إعادة تنظيم مصرف سوريا المركزي.. المدخل إلى إصلاح القطاع المصرفي السوري
إعادة تنظيم مصرف سوريا المركزي.. المدخل إلى إصلاح القطاع المصرفي السوري
-
الاقتصاد والأعمال
بدأ إصلاح القطاع المصرفي السوري ينتقل تدريجياً من معالجة مشكلات كل مصرف على حدة إلى بناء الإطار الذي يفترض أن يحكم القطاع كله. فالاجتماع الأخير لمجلس إدارة المصرف التجاري السوري، وما خرج به من توجه نحو تحديث الأنظمة التقنية وإعادة تأهيل الفروع والمشاركة في تمويل مشاريع تنموية، يعطي صورة عن حجم التغيير المطلوب داخل المصارف، لكنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على المؤسسة التي يفترض أن تقود هذا التحول وتنظمه، وهي مصرف سوريا المركزي.
وفي أغسطس الماضي، أقرت لجنة إقرار البُنى التنظيمية، وهي لجنة حكومية دائمة شُكّلت بموجب مرسوم رئاسي ويرأسها وزير التنمية الإدارية، الهيكل التنظيمي الجديد لمصرف سوريا المركزي، واعتمدت مهام الإدارات والمديريات والأقسام والدوائر. وتهدف الخطوة إلى تعزيز التنسيق بين وحدات المصرف ورفع كفاءة العمل المؤسسي، ضمن توجه أوسع لتطوير الإطار القانوني والحوكمة والشفافية والتحول الرقمي.
وتضع هذه الخطوة إصلاح المصرف المركزي في قلب عملية تطوير القطاع المالي السوري. فالتحدي المصرفي في سوريا هو أوسع من قدم الأنظمة أو ضعف الخدمات، إذ هناك حاجة إلى إعادة تنظيم الوظائف الأساسية للنظام المصرفي، من استقبال المدخرات وتحويلها إلى تمويل وإدارة المدفوعات، إلى تمويل الشركات والمشاريع وتوفير قنوات مالية تربط الاقتصاد السوري بالخارج.
من إدارة النقد إلى إدارة النظام المالي
خلال سنوات طويلة، انحصر جزء كبير من حضور المصرف المركزي في إدارة سعر الصرف والسيولة والقيود المفروضة على التعاملات المالية. أما الاقتصاد الذي يدخل اليوم في مسار التعافي والاستثمار، فيتطلب وظيفة أوسع للمصرف المركزي تقوم على استقرار الأسعار، وسياسة نقدية واضحة، ورقابة مصرفية فعالة، ونظام مدفوعات حديث، وقدرة على التعامل مع المصارف المتعثرة أو التي تستوجب إعادة هيكلة.
وضع صندوق النقد الدولي هذه المسائل ضمن الأولويات المباشرة لسوريا. وبعد زيارة وفد الصندوق إلى دمشق في يوليو 2026، قال الصندوق إن السياسة النقدية ما زالت مقيدة بسبب محدودية عمل النظام المصرفي وغياب أدوات كافية للسياسة النقدية، ودعا إلى الإسراع في تأهيل المصارف وتطوير الإطار القانوني للمصرف المركزي والقطاع المصرفي، وتعزيز قدرات المركزي في الرقابة ومعالجة أوضاع المصارف.
وهنا تظهر أهمية الهيكل التنظيمي الجديد. فإعادة ترتيب الإدارات تصبح مؤثرة اقتصادياً عندما ترتبط بتغيير طريقة عمل المؤسسة، من خلال وضوح أكبر في توزيع المهام والصلاحيات، وتقوية الرقابة، وتطوير إدارة المخاطر والاستقرار المالي، ورفع مستوى الإحصاءات والتحليل الاقتصادي، وتطوير أدوات تمكّن المصرف المركزي من التأثير في السيولة والفائدة والائتمان داخل المصارف، ومن خلالها في التمويل والاستثمار والنشاط الاقتصادي.

إصلاح المركزي يسبق إصلاح المصارف
يتوقع أن تكون إعادة هيكلة المصارف السورية نفسها أكثر تعقيداً. فقبل مطالبتها بزيادة التمويل، ينبغي تحديد أوضاع ميزانياتها وجودة محافظها الائتمانية ومستوى السيولة ورأس المال والديون المتعثرة، ثم تحديد المصارف القادرة على زيادة نشاطها وتلك التي تتطلب رسملة أو إعادة تنظيم أو دمج.
وهنا تبرز أهمية مشروع تحديث القطاع المالي الذي تنفذه سوريا عبر مصرف سوريا المركزي، بتمويل من منحة قيمتها 100 مليون دولار وافق عليها البنك الدولي. فإلى جانب تحديث أنظمة المدفوعات والبنية التقنية والرقابية للمصرف المركزي، سيمول المشروع مراجعات مستقلة لجودة أصول المصارف تشمل البنوك العامة والخاصة. وتهدف هذه المراجعات إلى تكوين صورة أدق عن جودة القروض والاستثمارات ومتانة الميزانيات، بما يوفر أساساً لتحديد مسارات إصلاح كل مصرف لاحقاً.

ويعطي المصرف التجاري السوري مثالاً أولياً على اتجاهات التطوير المطلوبة في المصارف الحكومية. فقد أوصى مجلس إدارته بالاستعانة بشركة استشارية لتحديد احتياجاته من الأنظمة والبرمجيات التقنية، وتسريع التحول الرقمي، وإعادة تأهيل فروعه في عدد من المحافظات. كما ناقش مشاركته مع مصارف أخرى في قرض مصرفي مجمع لتمويل أنشطة تنموية.
ويشير هذا التوجه إلى انتقال المصرف تدريجياً من التركيز على العمليات المصرفية التقليدية إلى دور أوسع في تمويل النشاط الاقتصادي والمشاريع. وتوسيع هذا الدور ليشمل القطاع المصرفي ككل يتطلب قواعد أكثر وضوحاً للائتمان وإدارة المخاطر والسيولة والحوكمة، إلى جانب رقابة فعالة من المصرف المركزي تضمن سلامة نمو التمويل واستدامته.
إعادة تنشيط قنوات التمويل
لا يقتصر التحدي على توافر الأموال، وإنما يمتد إلى قدرة النظام المصرفي على توجيهها نحو الشركات والمشاريع المنتجة. وقد بدأت خطوات لإعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالقنوات المالية الخارجية وتحديث أنظمة الدفع، بالتوازي مع رفع قدرات المركزي التقنية والرقابية. ويأتي مشروع البنك الدولي ليعزز هذا المسار من خلال الاستثمار في أنظمة المدفوعات والبنية الائتمانية وتقنيات الرقابة والأمن السيبراني، إلى جانب تحديث النظام المصرفي الأساسي للمصرف المركزي.
المركزي كقائد للتحول
يمكن النظر إلى الهيكل الجديد لمصرف سوريا المركزي كبداية لبناء مؤسسة مختلفة في وظائفها وأدواتها وقدرتها على قيادة القطاع.
فالاقتصاد السوري المقبل على مشاريع تأهيل واستثمارات جديدة يتطلب مصارف تستطيع تقييم المشاريع ومنح الائتمان وإدارة المخاطر وتمويل التجارة وإجراء التحويلات. والمصارف بدورها تعتمد على بنك مركزي قادر على مراقبتها، ووضع إطار واضح للسيولة، وتطوير أدوات السياسة النقدية، وتنظيم المدفوعات، وبناء الثقة مع المؤسسات المالية الخارجية.
لذلك يرتبط إصلاح المصرف المركزي وإعادة هيكلة المصارف في مسار واحد. فتطوير المصرف التجاري أو غيره يمكن أن يحسن أداء مؤسسة منفردة، بينما يوفر بناء بنك مركزي قوي وقادر على الرقابة وإدارة السياسة النقدية القواعد التي تسمح بتطوير القطاع ككل.
وستظهر نتائج هذا المسار في قدرة البنوك على تحويل الودائع إلى تمويل منتج، واستعادة علاقاتها الخارجية، ثم مساهمتها في تمويل الشركات والمشاريع المرتبطة بالتعافي الاقتصادي السوري.
الأكثر قراءة
-
"أكوا" توسع محفظتها بثلاثة مشاريع لتخزين الكهرباء في السعودية
-
استحواذ "العماد" الكامل على "موانئ أبوظبي" يعزز منظومة أبوظبي اللوجستية
-
وفد اقتصادي إماراتي رفيع إلى بيروت يحمل رسائل تتجاوز الاستثمار
-
توسعة "هيوماين" تنقل "إم آي إس" إلى مرحلة جديدة
-
من محمد بن راشد إلى حمدان بن محمد...وصايا الحكم للمرحلة المقبلة

