تقرير جدوى: حرب إيران تختبر نموذج التحول السعودي... والاقتصاد يثبت قدرته على التكيّف

  • 2026-06-03
  • 06:40

تقرير جدوى: حرب إيران تختبر نموذج التحول السعودي... والاقتصاد يثبت قدرته على التكيّف

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

لم تكن حرب إيران مجرد صدمة نفطية بالنسبة للسعودية، فالمملكة التي أمضت السنوات الأخيرة في إعادة بناء اقتصادها على ركائز جديدة أوسع من النفط، وجدت نفسها أمام اختبار مختلف يتمحور حول مدى قدرة اقتصادها الحفاظ على تماسكه عندما تتعرض المنطقة لواحدة من أعنف الهزات الجيوسياسية واللوجستية منذ عقود.

هذا هو المعنى الأهم الذي يخرج به تقرير شركة جدوى للاستثمار حول التأثير الاقتصادي لحرب إيران على الاقتصاد السعودي. فالتقرير يصف تباطؤ النمو واضطراب التجارة والطاقة،  ويرسم صورة لاقتصاد دخل مرحلة جديدة، أصبح فيها التحدي الأساسي ليس فقط تحقيق النمو، وإنما القدرة على الاستمرار وإعادة تنظيم النشاط الاقتصادي تحت الضغط.

وهنا، تبدو حرب إيران أشبه بأول اختبار واسع النطاق لنموذج التحول الاقتصادي السعودي بعد سنوات من التوسع في الاستثمار، والبنية التحتية، والخدمات، والصناعة، واللوجستيات.

كيف انتقلت الصدمة إلى الاقتصاد؟

لم تبدأ الصدمة من الأسواق المالية، ولا من انهيار الطلب المحلي، إنما من الجغرافيا.

أدى إغلاق أو تعطل جزء كبير من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى اضطراب واحد من أهم مسارات تدفق النفط والعاز والمشتقات البترولية والبضائع في العالم. ومن هنا بدأت سلسلة انتقال التأثيرات. تراجع إنتاج النفط، تعطل الشحن، ارتفعت كلفة النقل والتأمين، اضطربت الإمدادات، زادت كلفة المدخلات الصناعية، وتباطأت بعض الأنشطة الاقتصادية.

يتوقع تقرير جدوى أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي السعودي إلى نحو 0.4 في المئة في 2026، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 7.1 في المئة في 2027 مع تحسن الظروف وتعافي إنتاج النفط والنشاط الاقتصادي.

لكن تكمن أهمية هذه الأرقام في طبيعة هذا التباطؤ.  فالاقتصاد السعودي لم يتعرض لانهيار طلب داخلي واسع أو أزمة مصرفية أو هروب سيولة، إنما واجه صدمة تشغيلية ولوجستية مرتبطة بحركة التجارة والطاقة. وهذا فرق جوهري، لأنه يعني أن محركات الاقتصاد الأساسية بقيت تعمل، وإن بوتيرة أبطأ.

ممر شرق-غرب نموذج للتحول نحو لوجستيات أكثر تنوعا ومرونة

يتوقع التقرير انكماش الناتج النفطي بنحو 5.8 في المئة في 2026 نتيجة تراجع متوسط الإنتاج، على أساس افتراض أن إنتاج النفط السعودي سيعود تدريجياً إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً بحلول شهر سبتمبر.

لم تتعامل السعودية مع الأزمة باعتبارها أزمة أسعار أو إنتاج، بقدر ما اعتبرتها أزمة مسارات تصدير.

ويوضح التقرير أن المملكة زادت من استخدام خط الأنابيب شرق-غرب وميناء ينبع على البحر الأحمر، بما سمح باستمرار جزء مهم من التدفقات النفطية بعيداً عن مضيق هرمز. كما يشير إلى أن هذه التحولات قد لا تكون مؤقتة بالكامل، وأن استخدام البحر الأحمر قد يبقى أعلى من مستويات ما قبل الحرب حتى بعد عودة انتظام الملاحة عبر مضيق هرمز تدريجياً.

وهنا تظهر واحدة من أهم الرسائل الاستراتيجية في التقرير وهي أن الحرب دفعت السعودية إلى اختبار عملي لفكرة تقليل الاعتماد على الممرات التقليدية في الخليج، وتسريع التحول نحو شبكة تصدير ولوجستيات أكثر تنوعاً ومرونة.

الاقتصاد غير النفطي واجه أول اختبار حقيقي له بعد 2030

إذا كانت صدمة النفط مرتبطة بالإنتاج والتصدير، فإن صدمة الاقتصاد غير النفطي جاءت عبر سلاسل الإمداد.

تتوقع جدوى في تقريرها تباطؤ نمو الاقتصاد غير النفطي إلى نحو 2.7 في المئة في 2026 مقارنة بمعدلات أعلى كانت متوقعة قبل الحرب، قبل أن يعود النمو إلى قرابة 5 في المئة في 2027.

لكن الأهم من الرقم نفسه هو ما يكشفه عن طبيعة الاقتصاد السعودي الجديدة.

فخلال السنوات الماضية، أصبح النمو موزعاً على قطاعات متعددة مثل الخدمات، والسياحة، والصناعة، والتكنولوجيا، والبناء، واللوجستيات. لذلك جاءت آثار الحرب متفاوتة، ولم تتحول إلى انكماش شامل.

كان قطاع النقل والخدمات اللوجستية الأكثر تعرضاً للضغط المباشر بسبب اضطراب الشحن والموانئ، خصوصاً على الساحل الشرقي. لكن المملكة تحركت سريعاً لإطلاق مسارات بديلة عبر الموانئ الغربية وشبكات السكك الحديدية والنقل البري.

لم تُلغ هذه التغييرات أثر الأزمة بالكامل، لكنها خففت من درجة انتقالها إلى بقية الاقتصاد، وكشفت في الوقت نفسه حجم الحاجة إلى توسعة البنية اللوجستية وربط الموانئ والسكك الحديدية والطرق بصورة أعمق.

الحرب سرعت التحول اللوجستي السعودي

كانت واحدة من أكثر النقاط عمقاً في التقرير أن الحرب قد تدفع إلى تسريع مشاريع كانت السعودية تعمل عليها أصلاً.

فالمملكة، وفق التقرير، ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى استثمارات إضافية في السكك الحديدية، والموانئ، والتخزين، والطرق، وخطوط الأنابيب، بهدف تعزيز مرونة ومناعة سلاسل الإمداد وتقليل هشاشة الممرات التجارية.

ومن هنا، تكتسب مشاريع مثل الجسر البري السعودي، وتوسعة موانئ البحر الأحمر، وربط الخليج بالساحل الغربي، معنى يتجاوز التنمية التقليدية، مما يجعل هذه المشاريع تتحول تدريجياً إلى جزء من مفهوم الأمن الاقتصادي.

فقد أطهرت الحرب أن القدرة على نقل البضائع والطاقة داخلياً وبين السواحل أصبحت عنصراً أساسياً في قدرة الدولة على حماية اقتصادها أثناء الأزمات.

القطاعات لم تتأثر بالتساوي وتعدد المحركات

ما كشفته الحرب أيضاً أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر تنوعاً، لكن هذا التنوع يعني في الوقت نفسه تفاوتاً أكبر في أثر الصدمات.

لقد تأثرت الصناعة التحويلية بسبب اضطراب بعض المدخلات وصعوبة التصدير لبعض المصانع المرتبطة بالساحل الشرقي، بينما استفادت شركات أخرى على الساحل الغربي من ارتفاع الأسعار وسهولة الوصول إلى مسارات التصدير.

تراجعت السياحة الوافدة، لكن قوة السياحة الداخلية خففت من التأثير. أما قطاع التشييد، فواجه ارتفاعاً في كلفة المواد والمعدات، لكنه حافظ على حد أدنى من الزخم بفضل استمرار المشاريع ذات الأولوية والعقود الجديدة.

وفي خلفية كل ذلك، تظهر نقطة مهمة هي أن الاقتصاد السعودي بات يملك عدداً أكبر من محركات النشاط، ما يقلل من خطر انتقال الصدمة من قطاع واحد إلى الاقتصاد بأكمله.

الاختبار الحقيقي كان اختبار الثقة

ربما كانت أكثر الإشارات دلالة في التقرير هي مرونة المؤشرات المالية والاستهلاكية رغم الحرب. فالتقرير يشير إلى أن سوق الأسهم حافظت على قدر من التماسك، وأن أرباح الشركات بقيت إيجابية، كما لم تظهر مؤشرات السيولة والائتمان ضغوطاً حادة. كذلك استمر الاستهلاك المحلي بالنمو وإن بوتيرة أبطأ.

وهذا يعكس تحولاً مهماً في بنية الاقتصاد السعودي خلال العقد الأخير.  فالاقتصادات لا تدخل الأزمات العميقة فقط بسبب ارتفاع الأسعار أو تعطل التجارة، إنما عندما تتآكل الثقة في قدرة الدولة والنظام المالي على إدارة الصدمة.

وفي الحالة السعودية، يبدو أن سنوات بناء الاحتياطيات، وتطوير السوق المالية، وتعزيز القطاع المصرفي، والاستثمار الكثيف في البنية التحتية، خففت من انتقال القلق إلى الاقتصاد الداخلي.

ما الذي سيبقى بعد الحرب؟

يبقى أن كثيراً من توقعات التقرير تعتمد على فرضية عدم تحول الأزمة إلى إغلاق طويل الأمد أو اضطراب دائم في الممرات البحرية. فكلما طال أمد الحرب حالة عدم اليقين، ازدادت الضغوط على النمو، والتضخم، والاستثمار، والمالية العامة.

لكن حتى في ظل هذه المخاطر، كشفت تجربة حرب إيران شيئاً مهماً وهو أن السعودية تدير اقتصاداً يعتمد على تدفق النفط، ويعمل في الوقت نفسه على بناء القدرة على إعادة توزيع النشاط والإمدادات والاستثمارات أثناء الأزمات. وهذا ربما يكون المعنى الأعمق الذي أظهرته حرب إيران حتى الآن.