موانئ أبوظبي" تدخل أميركا الجنوبية عبر أكبر صفقة في تاريخها

  • 2026-06-02
  • 20:41

موانئ أبوظبي" تدخل أميركا الجنوبية عبر أكبر صفقة في تاريخها

استحواذ بـ3.1 مليار درهم على مشغل محطات زراعية في البرازيل

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

أعلنت مجموعة "موانئ أبوظبي" استحواذها على شركة كوريدور لوجستيكا إي إنفراستروتورا، المعروفة باسم "سي إل آي"، في صفقة تبلغ قيمتها 3.1 مليارات درهم، بما يعادل نحو 835 مليون دولار. وتمثل العملية دخولاً رسمياً للمجموعة إلى أسواق أميركا الجنوبية، عبر البرازيل، التي تعد أكبر اقتصاد في المنطقة وأحد أهم مصدري السلع الزراعية في العالم.

وتستحوذ الصفقة على أهمية خاصة لأنها تنقل موانئ أبوظبي إلى قطاع حيوي في التجارة العالمية، هو قطاع البضائع الزراعية السائبة، مثل السكر والذرة وفول الصويا والحبوب. ويرتبط هذا القطاع مباشرة بأمن الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، كما يرتبط بحركة التجارة بين مناطق الإنتاج الزراعي الكبرى والأسواق المستوردة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

تتخذ "سي إل آي" ساو باولو مقراً لها، وتدير محطتين أساسيتين لتصدير البضائع الزراعية السائبة في البرازيل بموجب عقود امتياز طويلة الأجل. الأولى هي محطة "سي إل آي سول" في ميناء سانتوس، وهي محطة مهمة في تصدير السكر، وتشكل أيضاً بوابة رئيسية لصادرات الذرة وفول الصويا. أما الثانية فهي "سي إل آي نورتي" في ميناء إيتاكي، ضمن ما يعرف بـ"قوس الشمال" البرازيلي، وهي منطقة تزداد أهميتها كممر لصادرات الحبوب القادمة من مناطق الإنتاج القريبة من حوض الأمازون.

منصة برازيلية تربط الغذاء بالتجارة العالمية

تملك "سي إل آي" كامل رأسمال "سي إل آي نورتي"، التي تشغل محطة في ميناء إيتاكي، كما تملك حصة 80 في المئة في "سي إل آي سول"، التي تشغل محطة في ميناء سانتوس. وقد تعاملت الشركة في عام 2025 مع 17 مليون طن من البضائع الزراعية السائبة، وحققت إيرادات بلغت 654 مليون درهم، وأرباحاً قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغت 360 مليون درهم.

ومن المتوقع إتمام الصفقة خلال النصف الثاني من عام 2026، بعد استيفاء الشروط المعتادة، بما في ذلك الموافقات التنظيمية وموافقات سلطات المنافسة. وتم الاتفاق على استمرار فريق الإدارة العليا في "سي إل آي" في إدارة الشركة، وهو ما يعكس رغبة "موانئ أبوظبي" في الحفاظ على الخبرة التشغيلية المحلية، مع إضافة قدراتها في التمويل، والتشغيل، والربط البحري، والخدمات اللوجستية، والحلول الرقمية.

ووفق شروط الصفقة، تبيع "ماكواري لإدارة الأصول" و"آي جي 4 كابيتال" حصتيهما في الشركة إلى "موانئ أبوظبي" التي حصلت على المشورة المالية من "بي تي جي باكتوال"، بينما حصل البائعان على المشورة من مجموعة "سيتي".

لماذا البرازيل؟

تأتي أهمية الصفقة من موقع البرازيل في تجارة الغذاء العالمية. فهي من أكبر مصدري السكر في العالم، ومن كبار مصدري الحبوب وفول الصويا والذرة. كما أن موانئ شمال البرازيل سجلت في عام 2025 أسرع معدلات النمو في البلاد، ما يعزز أهمية "قوس الشمال" كممر جديد نسبياً لتصدير السلع الزراعية.

وبالنسبة إلى "موانئ أبوظبي"، تبدو الصفقة أكبر من عملية شراء لمحطتين في بلد بعيد. فهي تضيف حلقة جديدة إلى شبكة تربط الموانئ، والشحن، والتخزين، والخدمات اللوجستية، والمناطق الاقتصادية، والمنصات الرقمية.

وتسعى المجموعة من خلال هذا النوع من الصفقات إلى بناء ممرات تجارية تربط مصادر الإنتاج الكبرى بأسواق الاستهلاك والنمو، خصوصاً في شبه القارة الهندية، وشرق أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط.

وتكتسب العملية بعداً إضافياً في ضوء المفاوضات الجارية بين الإمارات وتكتل "ميركوسور" في أمريكا الجنوبية، الذي يضم البرازيل، للتوصل إلى اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة. ومن هذه الزاوية، تدخل "موانئ أبوظبي" إلى البرازيل في مرحلة تشهد فيها العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وأمريكا الجنوبية زخماً أوسع.

صفقة في قلب نموذج أعمال موانئ أبوظبي

تأتي هذه الصفقة في قلب التحول الذي تقوده "موانئ أبوظبي" لبناء مجموعة عالمية متكاملة في التجارة والخدمات اللوجستية. فالمجموعة تنتقل من عملها الاساسي كمشغل موانئ، لتصبح مطوراً لممرات تجارية تربط الموانئ بالشحن، والتخزين، والمناطق الصناعية والاقتصادية، والحلول الرقمية.

ويقوم نموذج أعمال المجموعة على قطاعات أساسية مترابطة هي الموانئ، والخدمات البحرية والشحن، والخدمات اللوجستية، والمدن الاقتصادية والمناطق الحرة، والحلول الرقمية. لذلك، فإن قيمة الصفقة لا تُقيم بطاقة المحطتين في البرازيل أو بإيراداتهما المباشرة، إنما أيضاً بقدرتهما على تغذية قطاعات أخرى داخل المجموعة وفتح مسارات تجارية جديدة أمام عملائها.

ولا تقف أهمية الصفقة عند تشغيل محطتين في البرازيل. فهي تمنح موانئ أبوظبي موقعاً داخل واحدة من أهم سلاسل تجارة الغذاء في العالم. ومن هذا الموقع، يمكن للمجموعة أن تخدم قطاعاتها الأخرى، من الشحن والخدمات البحرية إلى التخزين والنقل والخدمات اللوجستية. كما يمكن أن تستفيد الشركات العاملة في مناطقها الصناعية والاقتصادية، مثل كيزاد، من الربط بمصادر جديدة للمواد الزراعية والغذائية أو بأسواق تصدير جديدة.

وتوفر هذه العمليات أيضاً بيانات عن حركة السلع، ومواسم التصدير، والطلب في الأسواق المختلفة، وهي معلومات يمكن استخدامها في تطوير الخدمات الرقمية المرتبطة بالتجارة وسلاسل الإمداد. وبذلك يصبح عرض المجموعة للعميل أوسع من تشغيل ميناء، لأنه يجمع بين الميناء، والسفينة، والمخزن، والمنطقة الصناعية، والمنصة الرقمية في شبكة واحدة.

توسع دولي في ممرات الغذاء

تأتي الصفقة بعد سلسلة خطوات ركزت على البضائع الزراعية والغذائية. ففي باكستان، أبرمت المجموعة من خلال محطة بوابة كراتشي متعددة الأغراض اتفاقية طويلة الأمد مع "لويس دريفوس" لتطوير وتشغيل منشأة لمناولة وتخزين البضائع السائبة والسلع الزراعية في ميناء كراتشي.

وفي كازاخستان، وافقت على استثمار نحو 30 مليون دولار في محطة حبوب سارزها ضمن ميناء كوريك على بحر قزوين. وفي الأردن، حصلت المجموعة على امتياز لمدة 30 عاماً لتشغيل ميناء العقبة متعدد الأغراض، الذي يتعامل مع أكثر من 3 ملايين طن من الحبوب سنوياً. وفي إسبانيا، تلعب عمليات "نواتوم" في تاراغونا وساغونتو دوراً في مناولة واردات الحبوب، مع استثمار إضافي لتحديث محطة تاراغونا.

وتوضح هذه المحطات اتجاهاً استراتيجياً واضحاً. فموانئ أبوظبي تريد أن تكون حاضرة في تجارة الغذاء عبر شبكة ممتدة من الممرات البحرية واللوجستية، لا عبر التخزين أو تشغيل الموانئ وحدهما. والهدف هو ربط المنتجين الكبار بالمستوردين الكبار، وتوسيع قدرة المجموعة على خدمة التجارة الزراعية في أكثر من قارة.

أكبر صفقة في تاريخ المجموعة

تعد صفقة "سي إل آي" الأكبر من نوعها في تاريخ موانئ أبوظبي حتى الآن. فهي تتجاوز صفقة الاستحواذ على "نواتوم" الإسبانية عام 2023، التي بلغت قيمتها 2.65 مليار درهم، وصفقة شراء حصة 51 في المئة في "جلوبال فيدر شيبينغ" في أوائل عام 2024 مقابل 1.9 مليار درهم.

وتكشف هذه المقارنة أن المجموعة تستخدم الاستحواذ كأداة لتسريع التوسع الدولي، بدل انتظار النمو العضوي وحده. فقد أعطاها الاستحواذ على "نواتوم" منصة لوجستية عالمية، ووسع استثمارها في "جلوبال فيدر شيبينغ" حضورها في خدمات الشحن المغذي، أي الخطوط التي تربط الموانئ الأصغر بالموانئ والمحاور البحرية الكبرى. أما صفقة "سي إل آي"، فتمنحها موقعاً مباشراً في أحد أهم أسواق تصدير الغذاء في العالم.

توقيت مدعوم بأداء مالي قوي

تأتي الصفقة في وقت تظهر فيه نتائج "موانئ أبوظبي" قدرات مالية وتشغيلية متنامية. ففي الربع الأول من عام 2026، سجلت المجموعة إيرادات قدرها 5.75 مليار درهم، بنمو 25 في المئة على أساس سنوي. وارتفعت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك إلى 1.52 مليار درهم، بنمو 33 في المئة، فيما وصل صافي الربح إلى 653 مليون درهم، بزيادة 41 في المئة، وهو أفضل ربح فصلي في تاريخ المجموعة منذ إدراجها.

ويكتسب هذا الأداء أهمية لأنه تحقق في بيئة إقليمية صعبة أثرت في طرق التجارة وسلاسل الإمداد. وقد ساعد تنوع أعمال المجموعة، وانتشارها الجغرافي، وقدرتها على تشغيل ممرات بديلة، في الحفاظ على استمرارية الأعمال وتحويل الاضطراب إلى فرصة تشغيلية.

كما يظهر هذا الأداء أن "موانئ أبوظبي" تدخل مرحلة مختلفة من النمو. فهي تجمع بين التوسع الخارجي، وتحسين الربحية، وإدارة الأصول، وخفض الرافعة المالية. ومن هنا، يمكن فهم صفقة البرازيل بوصفها جزءاً من معادلة أوسع تتضمن توظيف الميزانية العمومية في أصول استراتيجية طويلة الأجل، مع السعي إلى رفع الربحية عبر التكامل بين القطاعات المختلفة.

الأبعاد الاستراتيجية للصفقة

تحمل الصفقة عدة أبعاد رئيسية. فهي تدخل موانئ أبوظبي إلى أمريكا الجنوبية من بوابة قطاع يصعب تجاوزه في التجارة العالمية، وهو قطاع الغذاء. كما تمنحها أصولاً قائمة تعمل بموجب امتيازات طويلة الأجل، ما يوفر تدفقات تشغيلية أكثر وضوحاً من المشاريع الجديدة التي تحتاج إلى سنوات قبل الوصول إلى التشغيل الكامل.

وتعزز الصفقة حضور المجموعة في تجارة البضائع السائبة، وهي تجارة مختلفة عن الحاويات، لكنها مهمة جداً للدول والشركات التي تركز على الغذاء والطاقة والمواد الأولية. كما تمنح "موانئ أبوظبي" قدرة أكبر على فهم حركة السلع الزراعية من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المستوردة، وربط ذلك بخدمات الشحن والتخزين والتوزيع.

أما البعد الأوسع فيتعلق بموقع أبوظبي نفسه. فكل توسع خارجي من هذا النوع يخدم المجموعة ويعزز موقع أبوظبي كأحد مراكز التجارة العالمية، ويجعلها أقرب إلى سلاسل الإمداد الحيوية، خصوصاً في الغذاء. ومن هنا، تبدو الصفقة امتداداً لدور الإمارات في بناء ممرات تجارية جديدة بين الشرق والغرب، وبين الجنوب العالمي والأسواق الآسيوية والعربية.

من تشغيل الموانئ إلى بناء ممرات التجارة

تعطي صفقة "سي إل آي" موانئ أبوظبي موقعاً مباشراً في أحد أهم ممرات الغذاء في العالم. وهي في الوقت نفسه تعكس انتقال المجموعة إلى مرحلة أكثر عالمية، تقوم على شراء أصول استراتيجية قائمة، وربطها بشبكة موانئ وشحن ولوجستيات ومناطق اقتصادية ومنصات رقمية.

ومن خلال هذه العملية، تضيف مجموعة موانئ أبوظبي إلى نموذج أعمالها حلقة جديدة في تجارة السلع الزراعية. وهذا يعزز قدرتها على لعب دور أكبر في سلاسل الإمداد العالمية، ويدعم موقع أبوظبي كمركز يربط الموانئ والأسواق ومناطق الإنتاج عبر قارات متعددة.

وتبدو الصفقة خطوة تتجاوز حدود الاستثمار في محطة أو ميناء. فهي جزء من مسار أوسع لبناء شبكة تجارة عالمية، تستطيع من خلالها "موانئ أبوظبي" أن تجمع بين الأصول البحرية، والخدمات اللوجستية، والمناطق الصناعية، والبيانات، وتقدم للعميل خدمة أكثر تكاملاً في عالم أصبحت فيه سلاسل الإمداد جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي والتجاري للدول والشركات.