذكرات التفاهم إلى الاستثمار والإنتاج.  وهنا ينتقل التحدي من جذب الاهتمام إلى بناء الثقة المؤسسية.

يقدم معرض دمشق الدولي لسوريا فرصة لعرض اقتصاد يسعى إلى التعافي والنهوض، لكنه يضع هذا الاقتصاد في الوقت نفسه أمام اختبار مباشر. فالسوق لديها طلب كبير، والموقع الجغرافي يمنحها مزايا واضحة، والانفتاح الخارجي يوسع هامش الحركة. أما تحويل هذه العناصر إلى نمو مستدام فيعتمد على قدرة الدولة والقطاع الخاص على بناء بيئة مؤاتية ومحفزة تجعل الاستثمار قابلاً للتنفيذ والاستمرار.

وقد تكون أهمية دورة 2026 في أنها تعطي مؤشراً مبكراً إلى شكل الدور الذي تسعى سوريا إلى استعادته في الاقتصاد الإقليمي كسوق للاستثمار والإنتاج والتجارة، وكحلقة وصل يمكن أن تستعيد تدريجياً موقعها بين اقتصادات المنطقة.