المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية.. من نمو العدد إلى رفع الإنتاجية وتكبير الشركات
المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية.. من نمو العدد إلى رفع الإنتاجية وتكبير الشركات
-
كتب فيصل أبوزكي
تعطي موافقة مجلس الوزراء السعودي الأخيرة على "الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة" إشارة مهمة إلى تحول جديد في مسار قطاع شهد خلال العقد الماضي واحداً من أسرع التحولات في الاقتصاد السعودي. فبعد سنوات تركزت فيها الجهود على توسيع قاعدة ريادة الأعمال، وتسهيل تأسيس المنشآت، وبناء منظومة التمويل والدعم، تدخل المملكة مرحلة تصبح فيها الأولوية أكبر لنمو هذه المنشآت ورفع إنتاجيتها وقدرتها على التحول إلى شركات أكبر وأكثر تنافسية.
اليوم، أصبح القطاع مختلفاً بصورة واضحة عما كان عليه عند إطلاق رؤية السعودية 2030، سواء من حيث عدد المنشآت أو حجم التوظيف أو تنوع أدوات التمويل والدعم.
فقد ارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة من أكثر من 429 ألف منشأة في 2016 إلى أكثر من 1.7 مليون منشأة في عام 2025، وفق التقرير السنوي لرؤية 2030، أي أن العدد تضاعف نحو أربع مرات خلال أقل من عقد. كما بات القطاع يوظف نحو 8.8 ملايين شخص، وبلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي نحو 22.9 في المئة.
تظهر هذه القفزة نجاحاً واضحاً في توسيع قاعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة، لكنها تحدد في الوقت نفسه طبيعة المهمة المقبلة. فمستهدف رؤية 2030 هو وصول مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 35 في المئة من الناتج المحلي، ما يجعل زيادة القيمة الاقتصادية التي تولدها هذه المنشآت أكثر أهمية من مجرد استمرار نمو أعدادها.
عشر سنوات غيرت بيئة الأعمال
عند إطلاق رؤية 2030، كانت المنشآت الصغيرة والمتوسطة موجودة بأعداد كبيرة، إلا أن البيئة المحيطة بها كانت أقل تطوراً مما هي عليه اليوم من حيث التمويل والحاضنات والمسرعات ورأس المال الجريء والخدمات المتخصصة والوصول إلى الأسواق.
تأسست الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "منشآت" في عام 2016، ثم أخذت منظومة الدعم تتوسع تدريجياً. وظهرت أدوات ومؤسسات متخصصة تشمل بنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوسع برنامج "كفالة"، وانطلقت الشركة السعودية للاستثمار الجريء، إلى جانب الحاضنات والمسرعات وغيرها من البرامج الداعمة.
كما توسعت سوق التمويل وتنوعت أدواتها، من التمويل المصرفي إلى الاستثمار الجريء والملكية الخاصة والدين الخاص، بما وفر للشركات خيارات أوسع في مراحل التأسيس والنمو والتوسع. ويظهر هذا التحول بوضوح في الاستثمار الجريء الذي سجل في 2025 أفضل أداء سنوي له على الإطلاق، إذ جمعت الشركات الناشئة السعودية 1.72 مليار دولار عبر 257 صفقة، مقابل 701 مليون دولار و177 صفقة في 2024.
ومثلت المملكة 45 في المئة من إجمالي التمويل و37 في المئة من عدد الصفقات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتحتل المرتبة الأولى إقليمياً في المؤشرين، وتحافظ على صدارتها من حيث التمويل للعام الثالث على التوالي. ويعكس ذلك تطور منظومة تمويلية أكثر تنوعاً وقدرة على دعم الشركات في مراحل نموها المختلفة.

لم تعد المشكلة في عدد الشركات
لكن النتائج نفسها تكشف أين يجب أن يتحول التركيز الآن. فبين عامي 2016 و2025، ارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة من 429 ألفاً إلى أكثر من 1.7 مليون. أما مساهمتها في الناتج المحلي فبلغت 22.9 في المئة في 2025، فيما يبقى مستهدف الرؤية عند 35 في المئة.
ولا تعني هذه المقارنة أن نمو القطاع كان ضعيفاً، إذ تختلف طرق القياس وخطوط الأساس المستخدمة عبر السنوات، لكنها توضح أن الجزء الأكبر من الطريق المتبقي إلى 2030 سيتطلب أكثر من إنشاء شركات جديدة.
أصبحت السعودية بحاجة إلى عدد أكبر من الشركات التي تنجح في الانتقال من منشآت متناهية الصغر إلى منشآت صغيرة، ومنها إلى شركات متوسطة، ثم إلى شركات قادرة على التوسع محلياً وإقليمياً. ويعني ذلك زيادة الإنتاجية والمبيعات والصادرات والاستثمار في التقنية والابتكار، ورفع قدرة الشركات على الحصول على عقود أكبر وتمويل أطول أجلاً.

المنشآت داخل سلاسل الاقتصاد الجديد
تزداد أهمية هذا التحول مع التوسع الجاري في قطاعات الصناعة والسياحة والتعدين واللوجستيات والسيارات والطيران والتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. فالقيمة الاقتصادية لهذه الاستثمارات ترتفع كلما نشأت حول المشاريع الكبرى في هذه القطاعات شبكة محلية من الموردين والمصنعين وشركات الخدمات والتقنية والصيانة والنقل والتصميم والاستشارات، بما يعزز حضور المنشآت الصغيرة والمتوسطة داخل سلاسل القيمة الجديدة في الاقتصاد السعودي.
وهنا يمكن أن يتغير موقع المنشآت الصغيرة والمتوسطة داخل الاقتصاد السعودي من شركات تعمل أساساً في الأسواق المحلية والخدمات التقليدية إلى جزء من سلاسل القيمة التي تبنيها الاستثمارات الجديدة.
من تأسيس الشركات إلى بقائها ونموها
تنطلق الاستراتيجية الجديدة بعد سنوات من بناء أدوات دعم أكثر تنوعاً للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ما أتاح تحديد العقبات التي تواجهها بصورة أدق، من تكاليف التأسيس والوصول إلى التمويل والأسواق إلى تطوير القدرات والتقنية. وتظهر مبادرة "استرداد" جانباً من هذا التوجه، إذ تجاوزت قيمة الرسوم الحكومية المستردة في أغسطس 2026 نحو 255 مليون ريال، استفادت منها أكثر من 8,800 منشأة مؤهلة. ويعكس ذلك انتقال الدعم تدريجياً من تسهيل تأسيس المنشآت إلى معالجة التحديات التي تؤثر في قدرتها على الاستمرار والنمو.

الجزء الأصعب من الرحلة
يمكن النظر إلى التحول الذي بدأ منذ عام 2016 عبر ثلاث حركات متتابعة. الأولى بنت البيئة والمؤسسات. والثانية سرعت تأسيس الشركات ووسعت التمويل وريادة الأعمال. أما الحركة التي تبدأ الآن فتتمحور أكثر حول تكبير الشركات ورفع إنتاجيتها وربطها بالقطاعات الجديدة والأسواق الخارجية.
لقد قطعت السعودية شوطاً كبيراً في جعل تأسيس الأعمال وريادة الأعمال جزءاً أساسياً من الاقتصاد الجديد. المهمة المقبلة أكثر صعوبة وأهمية وتتمحور حول تحويل هذا النشاط الواسع إلى شركات أكثر قوة وإنتاجية، تستطيع أن تحمل جزءاً أكبر من النمو غير النفطي وتدفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة تدريجياً نحو مستهدف 35 في المئة بحلول 2030.
الأكثر قراءة
-
"أكوا" توسع محفظتها بثلاثة مشاريع لتخزين الكهرباء في السعودية
-
استحواذ "العماد" الكامل على "موانئ أبوظبي" يعزز منظومة أبوظبي اللوجستية
-
وفد اقتصادي إماراتي رفيع إلى بيروت يحمل رسائل تتجاوز الاستثمار
-
توسعة "هيوماين" تنقل "إم آي إس" إلى مرحلة جديدة
-
من محمد بن راشد إلى حمدان بن محمد...وصايا الحكم للمرحلة المقبلة

