حرب إيران تدفع السعودية إلى دور جديد في الخريطة اللوجستية الخليجية
حرب إيران تدفع السعودية إلى دور جديد في الخريطة اللوجستية الخليجية
-
الاقتصاد والأعمال
تضيف السعودية خدمة شحن جديدة إلى ميناء جدة الإسلامي في وقت خرج فيه الميناء من تجربة أعطت دوره بعداً مختلفاً. فقد أعلنت الهيئة العامة للموانئ "موانئ" إضافة خدمة "Maersk-MECL" التي تربط جدة بعدد من الموانئ في الولايات المتحدة والمغرب وعمان والهند، بطاقة تصل إلى 7 آلاف حاوية نمطية.
وتعزز هذه الخدمة اتصال الميناء بشبكات التجارة الدولية على مسار يمتد بين الهند والشرق الأوسط والساحل الشرقي للولايات المتحدة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
لكن أهمية الإعلان تأتي أيضاً من توقيته، بعد أشهر من حرب إيران التي اختبرت قدرة موانئ البحر الأحمر السعودية على أداء وظيفة أوسع من خدمة التجارة المحلية وجذب خطوط الملاحة العالمية.
فخلال الأزمة، برزت الموانئ والمسارات البرية السعودية كأحد الخيارات المتاحة لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز. وتحركت البضائع في اتجاهين تمثلا بشحنات من شرق السعودية والخليج نحو موانئ البحر الأحمر لإعادة ربطها بالأسواق العالمية، وبواردات متجهة إلى أسواق خليجية عبر منافذ خارج المضيق ثم نقلها براً إلى وجهاتها.
وكانت السعودية قد دشنت في مارس "مبادرة المسارات اللوجستية"، التي تربط موانئ الساحل الغربي بمناطق الإيداع ومدن المملكة ودول الخليج والأسواق الإقليمية والدولية.
وأظهرت تجربة الحرب أن هذه المسارات يمكن أن تمنح البنية اللوجستية السعودية وظيفة إقليمية جديدة، تقوم على استخدام جغرافيا المملكة جسراً بين الخليج والبحر الأحمر.
جدة بعد الحرب... بوابة تتجاوز السوق السعودية
يمثل ميناء جدة الإسلامي الطرف الغربي الأبرز في هذه الشبكة. فهو أكبر موانئ السعودية على البحر الأحمر، ويتمتع بارتباط واسع بخطوط الشحن الدولية، فيما رفعت الاستثمارات في المحطات والمناطق اللوجستية قدرته على استقبال الحاويات وتخزينها وإعادة توزيعها.
قبل الحرب، كانت هذه الاستثمارات تقدم أساساً ضمن هدف تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي وزيادة حصتها من حركة التجارة العابرة. لكن اضطرابات هرمز أضافت وظيفة مختلفة. فقد أصبحت قيمة الميناء مرتبطة أيضاً بقدرته على العمل منفذاً بديلاً عندما تتعرض حركة التجارة في الخليج للاضطراب.

وتعمل هذه الوظيفة في الاتجاهين. يمكن نقل شحنات من الخليج وشرق المملكة إلى جدة ثم تحميلها على سفن متجهة إلى الأسواق العالمية. وفي المقابل، يمكن استقبال بضائع عبر موانئ البحر الأحمر ونقلها براً شرقاً إلى أسواق خليجية.
وقد ظهرت الفكرة عملياً خلال الحرب. ووثقت "رويترز" استخدام ميناء نيوم لاستقبال بضائع أوروبية متجهة إلى قطر قبل نقلها براً إلى الدوحة. واستغرقت الرحلة في إحدى الحالات نحو 22 يوماً، مقارنة بأكثر من 40 يوماً عبر المسارات التي تعطلت بفعل الأزمة.
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها قدمت مثالاً عملياً على الدور الذي يمكن أن تؤديه السعودية. فالمملكة لا توفر منفذاً غربياً للشحنات الخارجة من الخليج فقط، وإنما تستطيع أن تكون أيضاً نقطة استقبال لواردات موجهة إلى دول المنطقة.
السعودية جسراً بين بحرين
لطالما شكل الموقع الجغرافي جزءاً من استراتيجية السعودية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية. لكن حرب إيران حولت هذه الميزة من فكرة استراتيجية إلى قدرة جرى اختبارها فعلياً.
تمتد المملكة بين الخليج والبحر الأحمر، وتملك موانئ على الساحلين وشبكة طرق واسعة ومراكز لوجستية تتوسع تدريجياً. وتسمح هذه العناصر بتحويل مسار البضائع من شبكة بحرية إلى أخرى عبر الأراضي السعودية.
ولا تقوم الفكرة هنا على استبدال مضيق هرمز أو نقل كامل تجارة الخليج براً. فحجم التجارة البحرية أكبر بكثير من قدرة الشاحنات والمسارات البرية الحالية. لكن وجود ممر احتياطي قادر على التعامل مع جزء من الواردات أو الشحنات ذات الأولوية يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً خلال الأزمات.
وأظهرت الحرب أهمية هذا النوع من المسارات. فالشركات الخليجية احتاجت إلى منافذ لإدخال المواد الغذائية والمدخلات الصناعية والسلع الأساسية، فيما بحث المصدرون وأصحاب البضائع عن طرق للوصول إلى شبكات الشحن العالمية بعيداً عن مناطق الخطر.
في هذه الظروف، أصبحت الأراضي السعودية جزءاً من سلسلة الإمداد نفسها، ولم يعد دور المملكة مرتبطاً فقط بالموانئ الواقعة على ساحليها.
اختبار مبكر للرؤية اللوجستية السعودية
يأتي الدور الذي ظهر خلال الحرب في سياق تحول تعمل عليه السعودية منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في منتصف عام 2021. وتستهدف الاستراتيجية ترسيخ مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث، مستفيدة من موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ورفع ترتيبها إلى مصاف أفضل عشر دول عالمياً في مؤشر الأداء اللوجستي.

ولتحقيق ذلك، توسعت المملكة في تطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية، مع التركيز على ربط أنماط النقل المختلفة وتحسين الاتصال بالأسواق المحلية والإقليمية والدولية. وبحسب وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر، تجاوزت الاستثمارات في المنظومة 250 مليار ريال منذ إطلاق الاستراتيجية.
كانت الرؤية السعودية تقوم أساساً على تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى نشاط اقتصادي، وجذب حركة التجارة والعبور والاستثمارات اللوجستية. لكن حرب إيران اختبرت جانباً آخر من هذه الرؤية. فقد أظهرت أن الربط بين الخليج والبحر الأحمر يمكن أن يخدم أيضاً استمرارية التجارة الإقليمية عندما يتعطل أحد الممرات البحرية الرئيسية.
ويمكن النظر إلى تجربة ميناء جدة وموانئ البحر الأحمر خلال الحرب كاختبار مبكر للوظيفة التي تستهدفها الاستراتيجية. فالقيمة اللوجستية للمملكة لا تأتي من حجم الموانئ أو شبكة الطرق كل على حدة، وإنما من القدرة على ربطها ضمن مسار واحد يسمح للبضائع بالانتقال بين الساحلين ومواصلة طريقها إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأعطت الأزمة لهذا الطموح بعداً خليجياً أوضح. فالسعودية التي تسعى إلى أن تصبح مركزاً لوجستياً عالمياً وجدت بنيتها التحتية تؤدي في الوقت نفسه دوراً في توفير منافذ بديلة لدول الجوار. وهذا الدور، إذا جرى تطويره بعد الحرب، يمكن أن يجعل المرونة ومناعة سلاسل الإمداد جزءاً من الميزة التنافسية للمركز اللوجستي السعودي.
تطوير المنظومة اللوجستية البرية لا سيما السكك
كشفت الحرب أيضاً حدود النموذج الحالي. فالنقل بالشاحنات لا يستطيع التعامل بصورة مستدامة مع أحجام تضاهي حركة السفن الكبيرة. بعض سفن الحاويات تنقل أكثر من 20 ألف حاوية نمطية، فيما تحمل الشاحنة عدداً محدوداً منها.
كما أدى ارتفاع الطلب على النقل البري خلال الأزمة إلى زيادة الكلفة وظهور اختناقات تشغيلية. ولذلك، يصعب تحويل المسارات التي استخدمت في الطوارئ إلى بديل تجاري واسع بالاعتماد على الطرق وحدها.
لكن هذه القيود توضح أيضاً أين يجب أن يتركز الاستثمار المقبل. فتعزيز الربط بالسكك الحديدية بين شرق المملكة وغربها، وتطوير المراكز اللوجستية الداخلية، وتسريع الإجراءات الجمركية، وتحسين أنظمة تتبع الحاويات يمكن أن يرفع الطاقة الاستيعابية ويخفض كلفة العبور.
وهنا تبرز أهمية مشروع الجسر البري السعودي وغيره من مشاريع السكك الحديدية. فالقطارات تستطيع نقل أحجام أكبر من البضائع بصورة أكثر انتظاماً وكفاءة من آلاف الشاحنات، ويمكن أن تحول الربط بين الخليج والبحر الأحمر إلى ممر تجاري يستخدم في الظروف العادية ويكتسب أهمية إضافية عند وقوع الأزمات.
المرونة تدخل حسابات التجارة
على مدى سنوات، تركزت قرارات سلاسل الإمداد على السرعة والكلفة. وكانت الشركات تبحث عن أقصر الطرق وأقلها كلفة وأكثر الموانئ كفاءة.
لكن سلسلة الأزمات التي شهدها العالم، من جائحة كورونا إلى اضطرابات البحر الأحمر وحرب إيران، رفعت أهمية معيار آخر هو القدرة على الاستمرار عند تعطل مسار رئيسي.
وبالنسبة إلى دول الخليج، أظهرت حرب إيران أن الاعتماد الكبير على مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف مشتركة. وجود موانئ حديثة داخل الخليج لا يلغي المخاطر الناتجة عن مرور الجزء الأكبر من حركة التجارة عبر منفذ بحري ضيق يمكن أن يتعرض للاضطراب.
لذلك، قد تحصل المنافذ البديلة على وزن أكبر في الخطط الحكومية واستراتيجيات الشركات. وقد تقبل بعض الجهات كلفة أعلى للاحتفاظ بمسار احتياطي يمكن تشغيله بسرعة عند الحاجة.
وتفتح هذه الأولوية مجالاً جديداً أمام السعودية. فالمملكة تستطيع تقديم شبكة من الموانئ والمسارات البرية والسكك الحديدية تتيح للبضائع الدخول إلى الخليج أو الخروج منه عبر البحر الأحمر.
ومن هنا، تتجاوز أهمية ما حدث خلال الحرب إدارة أزمة مؤقتة. فقد قدمت التجربة بيانات عملية عن حركة البضائع والطلب والكلفة ونقاط الاختناق، يمكن استخدامها لتطوير مسارات أكثر تنظيماً واستعداداً للأزمات المقبلة.
من ميناء وطني إلى وظيفة إقليمية
لا شك أن هذا التحول يغير طريقة النظر إلى ميناء جدة الإسلامي. فالميناء لا يضيف خطوطاً جديدة فقط لزيادة حجم المناولة أو جذب مزيد من السفن، وإنما يتحرك تدريجياً نحو وظيفة أوسع داخل الشبكة اللوجستية الإقليمية.
وتزداد قيمة خدمة "Maersk-MECL" الجديدة ضمن هذا السياق. فكلما توسعت شبكة الخطوط البحرية المرتبطة بجدة، زادت قدرة الميناء على استقبال البضائع وإعادة توزيعها وربط المسارات البرية السعودية بالأسواق العالمية.
ويعني ذلك أن قيمة جدة في المرحلة المقبلة قد تعتمد بقدر متزايد على موقعها داخل شبكة النقل السعودية نفسها. فالميناء يحتاج إلى اتصال سريع وفعال بالمراكز اللوجستية والطرق والسكك الحديدية حتى يستطيع تحويل قوته البحرية إلى دور إقليمي أوسع.
من منافسة الموانئ إلى شبكة منافذ
تطرح تجربة الحرب أيضاً نظرة مختلفة للمنافسة اللوجستية داخل الخليج. فقد تنافست موانئ المنطقة طويلاً على جذب السفن وخطوط الملاحة والحاويات. لكن أمن التجارة الخليجية يعتمد بدرجة متزايدة على قدرة البضائع على الانتقال من منفذ إلى آخر عندما يتعطل المسار المعتاد.
تمتلك الإمارات شبكة موانئ متقدمة وخبرة عالمية في تشغيلها، كما تطور منافذ على الساحل الشرقي خارج مضيق هرمز. وتملك عمان موقعاً بحرياً مفتوحاً على المحيط الهندي. فيما تتميز السعودية بقدرتها على الربط البري بين الخليج والبحر الأحمر.
ويمكن أن تتحول هذه المزايا إلى شبكة خليجية متعددة المنافذ، توفر خيارات مختلفة لحركة السلع وفق طبيعة الأزمة والوجهة وحجم الشحنة.
وبذلك لا يصبح ميناء جدة منافساً بديلاً لموانئ الخليج، وإنما أحد أطراف شبكة أوسع للمرونة. فالبضائع قد تصل إلى جدة وتنقل براً إلى دولة خليجية، أو تتحرك من داخل الخليج عبر المملكة إلى الميناء قبل مواصلة طريقها بحراً.
قدمت حرب إيران للسعودية اختباراً عملياً لدور لوجستي أوسع من خدمة السوق المحلية أو جذب حركة العبور الدولية. فقد أظهرت أن موقع المملكة بين بحرين يمكن أن يتحول إلى عنصر في حماية استمرارية التجارة الخليجية، وأن موانئ البحر الأحمر تستطيع أن تكون منافذ إضافية لدول المنطقة في الاتجاهين.
ومع ارتفاع الاهتمام الخليجي بمرونة ومناعة سلاسل الإمداد وتطوير المنافذ البديلة، قد تتحول المسارات التي استخدمت خلال الحرب من حلول طارئة إلى جزء من بنية لوجستية دائمة. وعندها يمكن للسعودية أن تؤدي دور العمود الفقري البري لشبكة خليجية متعددة المنافذ، فيما يبرز ميناء جدة الإسلامي بوابة رئيسية تربط هذه الشبكة بحركة التجارة العالمية.
الأكثر قراءة
-
بعد ربع قوي... "العالمية القابضة" تستثمر في سهمها
-
السعودية ولبنان أمام معادلة الدولة أولاً، ثم الثقة والاقتصاد
-
"سينومي سنترز" توصي بزيادة رأسمالها عبر أسهم منحة وبرنامج لتحفيز الموظفين
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية
-
استحواذ جديد يعزز حضور "أديس" في السعودية ويضيف 3.8 مليارات ريال إلى أعمالها

