أرامكو و"معادن" تفتحان جبهة جديدة للتعدين السعودي

  • 2026-08-19
  • 07:00

أرامكو و"معادن" تفتحان جبهة جديدة للتعدين السعودي

  • كتب فيصل أبوزكي

يفتح الاتفاق الجديد بين أرامكو السعودية وشركة التعدين العربية السعودية "معادن" مساراً جديداً لتوسيع قطاع التعدين في المملكة، يقوم على توظيف المعرفة والقدرات التي راكمتها صناعة النفط على مدى عقود في الجيولوجيا والبحث عن المعادن وتطوير موارد جديدة. فالشراكة المقترحة تجمع خبرة "معادن" في الاستكشاف والتعدين مع المعرفة الواسعة لأرامكو بباطن الأرض وأدوات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء، وتوجه هذه الإمكانات إلى منطقة استكشاف تبلغ مساحتها نحو 182 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب 10 في المئة من مساحة المملكة العربية السعودية.

وينص الاتفاق على تأسيس مشروع مشترك تملك "معادن" 51 في المئة منه وأرامكو 49 في المئة، على أن تتركز أعماله في "المنطقة الانتقالية  Zone-4" ضمن الصفيحة العربية، في نطاق يمتد بمحاذاة الدرع العربي بعرض نحو 100 كيلومتر.

وسيكون النحاس في صدارة المعادن المستهدفة، إلى جانب الزنك والرصاص والعناصر الأرضية النادرة ومعادن أخرى يزداد الطلب عليها مع التوسع في شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتقنيات تخزين الطاقة.  ويبقى دخول الاتفاق حيز التنفيذ وتأسيس الشركة خاضعين لاستيفاء عدد من الشروط والموافقات التنظيمية.

يتجاوز المشروع حدود عملية استكشاف تقليدية، إذ يفتح نطاقاً جيولوجياً جديداً أمام شركتين تمتلكان قدرات كبيرة ومتكاملة. كما يضيف إلى قطاع التعدين السعودي عنصراً مهماً يتمثل في إدخال المعرفة والبيانات والتقنيات التي طورتها أرامكو خلال أعمالها النفطية والغازية إلى عملية البحث عن المعادن.

خبرة النفط تدخل عالم المعادن

العنصر الأبرز الذي تضيفه أرامكو إلى هذه الشراكة هو المعرفة المتراكمة بجيولوجيا المملكة. وتقول الشركة إنها جمعت وحللت خلال أكثر من 90 عاماً كميات ضخمة من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية عن باطن الأرض في المملكة.

 وسيستفيد المشروع من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية التي راكمتها أرامكو خلال عقود من أعمال الاستكشاف النفطي والغازي، إلى جانب خبرة "معادن" في الاستكشاف والتطوير التعديني. كما سيستخدم قدرات أرامكو في الخوارزميات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء للمساعدة في تحديد المناطق الأكثر احتمالاً لوجود النحاس والمعادن الأخرى.

 وهنا تظهر واحدة من أبرز الإضافات التي تجلبها أرامكو إلى قطاع التعدين السعودي. فالمعرفة التي بنتها الشركة عن باطن الأرض خلال البحث عن النفط والغاز يمكن توظيفها الآن في البحث عن الموارد المعدنية، بما يساعد على توجيه أعمال الاستكشاف نحو المناطق الأكثر وعداً، ورفع كفاءتها وتقليص الوقت والكلفة اللازمين للوصول إلى اكتشافات قابلة للتطوير.

وفي المقابل، تضيف "معادن" خبرتها المتخصصة في الاستكشاف وتطوير المناجم واستخراج المعادن ومعالجتها. وهذا ما يشكل الركيزة الاساسية لهذه الشراكة التي تقوم على جمع فهم واسع لجيولوجيا باطن الأرض من جهة، والقدرة على تحويل المؤشرات والاكتشافات المعدنية إلى مشروعات قابلة للتطوير والإنتاج من جهة أخرى.

خريطة استكشاف أوسع

تمنح مساحة المشروع الاتفاق بعداً إضافياً، لأنها تفتح أمام الشركتين نطاقاً جيولوجياً جديداً موازياً للدرع العربي، حيث تتركز نسبة مهمة من برامج الاستكشاف والنشاط التعديني في المملكة.

وفي حال قادت عمليات المسح والحفر إلى اكتشاف مكامن قابلة للتطوير التجاري، فقد يضيف ذلك مناطق جديدة إلى الخريطة التعدينية السعودية، ويوسع قاعدة الموارد التي يمكن بناء مشروعات إنتاج ومعالجة وصناعات مرتبطة بها.

وتزداد أهمية هذا المسار في بلد تقدر ثروته المعدنية بأكثر من 9.4 تريليون ريال، ما يعادل نحو 2.51 تريليون دولار اميركي. فهذه التقديرات تعكس إمكانات جيولوجية كبيرة، بينما يتوقف العائد الاقتصادي الفعلي على تحويلها إلى احتياطيات مثبتة ومشروعات قابلة للاستثمار، وهو ما يتطلب استكشافاً مكثفاً ورأس مال وتقنيات وبيانات وقدرات تشغيلية واسعة.

لذلك يمثل دخول أرامكو في هذه الشراكة عاملاً جديداً يمكن أن يسرع الانتقال من معرفة الإمكانات العامة للثروة المعدنية إلى تحديد مواقع أكثر دقة وجدوى للاستثمار.

النحاس في صدارة الاهتمام

يعطي التركيز على النحاس المشروع بعداً يرتبط بالتحولات الصناعية العالمية. فهذا المعدن يدخل بكثافة في شبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة ومشروعات الطاقة المتجددة والصناعات الإلكترونية ومراكز البيانات.

وتقدر أرامكو قيمة سوق النحاس العالمية حالياً بنحو 250 مليار دولار، مع توقعات بتجاوزها 400 مليار دولار بحلول 2035، فيما يمثل النحاس أكثر من 20 في المئة من سوق المعادن المستخرجة عالمياً، المقدرة بنحو 1.2 تريليون دولار.

ولهذا فإن اكتشاف موارد محلية جديدة من النحاس يمكن أن يحمل مردوداً يتعدى نشاط المنجم نفسه. فكلما تمكنت المملكة من تطوير حلقات المعالجة والصهر والصناعات التي تستخدم النحاس، ارتفعت الاستفادة المحلية من المورد عبر الاستثمار والتصنيع وفرص العمل والتصدير.

وهذا ما يضع المشروع ضمن مسار أوسع تسعى من خلاله السعودية إلى تحويل التعدين من نشاط لاستخراج الموارد الخام إلى قاعدة لصناعات جديدة تستفيد من المعادن الموجودة داخل المملكة.

من الليثيوم إلى مشروع تعدين أوسع

يأتي الاتفاق الحالي امتداداً لتعاون بدأ يتبلور منذ يناير 2025، عندما أعلنت أرامكو و"معادن" ترتيبات أولية غير ملزمة لدراسة تأسيس مشروع مشترك يركز على المعادن المرتبطة بتحولات الطاقة، وكان الليثيوم في مقدمة الاهتمام.

وأعلنت أرامكو آنذاك رصد مناطق ضمن نطاق عملياتها تحتوي على تركيزات من الليثيوم تصل إلى أكثر من 400 جزء في المليون، مع الإشارة إلى إمكانية بدء إنتاج تجاري اعتباراً من 2027 إذا أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية جدوى المشروع.

أما اتفاق أغسطس 2026 فينقل التعاون إلى مستوى أكبر وأكثر تحديداً، من خلال هيكل ملكية واضح، ومنطقة استكشاف ضخمة، وتركيز رئيسي على النحاس وتعدين الصخور الصلبة إلى جانب معادن أخرى.

ويظهر هذا التطور أن التعاون بين الشركتين لم يعد محصوراً في معدن محدد، وإنما يتجه إلى بناء نموذج أوسع للاستفادة من إمكانات أرامكو الجيولوجية والتقنية في خدمة قطاع التعدين.

تقارب أكبر بين الطاقة والتعدين والصناعة

 يأتي الاتفاق أيضاً في سياق مؤسسي جديد يجمع ملفات الطاقة والصناعة والتعدين تحت قيادة واحدة. ففي 11 يوليو 2026 صدر أمر ملكي بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، إضافة إلى استمراره وزيراً للطاقة، ما وضع القطاعات الثلاثة ضمن إطار وزاري موحد.

ولا يمكن اعتبار الاتفاق نتيجة مباشرة لهذا القرار، لأن التعاون بين أرامكو و"معادن" بدأ قبل ذلك بأكثر من عام. إلا أن المشروع يقدم مثالاً واضحاً على نوع التقارب الممكن بين هذه القطاعات، ويأتي منسجماً مع اتجاه يدفع نحو مزيد من الترابط بينها.

فالتعدين يعتمد على الطاقة، والصناعات المعدنية تعتمد على المواد الخام والطاقة معاً، فيما تتطلب شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والتقنيات الجديدة كميات متزايدة من النحاس والمعادن الأخرى. ومن ثم يمكن لتنسيق السياسات بين هذه المجالات أن يساعد على ربط الاستكشاف والاستخراج بإمدادات الطاقة والتصنيع المحلي والاستثمارات اللاحقة.

وتصبح أهمية جمع هذه الملفات تحت قيادة واحدة أكبر عندما يكون الهدف بناء مسار متصل يبدأ من الموارد الموجودة تحت الأرض، ويمر بالتعدين والمعالجة والصهر، وينتهي بمنتجات صناعية يمكن استخدامها محلياً أو تصديرها.

ومن الواضح أن اتفاق أرامكو و"معادن" يقدم نموذجاً عملياً لهذا الاتجاه. فالخبرة التي بنتها السعودية خلال عقود من استكشاف النفط والغاز تدخل الآن بصورة أوسع إلى عالم المعادن، وتقترن بخبرة الشركة الوطنية الأكبر في التعدين. وإذا أثمرت هذه القدرات اكتشافات تجارية في المنطقة الجديدة، فقد تكون النتيجة أبعد من إنشاء مناجم إضافية، إذ يمكن أن تفتح مساحة جديدة أمام قطاع التعدين السعودي وتعزز ارتباطه بالطاقة والصناعة كمصدر متزايد للنمو والاستثمار والتنويع الاقتصادي.