الإصلاح المالي يمنح الأردن مساحة أكبر لتمويل النمو

  • 2026-09-02
  • 19:14

الإصلاح المالي يمنح الأردن مساحة أكبر لتمويل النمو

  • الاقتصاد والأعمال

بدأت نتائج مسار الإصلاح المالي في الأردن تظهر بصورة أوضح في قدرة الحكومة على الحد من الضغوط التي تفرضها خدمة الدين على الموازنة، وفتح مساحة أوسع للإنفاق الرأسمالي والتنموي.

فالتحسن المسجل في كلفة خدمة الدين خلال 2025 يأتي ضمن مسار أوسع شمل ضبط الإنفاق الجاري، وتحسين تحصيل الإيرادات، وإدارة الاستحقاقات، وزيادة الاعتماد على التمويل الميسر، بالتوازي مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي وزيادة الموارد الموجهة إلى المشاريع الرأسمالية.

وأظهرت بيانات أوردتها وكالة الأنباء الأردنية "بترا" أن الزيادة السنوية في فوائد القروض الداخلية والخارجية تراجعت من 396 مليون دينار في 2024 إلى 90.9 مليون دينار في 2025، أي بنحو 77 في المئة. كما تباطأ نمو فاتورة الفوائد من 22.6 في المئة إلى 4.2 في المئة. وهذا لا يشير إلى انخفاض الدين نفسه، أو حتى بالضرورة إلى انخفاض إجمالي الفوائد، وإنما إلى تباطؤ كبير في وتيرة ارتفاع كلفتها، وهو تطور مهم بالنسبة إلى موازنة تتحمل عبئاً مرتفعاً لخدمة الدين.

 هامش أكبر للحركة

تظهر أهمية هذا التحسن بصورة أكبر عند وضعه في إطار الإصلاح المالي الجاري. فقد أكد صندوق النقد الدولي في مراجعته الأخيرة لبرنامج الأردن أن الحكومة تمكنت خلال 2025 من احتواء الإنفاق الجاري الأولي، مع حماية الإنفاق الاجتماعي، ما أتاح زيادة المساحة المخصصة للإنفاق الرأسمالي بنحو 0.3 نقطة مئوية من الناتج مقارنة بالتقديرات السابقة. كما تراجع عجز الحكومة المركزية الأولي، وفق تعريف البرنامج، إلى 1.6 في المئة من الناتج، بأداء أفضل من المستوى المستهدف عند 1.9 في المئة.

والمعروف أنه عندما يتحسن ضبط الموازنة وتصبح الإيرادات أكثر قدرة على تغطية الإنفاق الجاري، تنخفض الضغوط التمويلية. وعندما تستخدم الحكومة تمويلات ميسرة لإطفاء التزامات مرتفعة الكلفة، تتراجع الضغوط التي تفرضها الفوائد على الموازنات اللاحقة. والنتيجة هي هامش مالي أكبر يمكن توجيهه إلى الاستثمار بدلاً من استخدامه في خدمة التزامات سابقة.

استبدال الدين الأعلى كلفة

واتجه الأردن بالفعل إلى إعادة تمويل جزء من ديونه التجارية بتمويلات أقل كلفة. ففي يونيو 2025 جرى إطفاء سند يوروبوند بقيمة مليار دولار عبر تمويل ميسر، وقالت الحكومة إن العملية وفرت نحو 40 مليون دولار سنوياً. وتكرر النهج مع سند آخر بالقيمة نفسها في يناير 2026. كما يستحق سند إضافي بقيمة مليار دولار في يناير 2027، ما يوفر فرصة لمواصلة خفض متوسط كلفة التمويل إذا أمكن تأمين مصادر ميسرة بشروط أفضل من الأسواق التجارية.

وتتجاوز أهمية هذه السياسة الوفر المباشر في الفوائد. فإطالة آجال الاستحقاق وتقليل الاعتماد على الاقتراض التجاري يحدان من حساسية المالية العامة لتحركات أسعار الفائدة العالمية وضغوط إعادة التمويل، ويمنحان الحكومة قدرة أكبر على التخطيط للإنفاق على مدى أطول.

من الوفر المالي إلى المشاريع

لكن تظهر القيمة الأكبر لهذا التحسن في كيفية استخدام الموارد التي يجري تحريرها. فقد ارتفعت النفقات الرأسمالية الفعلية في 2025 بنحو 20 في المئة، بينما وصلت نسبة تنفيذ المخصصات الرأسمالية إلى نحو 95 في المئة مقارنة مع 68 في المئة في 2024. وهذه نقطة مهمة لأن زيادة المخصصات في الموازنة لا تحقق أثراً اقتصادياً ما لم تتحول إلى مشاريع وتنفيذ فعلي.

وتتجه موازنة 2026 إلى تعزيز هذا المسار. فقد قدرت النفقات الرأسمالية بنحو 1.6 مليار دينار، بزيادة 16.8 في المئة، فيما خصصت 396 مليون دينار لمشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، و60 مليون دينار لمشروع الناقل الوطني للمياه، و35 مليون دينار لمشروعات التنقيب عن غاز الريشة، إضافة إلى رفع دعم تنمية وتطوير البلديات إلى 210 ملايين دينار.

وفي الوقت نفسه، تستهدف الموازنة خفض العجز بعد المنح إلى 4.6 في المئة من الناتج، مقابل 5.2 في المئة مقدرة لعام 2025. وهنا تتضح إحدى أهم نتائج التقدم المالي الجاري والمتمثلة بخفض العجز بالتوازي مع زيادة الإنفاق الرأسمالي، بدلاً من معالجة الاختلالات المالية عبر تقليص الاستثمار الحكومي. 

المديونية تبقى التحدي الأكبر

على الرغم من هذا التحسن، لا تزال المديونية المرتفعة تفرض قيوداً واضحة على المالية العامة. فقد بلغ الدين العام وفق تعريف برنامج صندوق النقد الدولي نحو 83.6 في المئة من الناتج بنهاية 2025، وهو مستوى يبقي المالية العامة حساسة للنمو وأسعار الفائدة وتقلبات الأسواق والظروف الإقليمية.

ولهذا لا يمثل خفض وتيرة ارتفاع خدمة الدين نهاية مسار الإصلاح، وإنما يمنح الحكومة وقتاً وموارد أكبر لمواصلته. فالنجاح الحقيقي يتوقف على استمرار ضبط العجز وتحسين الإيرادات وكفاءة الإنفاق، وفي الوقت نفسه توجيه المساحة المالية الجديدة نحو استثمارات ترفع الإنتاجية وقدرة الاقتصاد على النمو.

وتبدأ هنا علاقة أكثر إيجابية بين الإصلاح المالي والنمو. فكلما تراجعت الضغوط التي تفرضها الفوائد والنفقات الجارية، أمكن توجيه موارد أكبر إلى المياه والطاقة والنقل والرقمنة والبنية التحتية وغيرها من المجالات التي تخفض كلفة ممارسة الأعمال وتحسن بيئة الاستثمار.

وإذا استمر هذا المسار، تتحول المساحة المالية الحالية من نتيجة مباشرة للإصلاحات إلى أداة لتعزيزها. فخفض كلفة الدين يحرر موارد للاستثمار، وتدعم زيادة الاستثمار النمو والإيرادات، والنمو الأقوى يساعد تدريجياً على خفض نسبة الدين إلى الناتج. وهكذا يصبح التقدم في الإصلاح المالي أساساً لتوسيع قدرة الأردن على تمويل التنمية، بدلاً من أن تظل الموازنة محكومة بصورة أساسية بكلفة خدمة الدين.