العراق وتركيا يقرّبان طريق التنمية خطوة إضافية نحو التنفيذ

  • 2026-09-14
  • 18:02

العراق وتركيا يقرّبان طريق التنمية خطوة إضافية نحو التنفيذ

  • كتب فيصل أبوزكي

أنجز العراق وتركيا المسودة النهائية للاتفاقية العامة الخاصة بتطوير البنى التحتية وقطاع النقل، في خطوة من شأنها أن تعزز مسار انتقال مشروع "طريق التنمية" من التفاهمات والدراسات إلى الترتيبات العملية للتمويل والتنفيذ.

وجاء إنجاز المسودة بعد أربعة أيام من المفاوضات في بغداد تناولت الجوانب القانونية والفنية والمالية وآليات التنفيذ، إضافة إلى حقوق والتزامات الطرفين ومتطلبات المشاريع التي ستنفذ في إطار الاتفاقية.

ومن الجانب العراقي، شاركت وزارات النقل والنفط والمالية والخارجية والبنك المركزي وشركة تسويق النفط "سومو"، فيما ضم الجانب التركي وزارات النقل والبنية التحتية والطاقة والخارجية وبنك الزراعة التركي. ويعكس توسع دائرة المشاركين انتقال الملف من التعاون في النقل وحده إلى البحث في التمويل والطاقة والتجارة وكيفية توفير الموارد المطلوبة للمشاريع.

التمويل يدخل صلب المشروع

منذ إطلاق طريق التنمية، بقي التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع. فهو يحتاج إلى استثمارات كبيرة في السكك الحديدية والطرق والمنشآت الحدودية والبنية اللوجستية، في الوقت الذي تسعى فيه بغداد إلى تفادي تحميل الموازنة العامة كامل هذه الكلفة.

ومن هنا جاءت المباحثات مع تركيا حول استخدام جزء من الموارد أو العائدات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية للنقل، وفي مقدمها المشاريع المرتبطة بطريق التنمية.

وكان الجانب التركي قد أعلن في أغسطس الماضي أن المحادثات تناولت تحويل موارد نفطية عراقية إلى مصدر لتمويل مشاريع النقل، إلى جانب بناء هيكل مالي يضمن استمرار تدفقات التمويل.

ووفق المعلومات المنشورة حتى الآن، لا توجد تفاصيل تشير إلى أن العراق سيقدم النفط مباشرة إلى تركيا مقابل قيام شركات تركية بالتنفيذ. كما لم تعلن كمية النفط أو قيمة الإيرادات التي ستخصص لهذا الغرض، أو طريقة التسعير ومدة الالتزام وآلية اختيار الشركات والعقود.

تشير المعلومات المتاحة حتى الآن إلى عمل بغداد وأنقرة على صيغة تستخدم جزءاً من دخل النفط لتمويل البنية التحتية للنقل التي يحتاجها العراق.

ومع هذه التطورات، ينتقل المشروع من البحث في مسار الطريق والسكك والدول المشاركة فيه إلى مرحلة أكثر تقدماً تتركز على كيفية تحويل الخطط إلى مشاريع ممولة وقابلة للتنفيذ.

تجربة سابقة مع الصين

الفكرة ليست جديدة تماماً بالنسبة إلى العراق. فاتفاق إطار التعاون مع الصين الذي بدأ تنفيذه في عام 2019 قام على تخصيص عائدات تعادل نحو 100 ألف برميل من النفط يومياً وإيداعها في حساب مصرفي مخصص لتمويل مشاريع بنية تحتية داخل العراق.

لكن الصيغة التي يجري بحثها مع تركيا تبدو أكثر تركيزاً. فالتعاون مع الصين يشمل مجالات ومشاريع متعددة، بينما ترتبط الآلية العراقية-التركية بصورة أساسية بتطوير البنية التحتية للنقل، ويأتي طريق التنمية في صلب المشاريع المستهدفة.

ويخدم ذلك هدفاً اقتصادياً أوسع للعراق يقوم على تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر للنشاط والدخل، من خلال ربط الخليج بتركيا ومنها بالأسواق الأوروبية.

ربط النفط بشبكة نقل جديدة

بالنسبة إلى العراق، تحمل هذه الصيغة منطقاً اقتصادياً واضحاً. فالبلاد تعتمد بصورة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة، فيما يوفر تطوير شبكة النقل فرصة لاستخدام جزء من هذه العائدات في توسيع النشاط الاقتصادي وفتح مصادر دخل جديدة على المدى الطويل.

ويبدأ طريق التنمية من ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق، ثم يمتد عبر نحو 1,200 كيلومتر من الطرق والسكك الحديدية وصولاً إلى الحدود التركية، ومنها إلى شبكات النقل التركية والأسواق الأوروبية.

وقد قدرت كلفة المشروع عند إطلاقه بنحو 17 مليار دولار، وهو ما يوضح حجم التحدي التمويلي الذي يرافق تنفيذه.

ولا تقتصر الفائدة الاقتصادية المتوقعة للعراق على رسوم مرور القطارات والشاحنات. فالممر يمكن أن يشجع على تطوير مناطق صناعية ولوجستية ومخازن ومراكز توزيع وخدمات نقل على امتداد مساره، وأن يربط المدن العراقية بشبكة نقل أكثر كفاءة.

ومن هنا تتضح الفكرة أكثر، إذ يتيح توجيه جزء من دخل النفط إلى بناء البنية التحتية للعراق زيادة مصادر دخله خارج القطاع النفطي، عبر إنشاء شبكة نقل ولوجستيات تدعم التجارة والاستثمار وتزيد الاستفادة الاقتصادية من موقع البلاد.

تركيا يمكن أن تعزز اتصالها بالخليج عبر العراق

يمنح طريق التنمية تركيا ممراً جنوبياً يبدأ من الخليج ويمر بالعراق قبل أن يدخل شبكتها البرية والسككية ويتصل بأوروبا. وبذلك يضيف إلى موقعها بين آسيا وأوروبا محوراً جديداً يمتد جنوباً نحو العراق والخليج.

وتتجاوز أهمية المشروع بالنسبة إلى تركيا قطاع النقل. فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين تتوسع في النفط والطاقة والتجارة والاستثمار، ويمكن للممر الجديد أن يوفر بنية إضافية تربط هذه المصالح بعضها ببعض.

وفي أبريل 2024 وقع العراق وتركيا والإمارات وقطر مذكرة تعاون رباعية بشأن طريق التنمية، ما أعطى المشروع بعداً إقليمياً أوسع. أما المسودة الجديدة فتتناول بصورة مباشرة الحلقة العراقية-التركية والبنية التي يحتاجها المشروع داخل العراق وصولاً إلى تركيا.

 ومن الممر العراقي-التركي إلى شبكة خليجية أوسع

يمكن أن يرتبط المشروع مستقبلاً بشبكة نقل خليجية أوسع مع تقدم مشاريع الربط السككي في دول مجلس التعاون.

تستطيع الإمارات وقطر، وهما شريكتان في الإطار الرباعي للمشروع، الوصول إلى الفاو بحراً. وفي المقابل، قد تتيح الكويت في مرحلة لاحقة مساراً برياً أو سككياً إضافياً، خصوصاً مع تطوير ميناء مبارك الكبير وتقدم مشاريع الربط السككي بينها وبين السعودية.

ويتطلب ذلك استكمال حلقة الربط بين الكويت والعراق واتفاقات تشغيلية لم تنجز بعد. وإذا تحقق هذا الربط، يمكن أن يمتد الاتصال من السعودية ودول خليجية أخرى عبر الكويت إلى جنوب العراق، ثم يدخل شبكة طريق التنمية باتجاه تركيا وأوروبا.

وبذلك يبقى الفاو البوابة البحرية الرئيسية للمشروع، فيما يمكن أن توفر الكويت لاحقاً مدخلاً إضافياً يربط شبكة النقل الخليجية بالعراق.

كما يعتمد تحول هذا التصور إلى شبكة إقليمية فاعلة على قدر أكبر من الاستقرار والتفاهم السياسي بين دول المسار، بما يتيح استمرار مشاريع النقل والتجارة بعيداً عن الخلافات الإقليمية.

وتتضح القيمة الاقتصادية للمشروع أكثر إذا ارتبط طريق التنمية مستقبلاً بشبكة السكك الخليجية، إذ يمكن للعراق عندها أن يصبح حلقة وصل شمالية بين منظومة النقل الخليجية وتركيا والأسواق الأوروبية، بدلاً من أن يقتصر المشروع على ممر يبدأ من الفاو.

نحو التنفيذ

ومع إنجاز المسودة النهائية، تنتقل الأهمية إلى التفاصيل التي ستحدد كيفية التطبيق، وفي مقدمتها حجم الإيرادات النفطية المخصصة للتمويل، وآلية إدارة هذه الأموال، وأولويات المشاريع وطبيعة دور الشركات والبنوك التركية.

ويبقى التطور الأهم أن طريق التنمية بات أقرب إلى بناء الإطار الذي يسمح بتحويله من مشروع مخطط له إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ. وإذا اتسعت روابطه لاحقاً نحو شبكة النقل الخليجية، يمكن أن تتجاوز أهميته نطاق العراق وتركيا ليصبح ممراً أوسع يضع العراق في موقع أكثر مركزية في حركة التجارة بين الخليج وتركيا وأوروبا.