سوريا تبني إطاراً موحداً لمكافحة غسل الأموال وتعزيز الثقة المالية
سوريا تبني إطاراً موحداً لمكافحة غسل الأموال وتعزيز الثقة المالية
-
الاقتصاد والأعمال
يقود وزير المالية السوري محمد يسر برنية جهدأً مؤسسياً واسعاً لإعادة تنظيم منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ضمن إطار استراتيجي موحد، في خطوة تضع هذا الملف في صلب مسار إصلاح القطاع المالي وتعزيز ارتباط سوريا بالنظام المالي الإقليمي والدولي.
ويأتي هذا التوجه مع تشكيل لجنة إشرافية برئاسة برنية لتحديث وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتوازي مع الاستعداد لعملية "التقييم المتبادل"، وهي مراجعة شاملة تجريها مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "مينافاتف" لقياس مدى التزام سوريا بالمعايير الدولية وفاعلية تطبيقها. وتشير وزارة المالية إلى أن التحضيرات للعملية ستدخل مرحلة متقدمة اعتباراً من منتصف عام 2027، فيما يضع الجدول المنشور لدى "فاتف" الزيارة الميدانية المحتملة لفريق التقييم في يناير 2028، ومناقشة التقرير في نوفمبر من العام نفسه.
وقال برنية إن الوزارة تستهدف الانتقال "من المبادرات المتفرقة إلى إطار استراتيجي مؤسسي موحد" لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات وتحديد الفجوات ومعالجتها بصورة مؤسسية. ويختصر هذا القول جوهر التوجه الحالي، إذ تعمل سوريا على بناء منظومة واحدة تجمع المؤسسات المالية والرقابية والمهنية وتربط عملها بأهداف ومؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس.
إطار مؤسسي موحد
تكمن أهمية الخطوة الجديدة في أنها تجمع الجهات الواقعة ضمن نطاق عمل وزارة المالية وإشرافها في إطار مؤسسي موحد. وتضم اللجنة المصارف الحكومية، وهيئة الأسواق والأوراق المالية، وسوق دمشق للأوراق المالية، وهيئة الإشراف على التأمين، والهيئة العامة للضرائب والرسوم، والمؤسسات المالية الحكومية، إلى جانب الجهات المهنية والرقابية ذات الصلة. ويأتي عمل اللجنة في إطار المنظومة الوطنية الأوسع لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي تضم أيضاً هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومصرف سوريا المركزي وجهات حكومية ورقابية أخرى.
ويمنح تولي برنية قيادة هذا المسار ثقلاً أكبر للملف، ويربط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مباشرة ببرنامج الإصلاح المالي وبأهداف أوسع تتعلق بسمعة المؤسسات السورية وقدرتها على استعادة علاقاتها الخارجية.
وقد عبّر وزير المالية بوضوح عن هذا الربط عندما قال إن الملف "يرتبط بسلامة القطاع المالي وسمعة المؤسسات السورية وقدرتها على الاندماج بصورة فاعلة في النظام المالي الإقليمي والدولي"، مؤكداً أن المطلوب بناء منظومة حقيقية وفعالة تستطيع إثبات نتائجها على أرض الواقع.
ملف بقي شبه معلّق
تأتي الاستعدادات الحالية في ظروف تختلف جذرياً عن تلك التي أحاطت بعلاقة سوريا مع منظومة "فاتف" خلال العقدين الماضيين. فآخر تقييم متبادل أجرته "مينافاتف" لسوريا يعود إلى نوفمبر 2006، فيما استمر التعامل مع الملف السوري لاحقاً من خلال خطة عمل لمعالجة أوجه القصور ومتابعة من "فاتف" و"مينافاتف".
وبقي الملف عملياً في وضع شبه معلّق لسنوات. فسوريا ظلت مدرجة رسمياً ضمن الدول الخاضعة للرقابة المتزايدة، في حين بقي البيان المنشور عنها لدى "فاتف" مرتبطاً بمسار قديم لم تستكمل خطواته الميدانية بسبب الظروف الأمنية، ولم تخضع البلاد منذ ذلك الوقت لتقييم حديث ومتكامل يعكس واقع مؤسساتها الحالية.
واليوم تدخل سوريا هذا الاستحقاق بواقع سياسي ومؤسسي مختلف جذرياً، وبمؤسسات اقتصادية ومالية وقيادات جديدة. ولذلك سيكون التقييم المقبل في جوهره اختباراً للمنظومة الحالية وقدرتها على تطبيق المعايير الدولية وإثبات فعاليتها.
تقييم جديد وفق معايير أحدث
تزداد أهمية التقييم المقبل لأنه سيضع المنظومة السورية أمام جيل أحدث من معايير "فاتف" ومنهجياتها. فآخر تقييم متبادل أجرته "مينافاتف" لسوريا يعود إلى عام 2006، في حين تعتمد الجولة الجديدة منهجية "فاتف" المحدثة التي تجمع بين قياس الالتزام الفني بالتوصيات وقياس فعالية التطبيق والنتائج المحققة.
ويتوافق مع هذا التركيز على فعالية التطبيق تشديد برنية على النتائج أكثر من الوثائق والإجراءات الشكلية. فقد قال إن نجاح الاستراتيجية لن يقاس بعدد الاجتماعات أو الوثائق، وإنما بالأثر الذي تحققه، بحيث تكون لكل مبادرة نتيجة ولكل جهة مسؤولية ولكل هدف مؤشر يمكن قياسه. كما تعمل الوزارة على تقييم المخاطر داخل كل جهة، وتحديد الفجوات والاحتياجات البشرية والتقنية والمالية والتدريبية، ووضع خطط تنفيذية ومؤشرات أداء ومدد زمنية ومسؤوليات محددة.
تواصل جديد مع "مينافاتف"
بدأ التواصل مع المنظومة الإقليمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يصبح أكثر انتظاماً. ففي 23 يوليو 2026 زار وفد رفيع من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "مينافاتف" دمشق لمتابعة استعدادات سوريا لعملية التقييم المتبادل ودعم تطوير فعالية الإطار الوطني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل الانتشار.
وشارك في الاجتماعات وزراء المالية والاقتصاد والصناعة والداخلية والعدل والاتصالات وحاكم مصرف سوريا المركزي، إلى جانب الجهات القضائية والرقابية والأمنية والمالية. واعتبرت "مينافاتف" هذا المستوى من المشاركة تعبيراً عن التزام سياسي واضح بتطوير الإطار الوطني والتحضير للتقييم وفق المعايير الدولية.
وتعزز هذه الزيارة توجه سوريا إلى بناء علاقة أكثر انتظاماً مع "مينافاتف"، بوصفها الجهة التي تتولى التقييم المتبادل لسوريا ضمن الشبكة العالمية لـ"فاتف"، بالتوازي مع معالجة الملف القائم لدى "فاتف" وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
الجزائر نموذج لمسار يمكن اختصاره
وتظهر تجربة الجزائر أن معالجة أوجه القصور بسرعة وإثبات فعالية الإصلاحات يمكن أن تختصر فترة الرقابة. فقد أدرجت "فاتف" الجزائر ضمن الدول الخاضعة للرقابة المتزايدة في أكتوبر 2024، قبل أن ترفعها من القائمة في يونيو 2026 بعد استكمال خطة العمل وإثبات التقدم في فعالية منظومتها.
وتقدم التجربة مؤشراً مهماً لسوريا. فإذا تسارعت الإصلاحات المطلوبة وأظهرت المؤسسات قدرتها على تطبيقها وتحقيق نتائج قابلة للقياس، يصبح الانتقال إلى وضع أكثر انتظاماً داخل منظومة "فاتف" هدفاً قابلاً للتحقق في فترة أقصر.
الهدف الأوسع هو استعادة الثقة المالية
يرتبط تحسين وضع سوريا لدى "فاتف" مباشرة بقدرتها على استعادة علاقاتها المصرفية الدولية وتوسيع تعاملاتها عبر القنوات المالية العالمية. فالعلاقات مع المصارف المراسلة والتحويلات الدولية والاعتمادات المستندية وتمويل التجارة ترتبط بدرجة الثقة التي تمنحها المصارف الأجنبية للمنظومة المالية والرقابية في البلد الذي تتعامل معه.

ومن هنا يصبح التقدم في ملف "فاتف" جزءاً أساسياً من مسار إعادة ربط سوريا بالنظام المالي الدولي. فكلما تحسن تقييم منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب واقتربت من المعايير الدولية، أصبح من الأسهل على البنوك والمؤسسات المالية الخارجية إعادة تقييم تعاملها مع المؤسسات السورية وفتح أو توسيع العلاقات معها.
ويتقاطع هذا المسار مع جهود أخرى تقودها وزارة المالية في الحوكمة وإعادة هيكلة المؤسسات والتحول الرقمي وتطوير أنظمة المدفوعات والتعاون مع المؤسسات الدولية. وقد تناولت المباحثات الأخيرة بين برنية والبنك الدولي عدداً من هذه الملفات، بما يعكس اتجاهاً نحو التعامل مع الإصلاح المالي كمنظومة واحدة مترابطة.
وتحمل هذه العملية مكاسب مباشرة للتجارة والاستثمار والتحويلات. فالمستثمرون والمصدرون والمستوردون يعتمدون على قطاع مالي قادر على تنفيذ التحويلات والاعتمادات والضمانات وتسوية المدفوعات عبر الحدود، فيما تستفيد تحويلات السوريين في الخارج من توسع القنوات المصرفية الرسمية.
وبذلك يصبح نجاح الاستراتيجية التي يقودها برنية عاملاً مهماً في إعادة بناء الثقة بالنظام المالي السوري. فالهدف يتجاوز تحسين وضع سوريا لدى "فاتف" إلى تطوير تعاون منتظم مع "مينافاتف"، وإظهار أن المنظومة الجديدة قادرة على العمل وفق المعايير الدولية الحديثة وإثبات فعاليتها.
وإذا نُفذت الإصلاحات المطلوبة بسرعة وظهرت نتائجها في الممارسة، يمكن للتقييم الذي ستجريه "مينافاتف" أن يشكل نقطة تقدم كبيرة في المسار المالي السوري الجديد، وأن يعزز فرص استعادة العلاقات المصرفية الدولية وتوسيع التمويل والتجارة والاستثمار وإعادة وصل الاقتصاد السوري بصورة أكثر انتظاماً بالنظام المالي الدولي.

