عُمان تبحث عن صناعات جديدة للنمو والتنويع
عُمان تبحث عن صناعات جديدة للنمو والتنويع
-
بهيج أبو غانم
تسعى سلطنة عُمان إلى نقل قطاعها الصناعي إلى مستوى جديد يقوم على توسيع الصناعات التحويلية، والدخول في مجالات إنتاج أكثر تنوعاً، وزيادة الجزء من القيمة الذي يبقى داخل الاقتصاد المحلي.
ويأتي هذا التوجه بعدما بلغت مساهمة الصناعات التحويلية نحو 3.7 مليارات ريال عُماني، ما يعادل نحو 9.62 مليارات دولار، بالأسعار الثابتة في 2025، فيما تستهدف الاستراتيجية الصناعية 2040 رفعها إلى 5.44 مليارات ريال، نحو 14.15 مليار دولار، بحلول 2030 ثم إلى نحو 10.7 مليارات ريال، نحو 27.83 مليار دولار، في 2040.
وتضع هذه الأهداف الصناعة العُمانية أمام مسار يتجاوز زيادة عدد المصانع والطاقات الإنتاجية. فالتحدي الأساسي هو توسيع القاعدة الصناعية نفسها، بإضافة صناعات ومنتجات جديدة، وزيادة حلقات التصنيع المحلية، وربط المصانع بصورة أوسع بالموردين والخدمات والمهارات داخل السلطنة.
البحث عن عمق صناعي أكبر
بنت عُمان خلال العقود الماضية قاعدة صناعية متنامية استفادت من النفط والغاز والطاقة والمعادن، ومن موقعها وشبكة الموانئ والمناطق الاقتصادية. وأسهم ذلك في تطوير صناعات التكرير والبتروكيماويات والمعادن وغيرها من الأنشطة كثيفة الاستخدام للطاقة.
لكن جزءاً كبيراً من الإنتاج الصناعي لا يزال يتركز في أنشطة مرتبطة بالطاقة والمعادن. ويقدر صندوق النقد الدولي أن المنتجات النفطية المكررة والكيماويات والمعادن تمثل نحو 60 في المئة من الإنتاج الصناعي العُماني، فيما يبقى حضور صناعات أكثر تعقيداً، مثل الآلات والمعدات، محدوداً.
ويجعل ذلك التوسع في صناعات جديدة امتداداً ضرورياً لما تحقق، من دون التخلي عن المجالات التي بنت فيها عُمان ميزات تنافسية. ويمكن استخدام المعادن والبتروكيماويات مثلاً كمدخلات لتطوير منتجات ومكونات وصناعات لاحقة تحتفظ بقيمة أكبر داخل الاقتصاد، بالتوازي مع الدخول في قطاعات لا تعتمد بالدرجة نفسها على الطاقة والموارد الطبيعية.
30 نشاطاً لتوسيع القاعدة الإنتاجية
يعكس اختيار الاستراتيجية الصناعية 30 نشاطاً واعداً من بين 119 نشاطاً هذا الاتجاه. وتشمل القائمة الصناعات الغذائية والبتروكيماوية والصحية والمعادن والفلزات والصناعات الكهروميكانيكية والبيئية والطاقة المتجددة.
وتجمع هذه الأنشطة بين مسارين متكاملين. الأول يعمق الصناعات التي تمتلك عُمان قاعدة قائمة فيها عبر إضافة مراحل تصنيع ومنتجات أعلى قيمة، والثاني يفتح مجالات إنتاج جديدة توسع مصادر النمو والتصدير والتشغيل.
وتنسجم هذه السياسة مع "رؤية عُمان 2040" التي تستهدف توسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية وتعزيز الترابط بين القطاعات. ومن الأمثلة الواضحة العمل على تطوير الصناعات اللاحقة للألمنيوم في صحار، بما يسمح بتحويل مزيد من الإنتاج الأولي إلى منتجات مصنعة داخل السلطنة.

لذلك فإن أهمية النمو الصناعي خلال السنوات المقبلة ستتوقف بدرجة كبيرة على مصدره. فإذا جاءت الزيادة من توسيع الأنشطة الحالية وحدها، سيكبر القطاع من دون تغير مماثل في بنيته. أما ظهور صناعات ومكونات ومنتجات جديدة فيعطي عُمان قاعدة إنتاجية أوسع وأكثر تنوعاً.
زيادة المحتوى المحلي في الصناعة
من أبرز عناصر التوجه الجديد اهتمام وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار بنسبة القيمة المضافة المحلية، والمشتريات من الموردين العُمانيين، وعدد هؤلاء الموردين، وإحلال الواردات في المواد الوسيطة وقطع الغيار والمكونات.
وهذا يوسع النظرة إلى تحيد أثر المصنع من قيمة إنتاجه المباشرة إلى ما يولده حوله من نشاط اقتصادي. فالمصنع الذي يعتمد على شبكة من الشركات المحلية في المكونات والصيانة والهندسة والبرمجيات والتعبئة والنقل والتخزين يترك قيمة أكبر داخل الاقتصاد من مشروع يعتمد بدرجة واسعة على استيراد هذه المدخلات والخدمات.
وهنا تظهر أيضاً فرصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فالمشروعات الصناعية الكبيرة تستطيع خلق طلب مستمر على عشرات الأنشطة المساندة، ما يتيح نمو موردين وشركات خدمات محلية حولها ويضاعف الأثر الاقتصادي للاستثمار الصناعي.
تنويع الاقتصاد والصناعة معاً
تساعد زيادة مساهمة الصناعة في تقليل اعتماد الاقتصاد على النفط، لكن التنويع يمتد أيضاً إلى داخل الصناعة نفسها. فزيادة حضور الصناعات الصحية والكهروميكانيكية والغذائية المتقدمة والبيئية والمتجددة تضيف مصادر إنتاج أقل ارتباطاً بالهيدروكربونات، في حين يسمح تطوير الصناعات النهائية المرتبطة بالمعادن والبتروكيماويات بالحصول على قيمة أكبر من الموارد التي تمتلكها السلطنة.
ويمكن أن يغير هذا الجمع بين تعميق الصناعات القائمة وإضافة صناعات جديدة تركيبة القاعدة الصناعية.
صادرات أكثر تنوعاً
يمثل التصدير أحد المسارات الرئيسية لهذا التحول. وبلغت الصادرات السلعية غير النفطية 2.739 مليار ريال عُماني، ما يعادل نحو 7.12 مليارات دولار، خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بينما تستهدف الاستراتيجية الصناعية رفع قيمتها السنوية إلى أكثر من 10 مليارات ريال عُماني، أي أكثر من 26 مليار دولار، بحلول 2030.

ويرتبط الوصول إلى هذا المستوى بزيادة الطاقة الإنتاجية، لكنه يتطلب أيضاً توسيع مجموعة المنتجات القادرة على المنافسة خارجياً. وهنا توفر موانئ صحار وصلالة والدقم والمناطق الاقتصادية قاعدة لوجستية مهمة، فيما يرتبط العائد الأكبر منها بوجود صناعات تستخدمها للوصول إلى أسواق خارجية واسعة وتحقق أحجام إنتاج تسمح بالمنافسة.
التركيز على توعية الوظائف وانتاجيتها
ينعكس تغير نوعية الصناعة كذلك على سوق العمل. فقد بلغ عدد العاملين في القطاع الصناعي نحو 240.2 ألف عامل في نهاية 2025، وتستهدف الاستراتيجية وصولهم إلى نحو 273 ألفاً بحلول 2030.
لكن المصانع الأكثر استخداماً للتكنولوجيا قادرة على زيادة الإنتاج بقوة من دون ارتفاع مماثل في أعداد العاملين. لذلك يتجه الأثر إلى نوعية الوظائف وإنتاجيتها، مع ارتفاع الطلب على مهارات الأتمتة وتحليل البيانات والصيانة المتقدمة والأمن السيبراني الصناعي وإدارة الطاقة وسلاسل الإمداد.
ويرتبط بذلك تأهيل الكفاءات العُمانية وبرامج الاعتماد المهني، لأن زيادة القيمة المحلية لا تقتصر على المواد والمكونات، وإنما تشمل كذلك رفع حصة المهارات والخبرات المحلية داخل العملية الصناعية.
التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي يسرعان التحول
تعمل عُمان بالتوازي على تحديث المصانع القائمة. فقد اكتمل حتى نهاية يونيو 2026 تقييم 45 مصنعاً ضمن برنامج مصانع الإنتاج الذكي من أصل 60 مصنعاً مستهدفاً، إلى جانب برنامج "كفاءة" للتصنيع الرشيق. والهدف الاقتصادي من هذه البرامج هو رفع الإنتاجية والجودة وخفض الهدر والتكاليف وتعزيز قدرة المنتج العُماني على المنافسة.
ويؤدي الاستثمار الأجنبي دوراً مكملاً عندما يحمل معه تقنيات ومعرفة وأسواقاً جديدة ويرتبط بموردين محليين ويؤهل كوادر عُمانية. فالأثر الأوسع يأتي من استثمارات تصبح جزءاً من القاعدة الإنتاجية المحلية وتربطها بالأسواق الخارجية.
السنوات المقبلة تحدد شكل الصناعة العُمانية
تدخل عُمان هذا التحول وهي تمتلك الطاقة والمعادن والموقع والموانئ والمناطق الاقتصادية وبيئة استثمارية جاذبة، لكن الطريق إلى قاعدة صناعية أكثر تنوعاً يواجه تحديات في تطوير المهارات، ورفع قدرات الموردين المحليين، وجذب الاستثمارات النوعية، ومواجهة المنافسة الإقليمية، والوصول إلى أسواق تمنح الصناعات الجديدة حجماً كافياً للنمو.
ولذلك ستكون السنوات حتى 2030 حاسمة في تحديد شكل الزيادة المستهدفة في مساهمة الصناعات التحويلية. فنجاح التوجه الصناعي سيظهر بوضوح أكبر عندما تأتي نسبة متزايدة من هذه الزيادة من منتجات وصناعات جديدة، ويرتفع المحتوى المحلي، وتتوسع شبكة الموردين والخدمات والوظائف المتخصصة حول المصانع. عندها تصبح الصناعة محركاً أوسع للنمو والتنويع.
الأكثر قراءة
-
"لوبريف" تُحول تقلبات السوق إلى أرباح قياسية وتدفقات نقدية قوية
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
الشركات السعودية تعيد شراء أسهمها مع تطور السوق والحوكمة
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات

