إصلاحات السنوات الماضية تعزز مرونة مالية عُمان مع ارتفاع إيرادات الطاقة
إصلاحات السنوات الماضية تعزز مرونة مالية عُمان مع ارتفاع إيرادات الطاقة
-
الاقتصاد والأعمال
سجلت المالية العامة في سلطنة عُمان تحسناً واضحاً خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما ارتفعت الإيرادات بوتيرة أسرع من الإنفاق وتراجع العجز إلى مستوى محدود. وتظهر الأرقام أن ارتفاع أسعار النفط وفر دفعة قوية للخزانة، لكنه يمثل جزءاً من قصة أوسع بدأت قبل سنوات، عندما اتجهت الحكومة إلى إصلاح المالية العامة وخفض الدين وتنمية الإيرادات غير النفطية ورفع كفاءة الإنفاق، بما وفر للموازنة قدرة أكبر على التعامل مع تقلبات أسعار الطاقة.

وبحسب نشرة الأداء المالي الصادرة عن وزارة المالية، ارتفعت الإيرادات العامة 13 في المئة بنهاية يونيو إلى 6.602 مليار ريال عُماني، مقابل 5.839 مليار ريال في الفترة نفسها من 2025. وفي المقابل، نما الإنفاق 9 في المئة إلى 6.619 مليار ريال، لتسجل الميزانية عجزاً بنحو 17 مليون ريال.
ويبرز حجم التحسن عند مقارنة هذه النتيجة بالنصف الأول من 2025، عندما بلغ العجز نحو 259 مليون ريال، استناداً إلى إيرادات بقيمة 5.839 مليار ريال وإنفاق بلغ 6.098 مليار ريال. وبذلك انخفض العجز بنحو 242 مليون ريال خلال عام واحد، رغم زيادة الإنفاق العام بأكثر من نصف مليار ريال.
مسار تحسن سبق ارتفاع النفط في عام 2026
لا يبدأ هذا التحسن مع نتائج العام الحالي. فقد أنهت عُمان 2025 بإيرادات فعلية بلغت 12.122 مليار ريال، متجاوزة تقديرات الموازنة بنسبة 8 في المئة، بينما بلغ الإنفاق الفعلي 12.583 مليار ريال. ونتج عن ذلك عجز بقيمة 461 مليون ريال، أقل بنحو 26 في المئة من العجز الذي قدرته الموازنة عند 620 مليون ريال. وبلغ الدين العام 14.6 مليار ريال في نهاية السنة، منخفضاً بنحو 15 مليون ريال عن مستواه في نهاية 2024.
وجاء ذلك امتداداً لإصلاحات أوسع تعود خصوصاً إلى "خطة التوازن المالي متوسطة المدى 2020-2024"، التي وضعت الحكومة ضمن أهدافها تنويع الإيرادات، وتحسين الإدارة والتحصيل الضريبي، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، ورفع كفاءة الإنفاق، ومراجعة المصروفات التشغيلية، وتطوير إدارة الدين، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.
وتظهر نتائج هذه السياسة بصورة أوضح عند النظر إلى الدين. فبحسب صندوق النقد الدولي، هبط الدين العام من نحو 68 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020 إلى نحو 38 في المئة في 2023، ثم واصل التراجع إلى نحو 35 في المئة في 2024. وجاء ذلك نتيجة الجمع بين الإصلاحات والاستفادة من فترات ارتفاع الإيرادات النفطية لسداد جزء من الدين بدلاً من تحويل كامل الزيادة إلى إنفاق دائم.
النفط يمنح الموازنة دفعة إضافية
دخل عامل النفط بقوة في أداء 2026. فالموازنة أعدت على أساس متوسط سعر يبلغ 60 دولاراً للبرميل، بينما وصل متوسط السعر المحقق في النصف الأول إلى 74 دولاراً، بفارق 14 دولاراً أو نحو 23 في المئة عن السعر المعتمد. وكانت موازنة العام قد قدرت الإيرادات بنحو 11.447 مليار ريال والإنفاق عند 11.977 مليار ريال، بعجز متوقع يبلغ 530 مليون ريال.
وساعد ارتفاع السعر والإنتاج على زيادة صافي إيرادات النفط 10 في المئة إلى 3.332 مليار ريال في النصف الأول، بينما قفز صافي إيرادات الغاز 32 في المئة إلى 1.164 مليار ريال.
وبذلك وفر النفط والغاز معاً نحو 4.496 مليار ريال، أي قرابة 68 في المئة من إجمالي الإيرادات العامة المحصلة خلال الفترة. وتؤكد هذه الحصة استمرار تأثير قطاع الطاقة الكبير في أوضاع المالية العامة، كما تفسر جانباً مهماً من التحسن السريع في الإيرادات هذا العام.
لكن الفرق مقارنة بسنوات سابقة يكمن في قدرة المالية العامة على التعامل مع إيرادات الطاقة. فالإصلاحات التي نُفذت خلال الأعوام الماضية وسعت قاعدة الإيرادات وخفضت الدين وعززت إدارة المصروفات، ولذلك أصبح ارتفاع أسعار النفط يوفر مساحة مالية إضافية بدلاً من أن يذهب جانب كبير منه إلى معالجة اختلالات متراكمة.
إيرادات غير نفطية توفر قاعدة أوسع
ولا يقتصر التغيير على ضبط المصروفات والدين. فقد عملت الحكومة على توسيع مصادر الإيرادات غير النفطية من خلال الضرائب والرسوم وتحسين التحصيل والإدارة الضريبية.
وفي النصف الأول من 2026، ارتفعت الإيرادات الجارية 6 في المئة إلى 2.045 مليار ريال، مقارنة بـ1.928 مليار ريال قبل عام. وهي زيادة أقل من نمو إيرادات النفط والغاز، ما يؤكد أن الطاقة كانت المحرك الرئيسي للزيادة الإجمالية هذا العام، لكن وجود قاعدة متنامية من الإيرادات الأخرى يخفف نسبياً من حساسية الموازنة لتحركات النفط.
وتستمر الإصلاحات في هذا الاتجاه. فبرنامج تحديث الإدارة الضريبية يتضمن تطوير إدارة مخاطر الالتزام الضريبي والفوترة الإلكترونية، فيما أُقر قانون ضريبة الدخل على الأفراد ذوي الدخول المرتفعة على أن يبدأ تطبيقه في 2028. كما يجري العمل على إطار مالي متوسط الأجل للفترة 2026-2030 وعلى تطوير أدوات إدارة الأصول والالتزامات الحكومية.
الإنفاق يرتفع من دون توسيع العجز
وتبرز أهمية أداء النصف الأول أيضاً في أن تراجع العجز لم ينتج عن خفض الإنفاق. فقد ارتفع الإنفاق العام بنحو 521 مليون ريال مقارنة بالفترة نفسها من 2025، في حين كانت الزيادة في الإيرادات أكبر وبلغت نحو 763 مليون ريال.
وارتفعت المصروفات الجارية إلى 4.369 مليار ريال، بزيادة 251 مليون ريال، بينما بلغ الإنفاق الإنمائي للوزارات والوحدات المدنية 798 مليون ريال.
واللافت أن هذا الإنفاق الإنمائي يمثل نحو 61 في المئة من إجمالي المخصص السنوي البالغ 1.3 مليار ريال، رغم انقضاء نصف السنة فقط. كما ذهب 146 مليون ريال منه إلى مشروعات التحول الاقتصادي.
وتوضح هذه الأرقام أحد أهم آثار تحسن الوضع المالي. فالحكومة تستطيع دفع تنفيذ المشاريع بوتيرة مرتفعة، وفي الوقت نفسه إبقاء العجز عند مستوى محدود. وكانت 2025 قد شهدت أيضاً زيادة واضحة في الإنفاق الإنمائي، الذي بلغ 1.577 مليار ريال، بزيادة 38 في المئة على المخصص في الموازنة، بهدف تسريع تنفيذ المشاريع المدرجة في خطة التنمية الخمسية العاشرة.

الحماية الاجتماعية ضمن معادلة الانضباط المالي
وفي الوقت نفسه، لم يؤد مسار الإصلاح المالي إلى التخلي عن الإنفاق الاجتماعي. فقد بلغ الإنفاق على منظومة الحماية الاجتماعية 323 مليون ريال خلال النصف الأول من 2026، إلى جانب 288 مليون ريال لدعم الكهرباء و162 مليون ريال لدعم المنتجات النفطية.
وهنا تظهر إحدى السمات المهمة للإصلاحات العُمانية في السنوات الأخيرة، إذ اقترن السعي إلى رفع كفاءة الإنفاق وإصلاح الدعم بتطوير منظومة الحماية الاجتماعية. وتضمنت خطة التوازن المالي نفسها تعزيز الحماية الاجتماعية كأحد محاورها، بينما أشار صندوق النقد إلى أن السلطنة حافظت على الانضباط المالي بالتوازي مع زيادة الإنفاق المرتبط بالحماية الاجتماعية.
مسار الدين يعزز مرونة المالية العامة
بلغ الدين العام 14.16 مليار ريال بنهاية يونيو 2026، مقارنة بـ14.12 مليار ريال في يونيو 2025، أي بارتفاع سنوي محدود بلغ نحو 0.3 في المئة.
أما مقارنة بنهاية 2025، حين بلغ الدين نحو 14.6 مليار ريال، فقد كان الرصيد في يونيو أقل بنحو 440 مليون ريال. ولا تعني هذه المقارنة أن الدين يتجه بالضرورة إلى الانخفاض بالوتيرة نفسها حتى نهاية السنة، نظراً إلى حركة الاقتراض والسداد خلال العام، لكنها تظهر أن زيادة الإنفاق في النصف الأول لم تقترن بتوسع مماثل في المديونية.
وتبدو الدلالة الأهم في بقاء الدين ضمن نطاق مستقر نسبياً بعد الانخفاض الكبير في نسبته إلى الناتج خلال الأعوام الماضية. وقد خفف هذا المسار أعباء خدمة الدين وقلل الضغوط على الموازنة، ما منح الحكومة قدرة أكبر على التعامل مع تراجع محتمل في الإيرادات أو زيادة الإنفاق عند الضرورة.
آفاق الأداء المالي في النصف الثاني
بعد ستة أشهر من 2026، حققت الحكومة نحو 58 في المئة من إجمالي الإيرادات التي قدرتها الموازنة للسنة، فيما بلغ الإنفاق نحو 55 في المئة من المخصص السنوي. والعجز المسجل حتى نهاية يونيو، البالغ 17 مليون ريال، أقل بكثير من العجز السنوي المقدر عند 530 مليون ريال.
وهذا يفتح المجال أمام نتيجة مالية أفضل من المقدر إذا بقيت أسعار الطاقة والإنتاج داعمين للإيرادات واستمرت إدارة الإنفاق بالوتيرة نفسها.
الأوضح حتى الآن أن ارتفاع النفط لم يكن وحده وراء التحسن المالي في عُمان، وإنما جاء ليعزز مساراً بدأته الإصلاحات السابقة. فقد أصبحت الحكومة تدخل فترات ارتفاع الإيرادات بدين أقل، وقاعدة إيرادات غير نفطية أوسع، وإدارة أكثر انضباطاً للإنفاق، مع قدرة أكبر على تمويل المشاريع والحماية الاجتماعية.
توفر أسعار الطاقة المرتفعة في 2026 موارد إضافية، بينما توفر إصلاحات الأعوام الماضية المرونة التي تسمح باستخدام هذه الموارد في التنمية وتقليص المخاطر المالية. ويظل التحدي المقبل في تعميق هذا المسار، بحيث تصبح قدرة الموازنة على تحمل تقلبات النفط أقل ارتباطاً بمستوى الأسعار وأكثر استناداً إلى اقتصاد وإيرادات عامة أكثر تنوعاً.
الأكثر قراءة
-
صفقة "شاهين" تغيّر تمويل الاستثمار النفطي في الكويت
-
المنجم والجوف... شراكة تربط الإنتاج بالتوزيع
-
"صناعات الخريف" تدرس فرص الاستثمار في أنظمة الري السورية
-
سوق المال العُماني...لائحة جديدة توسع التمويل وتعزز جاذبية الاستثمار
-
"إي آند" توسع أعمالها الدولية وترفع الإيرادات 12 في المئة... والسيولة تستعد لقفزة بعد بيع "فودافون"

