السوريون في الخارج... طريق العودة إلى الاستثمار
السوريون في الخارج... طريق العودة إلى الاستثمار
-
الاقتصاد والأعمال
بعد عقود أمضاها في الولايات المتحدة، عاد عبد الحميد العاقل إلى سوريا بخبرة في خدمات الدفع الإلكتروني والتكنولوجيا والاتصالات، وبدأ العمل مع شركات اتصالات ومصارف سورية. وجهاد سلقيني، الذي غادر للدراسة عام 1980 وأسس لاحقاً شركة متخصصة في تجهيزات شبكات الاتصالات وسجل عشرات براءات الاختراع، عاد بدوره بخبرة تمتد لنحو 45 عاماً وعلاقات مع شركات ورجال أعمال في الولايات المتحدة. أما ماهر مكحل، الذي انتقل إلى كندا عام 2011، فاختار المشاركة في استثمار جديد في قطاع المعدات الثقيلة المرتبط بالإنشاءات والطرق والطاقة.
هذه الحالات التي عرضتها وكالة الأنباء السورية "سانا" تفتح ملفاً أكبر من قصص العودة الفردية. فسوريا لا تستعيد مع بعض أبنائها المقيمين في الخارج أشخاصاً، وإنما رؤوس أموال وخبرات وعلاقات تجارية ومهنية تكونت خلال سنوات طويلة في أسواق أكثر تطوراً. وفي اقتصاد يحتاج إلى تمويل واسع وتكنولوجيا وكفاءات، يمكن لهذه الشبكة أن تؤدي دوراً مهماً في التعافي.
وتزداد أهمية ذلك أمام حجم الاحتياجات. فقد قدر البنك الدولي كلفة ترميم واستبدال المباني والبنية التحتية المتضررة بنحو 216 مليار دولار في تقديره الأساسي، من دون أن يشمل ذلك كامل الخسائر الاقتصادية أو كلفة استعادة النشاط الإنتاجي والخدمات.
أبعد من التحويلات
ارتبط الدور الاقتصادي للسوريين في الخارج لسنوات بالتحويلات التي تصل إلى الأسر وتساعد في تمويل المعيشة. لكن الإمكانات أكبر من ذلك بكثير، إذ يمكن أن تنتقل إلى الداخل استثمارات وشركات وخبرات وعلاقات تجارية في غاية الأهمية تكونت في الخارج.
فصاحب الشركة السوري في الخارج يمكنه أن يستثمر مباشرة في مشروع داخل سوريا، أو يؤسس نشاطاً جديداً، أو يفتح أمام الشركات المحلية قنوات للوصول إلى موردين وأسواق ومصادر تمويل خارجية. كما يمكن للمهندسين والمصرفيين والأطباء والخبراء السوريين في الاغتراب نقل خبراتهم المهنية والإدارية إلى قطاعات خسرت جزءاً مهماً من كوادرها خلال سنوات الهجرة.
وتمنح معرفة الداخل والخارج المغتربين السوريين ميزة إضافية. فهم يعرفون المجتمع والسوق واللغة، وفي الوقت نفسه اكتسب كثير منهم خبرة بطريقة عمل الشركات والمؤسسات المالية والأسواق الدولية. ويمكن لهذه المعرفة أن تساعد المشاريع السورية في الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل والأسواق بصورة أسرع.
رأس المال السوري الكبير
ولا تقتصر الصورة على رواد الأعمال وأصحاب الخبرات. فهناك شريحة من السوريين بنت مجموعات وشركات كبيرة في الخليج ومصر وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة، وأصبحت تملك قدرة على تمويل مشاريع واسعة واستقطاب مصارف وشركاء وموردين إلى سوريا.

ويظهر هذا النموذج في دخول مجموعات يملكها سوريون في الخارج إلى السوق السورية عبر استثمارات في الطاقة والبنية التحتية والزراعة والخدمات المالية، بالتوازي مع عودة بعض الصناعيين السوريين الذين بنوا أعمالاً كبيرة خارج البلاد إلى توسيع نشاطهم داخل سوريا.
ويختلف قرار هذه الفئة عن قرار صاحب شركة ناشئة أو خبير فردي. فالمجموعة التي تعمل في عدة أسواق تقارن بين الفرص المتاحة لها من حيث العائد والمخاطر والقوانين وحماية الاستثمار والتمويل وإمكانية تحويل الأرباح والبنية التحتية. لذلك فإن جذبها يرتبط بقدرة السوق السورية على تقديم فرص تنافس البدائل المتاحة في دول أخرى.
قطاعات قابلة للاستفادة سريعاً
تبرز التكنولوجيا والخدمات المالية بين القطاعات التي يمكن أن تستفيد سريعاً من خبرات السوريين في الخارج، خصوصاً مع تطوير أنظمة الدفع والبنية المصرفية والأمن السيبراني والخدمات الرقمية.
ويمتد المجال إلى الصناعة والإنشاءات والطاقة والصحة والتعليم والخدمات المهنية. فالمشاريع الجديدة سترفع الطلب على مهندسين ومديري مشاريع ومحاسبين ومحامين وخبراء تمويل وتأمين وتقنية، وعلى شركات تعمل وفق معايير أكثر تطوراً. وفي بعض القطاعات قد تكون الخبرة المتراكمة في الخارج أكثر ندرة من رأس المال نفسه.
العودة لا تشترط الإقامة
ولا تتطلب الاستفادة من هذه الطاقات عودة السوريين جميعاً للإقامة الدائمة. فقد يبقى رجل الأعمال في دبي ويمتلك مصنعاً في سوريا، أو يعمل المهندس في أوروبا ويصبح شريكاً في شركة محلية، أو تنشئ شركة يملكها سوري في الخارج نشاطاً داخل السوق السورية.
لذلك فإن المؤشر الاقتصادي الأهم لا يقتصر على عدد العائدين، وإنما يشمل مقدار رأس المال والخبرة والأعمال التي يعاد ربطها بالاقتصاد المحلي. فالعودة السكانية والعودة الاقتصادية مساران يمكن أن يلتقيا من دون أن يكون أحدهما شرطاً للآخر.
ما الذي يحول الاهتمام إلى استثمار؟
يبقى قرار الاستثمار مرتبطاً ببيئة الأعمال. فالمستثمر السوري في الخارج، مهما كانت علاقته ببلده، سيبحث عن وضوح حقوق الملكية والعقود، وسهولة تأسيس الشركات، والنظام الضريبي، وكفاءة المصارف، وإمكانية إدخال الأموال وتحويل الأرباح، وآليات حل النزاعات.
ولهذا فإن تحسين بيئة الاستثمار لا يستهدف الشركات الأجنبية وحدها. فالسوريون في الخارج يمثلون شريحة مهمة من المستثمرين المحتملين، وبعضهم قد يكون أكثر استعداداً لدخول قطاعات ومناطق يعرفها جيداً. كما أن نجاح المشاريع الأولى يمكن أن يترك أثراً يتجاوز قيمتها المباشرة، لأن رجل الأعمال الذي ينجح في سوريا قد يجلب معه شريكاً أو ممولاً أو مورداً آخر.
خلال سنوات طويلة خسرت سوريا جزءاً مهماً من رأسمالها البشري مع انتشار ملايين السوريين في أنحاء العالم. لكن هذه الهجرة أنتجت في المقابل شبكة من رجال الأعمال والمتخصصين وأصحاب الشركات الذين راكموا رؤوس أموال وخبرات وعلاقات واسعة.
الفرصة اليوم هي في إعادة ربط جزء من هذه الشبكة بالاقتصاد السوري، بحيث لا يعود السؤال مقتصراً على عدد السوريين الذين يعودون للإقامة في بلدهم، بل على حجم الأموال والخبرات والأعمال والعلاقات التي يمكن أن تعود معهم أو من خلالهم.
الأكثر قراءة
-
"أكوا" توسع محفظتها بثلاثة مشاريع لتخزين الكهرباء في السعودية
-
استحواذ "العماد" الكامل على "موانئ أبوظبي" يعزز منظومة أبوظبي اللوجستية
-
وفد اقتصادي إماراتي رفيع إلى بيروت يحمل رسائل تتجاوز الاستثمار
-
توسعة "هيوماين" تنقل "إم آي إس" إلى مرحلة جديدة
-
من محمد بن راشد إلى حمدان بن محمد...وصايا الحكم للمرحلة المقبلة

