"ساما" ينظم تمويل سلاسل الإمداد لتوسيع خيارات السيولة للشركات

  • 2026-08-27
  • 16:34

"ساما" ينظم تمويل سلاسل الإمداد لتوسيع خيارات السيولة للشركات

  • الاقتصاد والأعمال

طرح البنك المركزي السعودي "ساما" مسودة قواعد لممارسة تمويل سلاسل الإمداد والوساطة فيه، في خطوة تستهدف وضع إطار منظم لنشاط قائم بالفعل في المملكة، لكنه مرشح للتوسع مع نمو الشركات الصناعية والتجارية ودخول شركات التقنية المالية إلى هذا المجال.

وطرح "ساما" المسودة في 26 أغسطس 2026 لاستطلاع مرئيات المهتمين والمختصين لمدة 30 يوماً، على أن تُدرس الملاحظات قبل اعتماد الصيغة النهائية. وتستهدف القواعد تنظيم نشاط تمويل سلاسل الإمداد ونشاط الوساطة فيه، بما يدعم نمو القطاع ويرفع كفاءة ومرونة التعاملات المالية التجارية.

كيف يعمل تمويل سلاسل الإمداد؟

تظهر أهمية تمويل سلاسل الإمداد عندما تبيع شركة موردة منتجات أو خدمات إلى شركة أخرى، لكنها لا تحصل على قيمة الفاتورة إلا بعد 60 أو 90 يوماً. وخلال هذه الفترة تحتاج إلى السيولة لدفع الرواتب وشراء المواد وتنفيذ طلبيات جديدة.

في هذا النوع من التمويل، تحصل الشركة الموردة على قيمة الفاتورة مبكراً من جهة تمويل، ثم تسدد الشركة المشترية المبلغ لجهة التمويل عند موعد الاستحقاق. وفي بعض النماذج، تؤخذ القوة المالية للشركة المشترية في الاعتبار عند تقييم العملية، ما قد يساعد الشركة الموردة الأصغر على الحصول على التمويل بشروط أفضل.

وهذه الحلول موجود بالفعل في السوق السعودية. فصندوق التنمية الصناعية السعودي يقدم برنامجاً لتمويل سلاسل الإمداد بهدف دعم الموردين المحليين وتحسين كفاءة السلاسل، كما طور البرنامج بالتعاون مع شركات كبرى.

لماذا يأتي التنظيم الآن؟

إن أحد مفاتيح تفسير التوقيت هو ما سبق المسودة. ففي سبتمبر 2025 سمح "ساما" لشركتي "منافع للتمويل الجماعي بالدين" و"توريد للحلول التمويلية" باختبار خدمات في تمويل سلاسل الإمداد ضمن البيئة التجريبية التشريعية.

ويشير الانتقال من الاختبار إلى وضع قواعد عامة إلى أن النشاط أصبح أكثر نضجاً ويحتاج إلى إطار أوضح لتنظيم العلاقة بين الممول والشركة المشترية والشركة الموردة والوسيط. كما أن إدراج "وساطة تمويل سلاسل الإمداد" يعكس الدور المتزايد للمنصات التقنية التي تربط الفواتير وبيانات الشركات بجهات التمويل وتنفذ العمليات رقمياً.

صلة مباشرة بالصناعة والمحتوى المحلي

لا تتوقف أهمية هذا النوع من التمويل عند توفير السيولة. فالتوسع الصناعي ورفع المحتوى المحلي يتطلبان شبكة من الشركات الموردة القادرة على تنفيذ عقود أكبر والمحافظة على الإنتاج.

وخلال 2025 وقع صندوق التنمية الصناعية السعودي اتفاقيتين إطارّيتين مع "أرامكو السعودية" و"الشركة السعودية للطاقة"، التي كانت تحمل اسم "الشركة السعودية للكهرباء" عند توقيع الاتفاقية، لتفعيل برنامج تمويل سلاسل الإمداد. ووفق الملف التعريفي للصندوق لعام 2026، تجاوز إجمالي المبالغ المصروفة ضمن البرنامج 91 مليون ريال لأكثر من 200 فاتورة.  

الفكرة هنا أن الشركة الكبرى لا تشتري فقط من عشرات أو مئات الشركات الموردة، وإنما يمكنها أيضاً أن تساعد، عبر نظام التمويل المرتبط بفواتيرها، في تحسين وصول هذه الشركات إلى السيولة. وهذا يدعم استقرار شبكة الموردين ويعزز قدرتها على المشاركة في العقود الصناعية الكبيرة.

كما تستفيد الشركة المشترية نفسها، لأنها تستطيع المحافظة على آجال السداد المتفق عليها وفي الوقت نفسه تقليل مخاطر تعثر شركة موردة مهمة بسبب نقص السيولة. ولهذا يرتبط تمويل سلاسل الإمداد بكفاءة التشغيل واستقرار الإنتاج، إلى جانب دوره التمويلي.

بنك التصدير والاستيراد يضيف البعد العالمي

توجد حلقة أخرى في المنظومة يمثلها بنك التصدير والاستيراد السعودي. فالبنك يقدم تمويل سلاسل الإمداد للشركات ذات النشاط التصديري في صورة تسهيلات ائتمانية متجددة قصيرة الأجل، تساعدها على إدارة مدفوعاتها للموردين. ويمكن أن يصل التمويل، وفق شروط الأهلية والدراسة الائتمانية، إلى 100 في المئة من قيمة فواتير التوريد.

ويختلف هذا الدور عن نطاق القواعد التي يطرحها "ساما"، إذ يركز بنك التصدير والاستيراد على دعم الصادرات السعودية غير النفطية ومدخلات الإنتاج المرتبطة بها. وفي 2025 أطلق البنك مبادرة "جسور" لتمكين المصنعين المحليين من الوصول إلى تمويل سلاسل الإمداد الدولية عبر حلول تأمينية. كما بلغت التسهيلات الائتمانية التي قدمها خلال العام 47.62 مليار ريال، وتجاوز إجماليها منذ إنشاء البنك 116.3 مليار ريال.

واتسع هذا الدور في 2026 عبر اتفاقات مع وكالة ائتمان الصادرات البريطانية وبنك التصدير والاستيراد الأميركي، تستهدف دعم حصول المنشآت السعودية على السلع الرأسمالية ومدخلات الإنتاج وتعزيز استدامة سلاسل الإمداد.

ماذا يتغير بعد إقرار القواعد؟

إذا أُقرت القواعد، يمكن أن توفر أساساً أوضح لتوسع السوق ودخول مزيد من شركات التمويل والتقنية المالية والوسطاء، مع تحديد مسؤوليات الأطراف ومعايير ممارسة النشاط. وقد يؤدي اتساع المنافسة وتحسن استخدام بيانات الفواتير والشركات إلى زيادة خيارات التمويل وتحسين شروطه لبعض الشركات الموردة.

وفي الوقت نفسه، يفترض أن يساعد التنظيم في ضبط مخاطر مثل صحة الفواتير، وتمويل الفاتورة نفسها أكثر من مرة، وتركيز التمويل على عدد محدود من الشركات المشترية.

المغزى الأوسع أن السعودية تعمل تدريجياً على بناء منظومة تربط تمويل الفاتورة بالنشاط الصناعي والتجاري. صندوق التنمية الصناعية السعودي يدعم السلاسل المحلية، وبنك التصدير والاستيراد يربطها بالصادرات ومدخلات الإنتاج الدولية، بينما يضع "ساما" الإطار التنظيمي الذي قد يسمح بتوسيع السوق. ويتوقع أن  يظهر الأثر مباشرة في قدرة الشركات الموردة على تمويل أعمالها، وفي استقرار سلاسل الإنتاج، وفي توسيع المحتوى المحلي والصادرات غير النفطية.