سلام في بغداد... شراكة عراقية - لبنانية قد تعزز آفاق ممر المتوسط
سلام في بغداد... شراكة عراقية - لبنانية قد تعزز آفاق ممر المتوسط
-
كتب فيصل أبوزكي
خرجت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى بغداد بعنوان اقتصادي واضح، بعدما دعا رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الدخول في "شراكات اقتصادية مثمرة" مع لبنان في مختلف القطاعات التنموية. وتجاوزت المباحثات متابعة الملف النفطي القائم، لتشمل التجارة والاستثمار والاتصالات والتعاون المالي، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني في ظل تطورات المنطقة.
وترأس الزيدي وسلام المباحثات الموسعة بحضور وزراء من البلدين، فيما ضم الوفد اللبناني وزراء المالية والطاقة والمياه والاتصالات. وتعكس هذه التركيبة طبيعة الأولويات التي حملتها بيروت إلى بغداد، من تنظيم توريد النفط وآليات الدفع إلى توسيع التبادل التجاري والاستثماري وبناء تعاون في البنية الرقمية.
ركزت المباحثات على توسيع التعاون والشراكة بين العراق ولبنان في الطاقة والتجارة والاستثمار والاتصالات. وفي موازاة هذه الملفات الثنائية، حضرت فرص الربط الإقليمي، خصوصاً مع عودة مشروع خط النفط إلى بانياس إلى الواجهة، وما قد يفتحه مستقبلاً من مسارات أوسع لنقل الطاقة والبضائع والبيانات نحو شرق المتوسط.
ولا يعني ذلك أن لبنان أصبح طرفاً في مشروع عراقي–سوري قائم. لكنه يشير إلى أن بغداد وبيروت تعملان على تطوير شراكتهما المباشرة، بالتوازي مع بحث آفاق المشاركة في مسارات اقتصادية مشتركة يمكن أن تربط العراق ولبنان عبر سوريا.
من الملف النفطي إلى شراكة أوسع
يبقى الملف النفطي نقطة الانطلاق الأكثر وضوحاً في العلاقة الاقتصادية بين البلدين. فقد زود العراق لبنان خلال السنوات الماضية بالوقود للمساهمة في تشغيل معامل إنتاج الكهرباء، في وقت واجهت فيه مؤسسة كهرباء لبنان صعوبة في تمويل وارداتها وتأمين حاجاتها التشغيلية.
لكن استمرار هذا التعاون يحتاج إلى تنظيم آليات التسديد وتسوية الالتزامات الناشئة عن التوريد، والاتفاق على صيغة أكثر استقراراً للعلاقة. وتعطي مشاركة وزيري النفط والطاقة في المباحثات مؤشراً إلى رغبة الطرفين في نقل الملف من ترتيبات استثنائية فرضتها أزمة الكهرباء في لبنان إلى تعاون أكثر انتظاماً.
وقد يشمل ذلك اتفاقات أطول أجلاً لتوريد المنتجات النفطية، أو تعاوناً في التخزين والتوزيع والخدمات المرتبطة بالطاقة، أو مشاركة شركات من البلدين في مشروعات مشتركة.
ولا يغني الحصول على الوقود عن إصلاح قطاع الكهرباء اللبناني. فتأمين المحروقات يساعد على تشغيل المعامل، لكنه لا يعالج الخسائر الفنية والمالية وضعف الجباية وارتفاع كلفة الإنتاج والمشكلات الإدارية التي أبقت القطاع عبئاً على الاقتصاد والمالية العامة.
ومن هنا، تكمن أهمية الزيارة في محاولة نقل العلاقة من معالجة نقص الوقود إلى شراكة تحقق مصالح أوضح للطرفين. فلبنان يريد تأمين حاجاته النفطية ضمن صيغة مستقرة، فيما يريد العراق تعاوناً قابلاً للاستمرار وعائداً اقتصادياً واضحاً.
التجارة والاستثمار... فرص لم تتحول بعد إلى مشروعات
يمثل العراق سوقاً واسعة للشركات والمنتجات والخدمات اللبنانية. ويمكن للبنان زيادة صادرات الصناعات الغذائية والدوائية وبعض المنتجات الزراعية، إلى جانب الخدمات الصحية والتعليمية والهندسية والاستشارية والرقمية.
كما تملك الشركات اللبنانية خبرات في المقاولات والتصميم والتكنولوجيا والخدمات يمكن استخدامها في السوق العراقية، التي تحتاج إلى استثمارات في البنية التحتية والإسكان والصحة والتعليم والخدمات الحكومية.
وفي الاتجاه المقابل، يستطيع المستثمرون العراقيون توسيع حضورهم في لبنان خارج العقارات والإنفاق السياحي والصحي، والدخول في الصناعات الغذائية والدوائية والطاقة والسياحة والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية.
وتمنح دعوة الزيدي إلى إقامة شراكات اقتصادية مثمرة هذا الملف مكانة أساسية في الزيارة، لأنها توسع العلاقة إلى الاستثمار والتنمية ولا تبقيها محصورة في توريد النفط.
لكن تحويل هذه الرغبة إلى استثمارات يتطلب قواعد واضحة لحماية الأموال وتحويل الأرباح وتسوية النزاعات والحصول على التراخيص. كما تحتاج التجارة إلى تسهيل تسجيل المنتجات والإجراءات الجمركية والتأشيرات والقنوات المصرفية.
ولم تعلن المباحثات عقوداً استثمارية محددة أو مشروعات جاهزة للتمويل. لذلك ستعتمد النتائج العملية على قدرة الحكومتين على اختيار فرص قابلة للتنفيذ، وتحديد الجهات المسؤولة عن متابعتها، ووضع مهل واضحة للانتقال من النقاش إلى التعاقد.
التسويات المالية شرط لتوسيع التعاون
تعكس مشاركة وزيري المالية أهمية القضايا المالية في العلاقة بين البلدين. فالملف النفطي والتجارة والاستثمار تحتاج جميعها إلى آليات واضحة لتسوية المدفوعات وتحويل الأموال.
ويشمل ذلك معالجة الالتزامات اللبنانية المرتبطة بواردات الوقود، وتطوير العلاقات بين المصارف العراقية واللبنانية، وتسهيل التحويلات التجارية ضمن قواعد الامتثال الدولية.
وقد يبدو هذا الملف أقل جاذبية من عناوين النفط والاستثمار، لكنه يمثل أساس نجاحها. فلا يمكن بناء علاقة تجارية مستقرة إذا بقيت التحويلات معقدة، أو توقيع عقود طويلة الأجل للطاقة من دون اتفاق واضح على التسديد والضمانات.
ويحتاج البلدان لذلك إلى آلية مالية مستقرة تقلل المخاطر وتسمح بتمويل التجارة والاستثمار من دون اللجوء في كل مرة إلى حلول مؤقتة.
الاتصالات... من تبادل الخبرات إلى عبور البيانات
حظي قطاع الاتصالات بموقع واضح في جدول الزيارة، مع مشاركة وزير الاتصالات اللبناني وإجراء مباحثات مباشرة مع الجانب العراقي.
ويمكن أن يبدأ التعاون بملفات ثنائية تشمل الخدمات الحكومية الرقمية والأمن السيبراني والبرمجيات ومراكز البيانات والتدريب وتنظيم القطاع. ويملك لبنان شركات وكفاءات تقنية تستطيع العمل في السوق العراقية، فيما يوفر العراق سوقاً كبيرة وفرصاً استثمارية متزايدة.
لكن الملف يحمل أيضاً بعداً إقليمياً. فالعراق يريد الاستفادة من موقعه ليصبح ممراً دولياً لحركة البيانات، بينما يستطيع لبنان، من خلال كابلاته البحرية وموقعه على المتوسط، توفير طريق إضافي يصل العراق بأوروبا.
ويتطلب هذا الربط المرور عبر سوريا، ما يجعله مختلفاً عن التعاون الثنائي المباشر. فهو يحتاج إلى اتفاقات تشغيل وعبور بين الدول الثلاث، وإلى تحديث الشبكات وحماية الكابلات وتحديد الرسوم وتوزيع العائدات.
خط بانياس يعيد فتح الطريق نحو المتوسط
يكتسب توقيت زيارة سلام أهمية إضافية بعد التفاهمات العراقية - السورية لدراسة إحياء خط النفط العراقي نحو بانياس. فقد وقع البلدان مذكرة تفاهم لدراسة إعادة تأهيل خط حديثة - بانياس، المرتبط تاريخياً بمسار كركوك - بانياس، إلى جانب تفاهمات لإجراء الدراسات الفنية والهندسية والمالية.
ويندرج المشروع ضمن توجه العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتقليل اعتماده على الموانئ الجنوبية أو طريق واحد باتجاه تركيا. فالقدرة على نقل الخام غرباً تمنح بغداد مرونة أكبر عند تعطل أحد المسارات، وتفتح أمامها منفذاً إلى البحر المتوسط.
لكن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات الأولية، ولم يبدأ تنفيذ الخط أو تأمين تمويله. ويتوقف المسار أيضاً على تطوير خط البصرة - حديثة، الذي يفترض أن ينقل الخام من جنوب العراق إلى غربه قبل ضخه عبر سوريا.
ولا يشمل التفاهم لبنان، ولا توجد خطة معلنة لتمديد الأنبوب إلى أراضيه، إذ ينتهي المسار المقترح في بانياس السورية. غير أن المشروع يهم بيروت لأنه يعيد إحياء محور اقتصادي يمتد من العراق إلى الساحل السوري، ويفتح نقاشاً حول الطرق والمرافئ والخدمات التي يمكن أن ترتبط به.
فرصة لبنان في التجارة والخدمات اللوجستية
قد تكون فرصة لبنان الأكثر واقعية في حركة البضائع والخدمات اللوجستية، وليس في خط النفط نفسه.
فالعراق يحتاج إلى طرق إضافية لتجارته، بينما تمثل سوريا الممر البري المباشر إلى لبنان. ويمكن لمرفأ طرابلس، لقربه من الحدود السورية، أن يخدم جزءاً من البضائع العراقية المتجهة إلى شرق المتوسط، إذا جرى تحسين الطرق والمعابر وتسهيل العبور.
كما يستطيع المرفأ توفير خدمات التخزين والتجميع وإعادة الشحن، والاستفادة من قربه من المنطقة الاقتصادية الخاصة ومطار القليعات. ويمكن أن تتكامل هذه المرافق في مركز يخدم النقل البحري والبري والجوي في شمال لبنان.
أما مرفأ بيروت، فيستطيع خدمة السوق اللبنانية وحركة البضائع المتجهة إلى العاصمة ووسط البلاد، وإن كان موقع طرابلس أكثر ملاءمة جغرافياً للربط مع سوريا والعراق.
وتحتاج هذه الفرص إلى تنظيم عبور الشاحنات، وتقليل الوقت على الحدود، وتنسيق الرسوم والإجراءات الجمركية، وتحسين الطرق، وتوفير التأمين والخدمات اللازمة للبضائع والسائقين.
ولا تستطيع بغداد وبيروت وحدهما إنشاء هذا الممر. فكل طريق بري مباشر بين العراق ولبنان يمر عبر سوريا، ما يجعل دمشق طرفاً أساسياً في أي اتفاق يتعلق بالنقل والجمارك والأمن وتشغيل المعابر.
السكك الحديدية... مشروع للمدى الطويل
يؤدي نمو التجارة بين البلدان الثلاثة إلى إعادة طرح فكرة ربط شبكات السكك الحديدية. وتسمح القطارات بنقل كميات كبيرة من البضائع والمواد الخام بكلفة أقل من الشاحنات، وربط الأسواق العراقية بالمرافئ السورية واللبنانية.
لكن هذا المشروع أكثر تعقيداً وكلفة من تطوير الطرق البرية. فشبكات السكك في سوريا ولبنان تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، كما يتطلب التشغيل اتفاقاً على المسارات والمواصفات والرسوم وإدارة الحدود.
وتتوقف الجدوى أيضاً على حجم التجارة المتوقع. لذلك يبدو البدء بالطرق والمعابر والمرافئ أكثر واقعية، على أن يجري الانتقال إلى السكك عندما تتوافر كميات من البضائع تبرر الاستثمار.
لماذا جاءت الزيارة الآن؟
يتصل توقيت الزيارة بتلاقي مصالح لبنانية وعراقية مع تحولات إقليمية جديدة. فلبنان يريد تنظيم الملف النفطي، وتسهيل التحويلات والتجارة، وفتح السوق العراقية أمام شركاته، واستقطاب استثمارات تساعد على تنشيط اقتصاده. والعراق يريد توسيع شراكاته العربية، وتنويع طرق تصدير نفطه وتجارته وبياناته.
وفي الوقت نفسه، تحسنت العلاقات العراقية-السورية، وعادت مشروعات الربط في النفط والنقل والاتصالات إلى جدول الأعمال. ويعني ذلك أن بغداد بدأت تنظر غرباً نحو سوريا والبحر المتوسط، بينما يفتح التقارب مع لبنان المجال لبحث امتداد هذه المسارات نحو المرافئ اللبنانية على المتوسط.
وتبقى الأولوية المباشرة للملفات الثنائية التي لا تحتاج إلى انتظار طرف ثالث، من النفط والمدفوعات إلى التجارة والاستثمار والاتصالات. لكن التقدم فيها يؤسس لتعاون أوسع مع سوريا في مشروعات النقل والطاقة والاتصالات، فيما ترفع الممرات الإقليمية جدوى التعاون الثنائي بفتح طرق وأسواق جديدة أمام الشركات والمرافئ والخدمات.
ويعتمد نجاح زيارة سلام على ما قد تنتجه من خطوات عملية في الفترة اللاحقة. فالمسار الثنائي يتطلب آلية واضحة لتسوية الملف النفطي، ومشروعات استثمارية محددة، وقنوات مالية وتجارية أكثر فاعلية، وبرامج عملية في الاتصالات.
أما المسار الإقليمي، فيحتاج إلى حوار منظم بين العراق وسوريا ولبنان، يبدأ بالمشروعات الأقل تعقيداً مثل الطرق والمعابر والألياف الضوئية والخدمات اللوجستية، قبل الانتقال إلى السكك الحديدية أو البنية النفطية الأكبر.
تكمن أهمية الزيارة في أنها وضعت الشراكة الاقتصادية في صدارة العلاقة بين بغداد وبيروت. فالعراق يمثل للبنان مصدراً للطاقة وسوقاً للاستثمار والتجارة، فيما يستطيع لبنان أن يقدم للعراق خبرات وخدمات ومنافذ إضافية على المتوسط.
وبين البلدين تقع سوريا، التي تمثل الممر الضروري لأي ربط بري أو رقمي مباشر. ومن هنا، قد تكون زيارة سلام بداية انتقال العلاقة من إدارة الملف النفطي إلى شراكة اقتصادية أوسع، ثم إلى تعاون إقليمي يفتح آفاق ممر اقتصادي يربط العراق بسوريا ولبنان والبحر المتوسط.
الأكثر قراءة
-
مجموعة أسياد: عقد من بناء منصة عُمان اللوجستية في عالم يبحث عن طرق أكثر أمناً
-
"زين" و"إس تي سي" ترسمان خريطة الاستثمارات الرقمية في سوريا
-
دوكاب تعيّن ماتيو بافاريسكو رئيساً تنفيذياً للمجموعة
-
سكة الحجاز... مشروع يعيد المشرق إلى خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا
-
المراعي في الربع الثاني: مبيعات أعلى وهوامش أقل مع ارتفاع الكلفة

