"الدوحة للاستثمار"... الشركات والشراكات في قلب النمو القطري

  • 2026-09-21
  • 17:12

"الدوحة للاستثمار"... الشركات والشراكات في قلب النمو القطري

  • كتب فيصل أبوزكي

أعلن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، من نيويورك وعلى هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إطلاق مبادرة "الدوحة للاستثمار" لإدارة وتنمية المحفظة الاستثمارية المحلية لجهاز قطر للاستثمار، بالتزامن مع الكشف عن مشاريع وفرص استثمارية تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة. وجاء الإعلان خلال افتتاح النسخة الخاصة من منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، ما وضع التوجه الاقتصادي الجديد لقطر مباشرة أمام الشركاء ورؤوس الأموال التي تسعى الدوحة إلى جذبها.

تعطي هذه المبادرة فكرة واضحة عن الطريقة التي تريد قطر من خلالها إدارة دورة النمو المقبلة، بالاستناد إلى ما بنته خلال السنوات الماضية من بنية تحتية وشركات وطنية كبيرة، مع توسيع دور الاستثمار الخاص والشراكات الجديدة.

 تنطلق "الدوحة للاستثمار" بمحفظة تضم أكثر من 40 شركة قطرية تعمل في أكثر من 80 سوقاً، من بينها الخطوط الجوية القطرية، وبنك قطر الوطني، وأوريدو، والديار القطرية، وكتارا للضيافة وحصاد الغذائية. وخلال 2025، تجاوزت إيرادات أكثر من 20 شركة ضمن هذه المحفظة مليار ريال لكل منها.

ويشير إنشاء كيان متخصص لإدارة هذه الاستثمارات إلى توجه نحو تطوير الشركات القائمة، وإنشاء شركات جديدة، واستقطاب شركاء ورأس مال وخبرات من الخارج.

أكثر من 60 مليار دولار

يتوزع البرنامج المعلن على نحو 38.5 مليار دولار من مشاريع البنية التحتية التي تعتزم قطر طرحها خلال السنوات الخمس المقبلة، بينها مشاريع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص. وإلى جانبها، تتوقع استثمارات خاصة بنحو 22.5 مليار دولار في العقار والسياحة والضيافة، منها نحو 5.8 مليار دولار مرتبطة بمشروع شاطئ سميسمة.

وهذا يعني أن الـ60 مليار دولار ليست برنامج إنفاق حكومي موحداً، إذ يفترض أن يأتي جزء مهم منها من القطاع الخاص والشراكات الاستثمارية.

وينسجم ذلك مع استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة 2024-2030 التي تركز على زيادة مساهمة القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتنمية القطاعات غير المرتبطة بالنفط والغاز، مع استهداف نمو سنوي في حدود 4 في المئة للاقتصاد والأنشطة غير الهيدروكربونية.

من البنية التحتية إلى دور أكبر للشركات

 أنفقت قطر خلال العقدين الماضيين بكثافة على تطوير الطرق والموانئ والمطارات والمترو والمناطق الاقتصادية والمنشآت السياحية والرياضية، ما وفر للاقتصاد بنية تحتية واسعة وحديثة. ويركز التوجه الجديد بصورة أكبر على الشركات والأنشطة القادرة على الاستفادة من هذه البنية وتحويلها إلى مزيد من الإنتاج والاستثمار والتوسع في الأسواق الخارجية.

من هنا يظهر دور "الدوحة للاستثمار". فالكيان الجديد مكلف بتطوير الشركات التي يمتلك فيها جهاز قطر للاستثمار حصصاً محلية، ودعم توسعها، وإنشاء شركات في مجالات مثل التكنولوجيا المتقدمة والصناعة وسلاسل الإمداد والصحة.

وبذلك تصبح الشركات الوطنية إحدى الأدوات الرئيسية لتنويع الاقتصاد، خصوصاً أن عدداً منها يمتلك حضوراً خارجياً واسعاً، فيما يمكن لشركات جديدة أن تنطلق من السوق القطرية إلى أسواق المنطقة والعالم.

شراكات واستثمار خاص

يساعد المسار الجديد على توسعة المجال أمام المستثمر الخاص. فالمشاريع تتضمن شراكات بين الحكومة والشركات، فيما يفترض أن تعمل "الدوحة للاستثمار" على جذب المستثمرين المحليين والدوليين إلى الشركات والفرص الجديدة.

ويضاف إلى ذلك هدف يتعلق بتطوير السوق المالية. فزيادة عدد الشركات القطرية الكبيرة والقابلة للاستثمار يمكن أن توسع قاعدة الإدراجات وتعمق سوق رأس المال، سواء عبر شركات جديدة أو من خلال دخول مستثمرين مؤسساتيين في شركات قائمة.

كما أن قطر تبحث عن شريك خارجي لا يقتصر دوره على توفير التمويل. فقد تحدث رئيس الوزراء عن أهمية استقطاب شركاء يمتلكون التكنولوجيا والابتكار والوصول إلى الأسواق العالمية، ما يربط الاستثمار الأجنبي بنقل المعرفة وفتح أسواق جديدة أمام الشركات القطرية.

قطاعات جديدة للنمو

تنسجم القطاعات التي حددتها "الدوحة للاستثمار" مع الأولويات الاقتصادية الأوسع للدولة. فالصناعة واللوجستيات والسياحة تمثل مجالات للنمو، بينما توفر التكنولوجيا والخدمات المالية والتعليم قاعدة داعمة، إلى جانب الصحة والأمن الغذائي.

ويدخل الذكاء الاصطناعي ضمن هذا التوجه أيضاً، ومن أمثلته منصة "Qai" الوطنية التي أشار إليها جهاز قطر للاستثمار ضمن المبادرات الجديدة.

ويضع إطلاق "الدوحة للاستثمار" هذه العناصر ضمن إطار واحد يجمع إدارة الشركات الوطنية، وإطلاق استثمارات جديدة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وجذب شركاء دوليين يمتلكون رأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق. كما يمنح البرنامج المعلن، الذي تتجاوز قيمته 60 مليار دولار، هذه التوجهات قاعدة واسعة من المشاريع والفرص خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتظهر الخطوة في الوقت نفسه كيف تبحث قطر عن آليات جديدة لإطلاق دورة نمو تستفيد من البنية التحتية والشركات التي بنتها خلال السنوات الماضية، وتمنح القطاع الخاص والقطاعات غير الهيدروكربونية دوراً أكبر. ويكتسب هذا التوجه وزناً إضافياً في ظل الآثار التي تركتها حرب إيران وتعطل حركة الطاقة والتجارة عبر مضيق هرمز، إذ يوفر توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وتنويع مصادر النمو مساحة أكبر للاقتصاد القطري للتعامل مع هذه الانعكاسات والانطلاق إلى المرحلة المقبلة.