قطاع المياه في السعودية... استراتيجية تصنع سوقاً وفرصاً وشركات

  • 2026-06-29
  • 12:12

قطاع المياه في السعودية... استراتيجية تصنع سوقاً وفرصاً وشركات

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

تكشف محفظة مشاريع الشراكة التي أعلنتها الشركة الوطنية للمياه، والتي تتجاوز قيمتها 56 مليار ريال وتضم 48 مشروعاً في مراحل مختلفة، عن حجم السوق الاستثمارية التي تتشكل في قطاع المياه السعودي. وتشمل المحفظة 15 مشروعاً دخلت مرحلة التشغيل، فيما تتوزع بقية المشاريع بين مراحل التنفيذ والتطوير والإعداد للطرح، وتشمل محطات لتحلية المياه، ومحطات لمعالجة مياه الصرف الصحي، وخزانات استراتيجية، وشبكات نقل وتوزيع، بسعات تعاقدية لإنتاج المياه المحلاة تتجاوز 10 ملايين متر مكعب يومياً، وطاقة لمعالجة مياه الصرف الصحي تزيد على 1.24 مليون متر مكعب يومياً.

وتوفر هذه المحفظة مؤشراً عملياً على مسار أوسع تقوده المملكة منذ عدة سنوات في إطار الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030، التي تشكل أحد المرتكزات التنفيذية لرؤية 2030 في هذا القطاع.

فقد انتقلت إدارة المياه من التركيز على تأمين الإمدادات إلى بناء اقتصاد متكامل يقوم على الاستثمار، والشراكة مع القطاع الخاص، والتقنيات المتقدمة، وتعظيم القيمة الاقتصادية للأصول، وتطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بالمياه. وأصبح قطاع المياه اليوم أحد أكبر أسواق البنية التحتية في المملكة وأكثرها تنوعاً من حيث الفرص الاستثمارية.

استراتيجية لإدارة مورد استراتيجي

يفرض الموقع الجغرافي للمملكة تحديات استثنائية في إدارة المياه. فالسعودية تقع ضمن أكثر مناطق العالم جفافاً، بينما يواصل عدد السكان والأنشطة الاقتصادية النمو بوتيرة متسارعة. ويبلغ إجمالي الطلب على المياه نحو 24.8 مليار متر مكعب سنوياً، يستحوذ القطاع الزراعي على نحو 84 في المئة منه، في حين تعتمد المدن بصورة رئيسية على تحلية مياه البحر التي توفر نحو 60 في المئة من احتياجاتها.

وانطلقت الاستراتيجية الوطنية للمياه من هذه المعطيات، واضعة خمسة أهداف مترابطة تشمل تعزيز الأمن المائي، وإدارة الطلب، ورفع كفاءة الخدمات، وحماية الموارد، وتعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني من خلال الحوكمة، والابتكار، ومشاركة القطاع الخاص. ونتيجة لذلك، توسعت الاستثمارات في التحلية والنقل والتوزيع والمعالجة وإعادة الاستخدام، بالتوازي مع تطوير الأطر التنظيمية والمؤسسية.

إعادة هيكلة فتحت الباب واسعاً أمام الاستثمار الخاص

دعمت إعادة هيكلة القطاع هذا التحول من خلال توزيع واضح للأدوار. فتولت وزارة البيئة والمياه والزراعة رسم السياسات، وأصبحت الهيئة السعودية للمياه مسؤولة عن التنظيم وإدارة الأصول، فيما تتولى الشركة الوطنية للمياه إدارة خدمات المياه والصرف الصحي والإشراف على برامج الشراكة مع القطاع الخاص، بينما تضطلع الشركة السعودية لشراكات المياه بتطوير مشاريع الإنتاج المستقل للمياه.

وأوجد هذا التنظيم بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين، ورسخ نموذجاً يقوم على توزيع المخاطر والمسؤوليات بين القطاعين العام والخاص، مع احتفاظ الدولة بملكية الأصول الاستراتيجية والإشراف على التخطيط والتنظيم.

وتؤكد الأرقام اتساع هذا السوق. فإلى جانب محفظة الشراكة الحالية، سبق للشركة الوطنية للمياه أن أعلنت فرصاً استثمارية تتجاوز قيمتها 102 مليار ريال لتنفيذ أكثر من 1200 مشروع في المياه والمعالجة البيئية، كما تواصل تنفيذ برامج رأسمالية ضخمة لتوسعة الشبكات وتحسين جودة الخدمات في مختلف مناطق المملكة.

شراكة تبني قطاعاً اقتصادياً

اعتمدت السعودية نموذجاً تدريجياً في توسيع مشاركة القطاع الخاص، بدأ بعقود إدارة وتشغيل التجمعات المائية، ثم توسع إلى عقود التشغيل والصيانة طويلة الأجل، قبل أن يشمل تطوير وتمويل وتشغيل مشاريع مستقلة للمياه بعقود تمتد لعقود زمنية طويلة.

وأسهم هذا النموذج في استقطاب شركات عالمية متخصصة مثل "فيوليا" و"سويس" و"سور" و"أكواليا" و"مانيلا ووتر"، التي نقلت خبراتها في تشغيل المرافق وتحسين الكفاءة وإدارة الشبكات ومحطات المعالجة.

وفي الوقت نفسه، ساعدت الاستراتيجية على بروز شركات وطنية أصبحت من أبرز اللاعبين في قطاع المياه. وتبرز "أكوا باور" بوصفها أكبر شركة خاصة لتحلية المياه في العالم، بمحفظة واسعة من مشاريع التحلية والإنتاج المستقل للمياه داخل المملكة وخارجها، إلى جانب نشاطها في الطاقة والهيدروجين الأخضر. كما عززت شركات سعودية أخرى، مثل "الخريّف" لتقنيات المياه والطاقة و"مياهنا"، حضورها في مجالات التشغيل والصيانة وإدارة المرافق.

ويعكس هذا التطور انتقال قطاع المياه إلى مرحلة جديدة تقوم على بناء منظومة أعمال متكاملة، تضم شركات التطوير، والمقاولات، والاستشارات، ومصنعي المعدات، ومقدمي الحلول الرقمية، والمؤسسات التمويلية، بما يعزز المحتوى المحلي ويرفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

قيمة اقتصادية تتجاوز البنية التحتية

تتجاوز آثار الاستثمار في المياه حدود تنفيذ المشاريع. فالقطاع يعتمد بصورة متزايدة على التقنيات المتقدمة في التحلية، وإدارة الشبكات، وكشف التسربات، وإعادة استخدام المياه، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وهو ما يفتح مجالات واسعة أمام الشركات المتخصصة والكوادر الوطنية.

كما يوفر القطاع فرصاً لرؤوس الأموال طويلة الأجل التي تبحث عن أصول مستقرة بعوائد مستدامة. وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاستثمار في خدمات المياه والصرف الصحي يمكن أن يولد منافع اقتصادية واجتماعية تصل إلى نحو سبعة دولارات مقابل كل دولار واحد في بعض الاقتصادات، نتيجة تحسن الصحة العامة، وارتفاع الإنتاجية، وتقليص الأضرار البيئية.

وفي السعودية، ينعكس هذا الاستثمار على قطاعات الصناعة، والتعدين، والسياحة، والعقار، والزراعة، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى مساهمته في خلق وظائف نوعية في الهندسة والتشغيل والتقنيات الرقمية.

 بيع أصول محطة ينبع... فرصة جديدة في الاقتصاد الدائري للمياه

شهد القطاع خلال الفترة الأخيرة تطوراً جديداً تمثل في إعلان الهيئة السعودية للمياه طرح أصول محطة ينبع (المرحلة الثانية) أمام المستثمرين، بالتزامن مع التحول إلى تقنيات التحلية بالتناضح العكسي. ويشمل الطرح أكثر من 110 آلاف طن من الأصول الصناعية، وقدرة كهربائية تبلغ 162 ميجاواط، ومحطة كانت تنتج 212 ألف متر مكعب من المياه المحلاة يومياً، إضافة إلى نحو خمسة آلاف طن من المعادن الصناعية عالية القيمة، تشمل النحاس، والتيتانيوم، والألمنيوم، والستانلس ستيل.

ويفتح هذا التوجه باباً جديداً للاستثمار في قطاع المياه، حيث تمتد الفرص إلى إعادة توظيف الأصول الصناعية، والاستفادة من مكوناتها في صناعات جديدة، بما ينسجم مع مبادئ الاقتصاد الدائري ويرفع كفاءة استخدام الموارد. كما يوسع قاعدة المستثمرين لتشمل شركات إعادة التدوير، والصناعات المعدنية، والهندسة الصناعية، والخدمات اللوجستية، إلى جانب المستثمرين التقليديين في قطاع المياه.

نموذج سعودي يستفيد من التجارب العالمية

تظهر التجارب الدولية أهمية التوازن بين الاستثمار والتنظيم. فقد نجحت بريطانيا في جذب استثمارات كبيرة إلى قطاع المياه بعد الخصخصة، إلا أن تراكم المديونية لدى بعض الشركات وتراجع بعض المؤشرات البيئية دفع السلطات إلى تشديد الرقابة وتعزيز قواعد الحوكمة وربما استعادة الدولة لبعض االاصول مثل "تايمز واتر" المثقلة بالديون. وفي المقابل، ركزت سنغافورة على الإدارة المتكاملة لدورة المياه والاستثمار في الابتكار وإعادة الاستخدام، بينما طورت أستراليا سياسات لإدارة الطلب ورفع كفاءة استخدام الموارد.

واستفادت السعودية من هذه الخبرات عبر بناء نموذجها الخاص، الذي يجمع بين الدور التنظيمي للدولة، والشراكة مع القطاع الخاص، والعقود طويلة الأجل، مع الحفاظ على ملكية الأصول الاستراتيجية، وهو ما وفر توازناً بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة العامة.

اقتصاد متكامل يقود مرحلة جديدة

أصبح قطاع المياه في السعودية اليوم أكثر اتساعاً من نشاط التحلية أو شبكات التوزيع. فهو يضم سلسلة قيمة متكاملة تشمل إنتاج المياه، ونقلها، وتخزينها، وتوزيعها، ومعالجة مياه الصرف، وإعادة استخدامها، والخدمات الرقمية، والصناعات المرتبطة بالمعدات والتقنيات، وإدارة الأصول بعد انتهاء عمرها التشغيلي.

وتعكس محفظة مشاريع الشراكة الجديدة جانباً من هذا التحول، بينما تكشف الاستراتيجية الوطنية للمياه عن رؤية أوسع تستهدف بناء قطاع اقتصادي متكامل يساهم في تنويع الاقتصاد، ويعزز الأمن المائي، ويولد فرصاً استثمارية وصناعية وتقنية تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات. وبهذا المعنى، يشكل قطاع المياه أحد أبرز النماذج التي تجسد انتقال البنية التحتية في المملكة إلى محرك للنمو الاقتصادي، وإلى منصة لبناء صناعات وشركات وطنية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.