"إحسان" تستعد لدور أكبر في القطاع غير الربحي السعودي
"إحسان" تستعد لدور أكبر في القطاع غير الربحي السعودي
-
كتب فيصل أبوزكي
يمثل الأمر الملكي الأخير بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري "إحسان" إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح خطوة تتعدى بمعانيها تغيير الصفة التنظيمية للمنصة، لتفتح أمامها مجالاً أوسع للنمو والمساهمة في رفع كفاءة القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية.
فالكيان الذي بدأ قبل أكثر من خمس سنوات كمنصة رقمية لجمع التبرعات وصل اليوم إلى حجم يجعل من الاستقلال المؤسسي امتداداً طبيعياً لتطوره، بعدما استقبل أكثر من 440 مليون عملية تبرع بقيمة إجمالية بلغت 17 مليار ريال.
مجلس أمناء يجمع الحكومة والأعمال والقطاع غير الربحي
وبموجب الأمر الملكي الصادر في 20 أغسطس 2026، تحمل المؤسسة الجديدة اسم "مؤسسة إحسان للعمل الخيري"، وتهدف إلى تعزيز العمل الخيري وربط المتبرعين بالمستفيدين، وتقديم فرص متنوعة للتبرع، وتمكين الأفراد والشركات من المساهمة، إلى جانب التنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة لرفع كفاءة القطاع غير الربحي.

كما صدر أمر ملكي بتشكيل مجلس أمناء المؤسسة برئاسة وزير التجارة الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي، ونائبه وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المهندس أحمد بن سليمان الراجحي. ويضم المجلس رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا" الدكتور عبدالله بن شرف الغامدي، ومحافظ الهيئة العامة للأوقاف عماد بن صالح الخراشي، إلى جانب المهندس عبدالرحمن بن إبراهيم الرويتع، رئيس مجلس إدارة المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، وأديب بن عبدالله الزامل، رئيس مجلس إدارة "جدوى للاستثمار" والرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة مجموعة الزامل، والأميرة نوف بنت محمد بن عبدالله، الرئيس التنفيذي وعضو مجلس أمناء مؤسسة الملك خالد، والدكتور عبدالرحمن بن عبدالمحسن الخلف، الذي يشغل عضويات في عدد من مجالس الإدارة واللجان المتخصصة في القطاع المالي والاستشاري، وعماد بن عبدالقادر المهيدب، نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة المهيدب ورئيس مجلس إدارة المهيدب لخدمة المجتمع. وحددت مدة العضوية بثلاث سنوات قابلة للتجديد.
وتعطي تركيبة المجلس إشارة إلى طبيعة المؤسسة الجديدة، إذ تجمع بين الجهات الحكومية المرتبطة بالتجارة والعمل والبيانات والأوقاف، وخبرات من القطاع الخاص والاستثمار والعمل الاجتماعي وغير الربحي. ومن شأن هذا التنوع أن يدعم توسع "إحسان" في اتجاه يتجاوز إدارة التبرعات إلى بناء شراكات أوسع مع الشركات والمؤسسات والجمعيات.
منصة تجاوزت وظيفتها التقنية
خلال السنوات الماضية، تجاوزت "إحسان" دورها كمنصة تقنية لتصبح إحدى أبرز قنوات العمل الخيري المنظمة في المملكة. فمرور 17 مليار ريال عبر المنصة يعكس قاعدة واسعة من المتبرعين والمستفيدين والشركاء، كما يعبر عن مستوى مرتفع من الثقة في البنية التي أنشأتها لإدارة التبرعات وتوجيهها إلى المجالات المستهدفة.
وبذلك، يأتي تحويلها إلى مؤسسة مستقلة بعد أن أصبحت تدير منظومة واسعة من التدفقات المالية والعلاقات مع جهات عامة وخاصة ومؤسسات غير ربحية. كما يوفر الوضع الجديد إطاراً مؤسسياً أكثر ملاءمة لحجم النشاط الذي وصلت إليه وطبيعة التوسع المتوقع لها في السنوات المقبلة.
ومن هنا، يمكن فهم الانتقال إلى إطار مؤسسة مستقلة باعتباره استجابة لتنامي الوظائف والعلاقات التي أصبحت "إحسان" تديرها. فمع التعامل مع مليارات الريالات ومئات الملايين من عمليات التبرع، والارتباط بجهات حكومية وشركات ومنظمات غير ربحية، يصبح الإطار المؤسسي المستقل أكثر فعالية لإدارة هذه المنظومة وتطويرها، إلى جانب استمرار المنصة الرقمية في أداء وظيفتها الأساسية.
استقلال يوسع مساحة العمل
يعطي الوضع الجديد "إحسان" مساحة أكبر لتطوير منظومتها. ويوفر الاستقلال المؤسسي إطاراً أكثر ملاءمة لتطوير هيكلها التنظيمي وخدماتها وتقنياتها وتوسيع شراكاتها بما يتناسب مع حجم نشاطها.
كما أن المؤسسة الجديدة ستكون أكثر قدرة على العمل كحلقة وصل بين المتبرعين والجهات غير الربحية والشركات والجهات الحكومية، بما يوسع مهمتها التي بدأت أساساً بتوفير قناة إلكترونية موثوقة لاستقبال التبرعات وتوجيهها.
ويشير القرار إلى أن أعمال المؤسسة تشمل تحفيز الابتكار وتطوير خدمات منصة "إحسان"، ودعم البرامج والخدمات والمنصات غير الربحية المعنية بالتبرعات، والمساهمة في توحيد الجهود التقنية والفنية للعمل الخيري والتنموي. وتضع هذه المهام المؤسسة في موقع أوسع داخل القطاع، حيث يمكن أن تتوسع الاستفادة من بنيتها التقنية وخبرتها المتراكمة لخدمة مؤسسات وجمعيات وبرامج غير ربحية أخرى.
الشركات تدخل بصورة أوسع في منظومة العطاء
وقد بدأت بعض ملامح هذا التوجه بالظهور قبل التحول المؤسسي من خلال شراكات "إحسان" مع شركات خاصة لدمج التبرع ضمن الخدمات والمعاملات اليومية. وتفتح هذه النماذج مجالاً أوسع أمام الشركات للمساهمة في تمويل البرامج الاجتماعية والخيرية ضمن قنوات منظمة يسهل تتبعها وإدارتها.
ويعزز القرار هذا التحول من خلال النص على تمكين الشركات إلى جانب الأفراد من تقديم التبرعات، وهو ما يمكن أن يوسع قاعدة الموارد التي تصل إلى القطاع غير الربحي ويربط برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات بمنصة وطنية تتمتع بقاعدة واسعة من المستفيدين والمشاريع.
قطاع غير ربحي بوزن اقتصادي متزايد
ويأتي تطوير "إحسان" في سياق نمو أوسع يشهده القطاع غير الربحي السعودي ضمن "رؤية السعودية 2030". وتستهدف الرؤية رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 في المئة بحلول عام 2030، في إطار السعي إلى بناء قطاع أكثر تنظيماً واستدامة وقدرة على المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويأتي القرار في وقت اتسع فيه القطاع غير الربحي السعودي بصورة كبيرة. فبحسب المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، تجاوز عدد المنظمات 7,200 منظمة بنهاية 2025، ووصل عدد المتطوعين إلى نحو 1.7 مليون، فيما بلغت مساهمة المنظمات غير الربحية في الناتج المحلي الإجمالي 1.4 في المئة. وكان وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أحمد الراجحي قد أشار خلال 2025 إلى أن عدد العاملين في القطاع وصل إلى نحو 140 ألف موظف.
وفي تقدير أوسع للحجم الاقتصادي للقطاع، قدرت مؤسسة الملك خالد في تقريرها "آفاق القطاع غير الربحي 2025" أن المساهمة الاقتصادية للقطاع بلغت نحو 102 مليار ريال في عام 2023، بما يعادل 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشمل هذا التقدير 48 مليار ريال مساهمة للأوقاف، و47 مليار ريال إنفاقاً للمنظمات غير الربحية، ونحو 5 مليارات ريال قيمة اقتصادية للعمل التطوعي، وملياري ريال مساهمة للجمعيات التعاونية. ويختلف هذا التقدير عن مؤشر مساهمة المنظمات غير الربحية الذي يعتمده المركز الوطني، لأنه يستخدم نطاقاً أوسع يشمل الأوقاف والتطوع والجمعيات التعاونية.
ويشمل القطاع غير الربحي مؤسسات وجمعيات وأوقافاً وبرامج تقدم خدمات، وتوفر فرص عمل، وتدير أصولاً وتمول مشاريع اجتماعية وتنموية. ولذلك تعمل المملكة على تطوير الأطر التنظيمية، وتنمية الأوقاف، ورفع الكفاءة الإدارية والمالية، وتوسيع استخدام التقنية في هذا القطاع.
الثقة أساس توسع المؤسسة
ويبرز عنصر الثقة بوصفه أحد أهم الأصول التي بنتها "إحسان". فالعمل الخيري يرتبط بصورة مباشرة بقدرة المتبرع على الاطمئنان إلى الجهة التي تتلقى الأموال، وطريقة توجيهها ووصولها إلى المستفيدين. وقد ساعدت الرقمنة والحوكمة والقنوات الرسمية في تحويل مئات الملايين من عمليات التبرع إلى تدفقات منظمة عبر منصة واحدة.
ويضيف إنشاء مجلس أمناء للمؤسسة بعداً مؤسسياً لهذه الثقة، ويضع الإشراف والحوكمة في صلب هيكلها الجديد. كما تعكس تشكيلة المجلس الربط بين الخبرة الحكومية والتقنية والاستثمارية والاجتماعية، وهو ما يتناسب مع مؤسسة يتوقع أن تتوسع مسؤولياتها مع نمو القطاع غير الربحي.
بنية تحتية للعمل الخيري
وقد يكون الأثر الأبعد للقرار هو انتقال "إحسان" تدريجياً من كونها منصة يستخدمها المتبرع إلى مؤسسة تقدم جزءاً من البنية التحتية للعمل الخيري السعودي. فالتقنية التي بنتها، وحجم قاعدة مستخدميها، والثقة التي اكتسبتها، وعلاقاتها مع الجهات الحكومية والشركات والمؤسسات غير الربحية تمنحها أساساً يمكن البناء عليه لتطوير قنوات جديدة للتمويل والخدمات.
وأخيراً، يأتي تحويل "إحسان" إلى مؤسسة مستقلة بعد نجاح نموذج المنصة الرقمية ليهيئها لمسؤوليات أوسع في اقتصاد القطاع غير الربحي. فالخطوة تفتح المجال أمام زيادة حجم العطاء ورفع كفاءة استخدامه، وتوسيع مشاركة الشركات، ودعم المؤسسات غير الربحية بالتقنية والخدمات، بما يعزز مساهمة القطاع الاقتصادية والاجتماعية ويدعم تحقيق مستهدفاته ضمن "رؤية السعودية 2030".
الأكثر قراءة
-
صفقة "شاهين" تغيّر تمويل الاستثمار النفطي في الكويت
-
المنجم والجوف... شراكة تربط الإنتاج بالتوزيع
-
"صناعات الخريف" تدرس فرص الاستثمار في أنظمة الري السورية
-
سوق المال العُماني...لائحة جديدة توسع التمويل وتعزز جاذبية الاستثمار
-
"إي آند" توسع أعمالها الدولية وترفع الإيرادات 12 في المئة... والسيولة تستعد لقفزة بعد بيع "فودافون"

