صفقة "ريو غراندي" تعمق حضور "XRG" و "أدنوك" في الغاز الأميركي
صفقة "ريو غراندي" تعمق حضور "XRG" و "أدنوك" في الغاز الأميركي
-
الاقتصاد والأعمال
يعطي استكمال "XRG"، الذراع الاستثمارية الدولية المملوكة لـشركة "أدنوك" الإماراتية، الاستحواذ على حصة إضافية في وحدتَي التسييل الرابعة والخامسة من مشروع "ريو غراندي" للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس، دلالة تتجاوز حدود الصفقة نفسها.
.jpeg)
يضع هذا الاستثمار الشركة داخل كامل وحدات المشروع الخمس الجاري إنشاؤها، ويكشف في الوقت نفسه عن الطريقة التي تبني بها "أدنوك" حضورها الخارجي من خلال التملك في مشاريع كبرى داخل أسواق استراتيجية وعبر شراكات دولية وبقدر واضح من الانضباط في اختيار الفرص وتوزيع المخاطر.
تأتي الصفقة في مرحلة أصبحت فيها "XRG" الأداة الرئيسية لتحويل طموحات "أدنوك" الدولية إلى محفظة عالمية في الغاز والغاز الطبيعي المسال والكيماويات والطاقة منخفضة الكربون.
ويمكن اعتبار "ريو غراندي" أكثر من مشروع أميركي للتصدير. فهو يمثل بنية طاقوية تحتية طويلة الأجل، مرتبطة بسوق غاز ضخمة، وبطلب عالمي متزايد على الإمدادات المرنة، وبحاجة متصاعدة إلى الكهرباء في الولايات المتحدة نتيجة توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعة.
حصة إضافية في مشروع كبير
رفعت "XRG" حضورها في مشروع "ريو غراندي" عبر الاستحواذ على حصة إضافية تبلغ 7.6 في المئة في وحدتَي التسييل الرابعة والخامسة، من خلال "غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز" التابعة لـ "بلاك روك".
وتأتي هذه الخطوة بعد استحواذ سابق على حصة غير مباشرة نسبتها 11.7 في المئة في المرحلة الأولى من المشروع، التي تضم وحدات التسييل الأولى والثانية والثالثة. وبذلك أصبحت "XRG" حاضرة في كامل الوحدات الخمس، وهو تطور مهم لأنه ينقل الاستثمار من مشاركة محدودة في مرحلة واحدة إلى موقع أوسع داخل المشروع كله.
تبلغ الطاقة الإجمالية المخطط لها لوحدات التسييل الخمس ما يصل إلى 30 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال. ومن المتوقع بدء الإنتاج في النصف الأول من عام 2027، على أن تبدأ المنشأة باستقبال أول كميات الغاز للمعالجة في النصف الثاني من عام 2026.
كما أن دخول "XRG" يرتبط باتفاق تجاري مهم، إذ وقعت "أدنوك للتجارة" اتفاقية لمدة 20 عاماً للحصول على ما يصل إلى 1.9 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال من وحدة التسييل الرابعة.
يعطي هذا الربط بين الملكية والتجارة الصفقة معناها الحقيقي. فالشركة تحصل على حصة في مشروع إنتاجي كبير، وتؤمن في الوقت نفسه كميات طويلة الأجل يمكن توظيفها في نشاطها التجاري العالمي. وهنا يظهر أحد ملامح استراتيجية "أدنوك" الجديدة: الاستثمار في الأصول التي تمنحها موقعاً داخل سلسلة القيمة، من الإنتاج والتسييل إلى التجارة والوصول إلى العملاء.
أميركا كمركز نمو في الغاز
تكتسب الصفقة أهميتها أيضاً من كونها في الولايات المتحدة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم. فالغاز الأميركي يتمتع بوفرة الموارد، ومرونة التسعير، وعمق البنية التحتية، وقربه من أسواق أوروبا وآسيا عبر شبكة تجارية واسعة. كما أن الطلب الداخلي الأميركي على الطاقة يدخل مرحلة جديدة مع توسع مراكز البيانات، وتسارع استثمارات الذكاء الاصطناعي، وعودة قطاعات صناعية تحتاج إلى كهرباء مستقرة وتكاليف تنافسية.
بالنسبة إلى "XRG"، تشكل هذه المعطيات فرصة واضحة. فالسوق الأميركية توفر أصولاً كبيرة، وشركاء مؤسسيين، وإطاراً تجارياً وتنظيمياً أكثر وضوحاً من أسواق أخرى. لذلك تبدو "ريو غراندي" صفقة مناسبة لطبيعة المرحلة التي تمر بها "XRG" والهادفة إلى بناء حضور دولي واسع، مع تركيز على أصول يمكنها توليد تدفقات طويلة الأجل وخدمة أسواق متعددة.
منصة دولية بثلاثة محاور
أطلقت "أدنوك" "XRG" في نوفمبر من عام 2024 كذراع استثمارية دولية في الطاقة والكيماويات منخفضة الكربون، مستندة إلى محفظة أصول وأنشطة قُدّرت قيمتها الأولية بأكثر من 80 مليار دولار، مع هدف مضاعفة حجم هذه المنصة خلال العقد التالي.
.png)
ومنذ ذلك الحين، تحركت الشركة وفق ثلاثة محاور رئيسية هي الغاز الدولي، والكيماويات العالمية، وحلول الطاقة منخفضة الكربون.
في الغاز، أسست "XRG" مع "بي بي" منصة "أركيوس إنرجي" في مصر، حيث تملك "بي بي" 51 في المئة وتملك "XRG" 49 في المئة. وتضم المنصة أصولاً في حقل ظهر وامتياز شمال دمياط ومناطق استكشاف أخرى، ما يمنح "XRG" موطئ قدم في شرق المتوسط.
وفي أذربيجان، وقعت الشركة اتفاقاً غير ملزم للاستحواذ على حصة في شركة "ممر الغاز الجنوبي"، وهي بنية تحتية مهمة تربط موارد بحر قزوين بالأسواق الأوروبية. وفي الأرجنتين، دخلت مع "إيني" و"واي بي إف" في اتفاقات مرتبطة بمشروع للغاز الطبيعي المسال يستهدف تطوير موارد "فاكا مويرتا".
وفي الكيماويات، أنجزت "XRG" الاستحواذ على "كوفيسترو" الألمانية، إحدى الشركات العالمية البارزة في المواد المتقدمة والبوليمرات، مع ضخ زيادة رأسمالية بقيمة 1.17 مليار يورو. وقد أضافت هذه الصفقة إلى المحفظة بعداً صناعياً يتصل بالمواد المستخدمة في السيارات الكهربائية، والبناء، والعزل، وسلاسل التوريد الصناعية، والاقتصاد الدائري.
بذلك تتحرك "XRG" في مسارين متكاملين هما الغاز كمصدر للطاقة والتجارة، والكيماويات كمدخل للنمو الصناعي والتحول الطاقي.
درس "سانتوس" والانضباط الاستثماري
تبرز فلسفة "XRG" بوضوح عند مقارنة صفقة "ريو غراندي" بملف "سانتوس" الأسترالية. ففي يونيو 2025، قادت "XRG" كونسورتيوم ضم "إيه دي كيو" و"كارلايل" لتقديم عرض غير ملزم للاستحواذ على "سانتوس"، ثاني أكبر منتج مستقل للغاز في أستراليا. وكان العرض يستهدف شراء كامل أسهم الشركة مقابل 5.76 دولار أميركي للسهم، قبل تعديله إلى 5.626 دولار بعد احتساب توزيعات الأرباح، بما كان سيجعل الصفقة من أكبر صفقات الاستحواذ النقدي في تاريخ أستراليا، بقيمة مؤسسية تقارب 36.4 مليار دولار أسترالي عند احتساب الدين الصافي.
توقفت الصفقة في سبتمبر 2025 بعد أشهر من المفاوضات والفحص النافي للجهالة، حين قرر التحالف عدم تقديم عرض ملزم. وتركزت النقاشات النهائية على شروط اتفاق التنفيذ، وتوزيع المخاطر بين الطرفين، والضمانات المطلوبة لحماية مساهمي "سانتوس" خلال فترة طويلة محتملة للحصول على الموافقات التنظيمية، إضافة إلى الالتزامات المرتبطة بتطوير وإمداد الغاز المحلي في أستراليا.
أعطى هذا الانسحاب طموحات "أدنوك" و"XRG" بعداً أكثر واقعية. فقد أظهر أن التوسع الدولي يخضع لدراسة دقيقة للعائد والمخاطر وشروط التنفيذ، وأن حجم الصفقة وجاذبية الأصل لا يكفيان للمضي في الاستحواذ عندما تصبح شروطه بعيدة عن معايير القيمة الاستثمارية.
وبالنسبة إلى المستثمرين وصناع القرار، حملت تجربة "سانتوس" إشارة مهمة مفادها ان قوة الشركات الكبرى تظهر أيضاً في قدرتها على التراجع عندما يتحول الاستحواذ من فرصة استراتيجية إلى عبء محتمل على رأس المال والسمعة.
من هنا تبدو صفقة "ريو غراندي" مختلفة في طبيعتها. فهي تمنح "XRG" حصة استراتيجية في مشروع غاز مسال كبير داخل سوق واضحة تجارياً وتنظيمياً، ومن خلال شراكة مع لاعب مؤسسي عالمي في البنية التحتية، ومن دون تحمل تعقيدات الاستحواذ الكامل على شركة مدرجة متعددة الأصول والالتزامات.
استراتيجية "أدنوك" الدولية
تنسجم هذه المقاربة مع التحول الأوسع في استراتيجية "أدنوك". فالشركة توسع طاقتها الإنتاجية المحلية، وتطور الرويس ومجمعات التكرير والبتروكيماويات، وتعزز قدراتها في قطاع التجارة، وفي الوقت نفسه تبني حضوراً خارجياً يمنحها وصولاً مباشراً إلى أصول الغاز والتسييل والمواد المتقدمة.
وتهدف هذ الاستراتيجية إلى تكوين محفظة أكثر قدرة على موازنة الدورات السعرية للنفط والغاز، وخدمة العملاء في أسواق متعددة، وتحويل الحجم المالي والتشغيلي إلى نفوذ تجاري وصناعي عالمي.
كما تحمل صفقة "ريو غراندي" بعداً إماراتياً وأميركياً أوسع. فهي تضع رأس المال الإماراتي داخل بنية تحتية أميركية حيوية، وتعزز التعاون في الطاقة بين الإمارات والولايات المتحدة، وتربط بين استثمارات أبوظبي في الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالعلاقة بين الغاز والطلب على الكهرباء أصبحت أكثر وضوحاً مع توسع الاقتصاد الرقمي، وهذا ما يجعل استثمارات الغاز في الولايات المتحدة جزءاً من مشهد أوسع يتصل بأمن الطاقة وبنية الاقتصاد الجديد.
من الواضح ان صفقة "ريو غراندي" تقدم صورة عن الدور الذي تريد "XRG" أن تلعبه في السنوات المقبلة. فالشركة تبني منصة عالمية في الطاقة، لكنها تفعل ذلك عبر انتقاء الأصول ذات القيمة، وربط الاستثمار بالتجارة، وتوزيع المخاطر عبر الشراكات، ةوالانسحاب من الصفقات التي تفقد مبرراتها التجاريه أو التنظيمية.
ومن خلال هذا المزيج بين الطموح والانضباط، ترسم "أدنوك" نموذجاً للتوسع الخارجي يتمثل بحضور عالمي واسع قائم على أصول استراتيجية ومحكوم بحسابات العائد والقيمة قبل حسابات الحجم والانتشار.
الأكثر قراءة

