عبدالعزيز بن سلمان يقود منظومة الطاقة والصناعة والتعدين في السعودية
عبدالعزيز بن سلمان يقود منظومة الطاقة والصناعة والتعدين في السعودية
-
كتب فيصل أبوزكي
يحمل الأمر الملكي بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، مع استمراره وزيراً للطاقة، دلالة تتصل مباشرة بالمرحلة التي بلغتها السعودية في مسار تحولها الاقتصادي.
فالقرار يضع تحت قيادة واحدة الطاقة والتعدين والصناعة، وهي قطاعات أصبحت أكثر ترابطاً مع اتساع طموحات المملكة في التصنيع والتقنية والذكاء الاصطناعي. تبدأ هذه المنظومة من باطن الأرض ومصادر الطاقة، وتمر بالمعالجة والتصنيع، وتمتد اليوم إلى مراكز البيانات والحوسبة السحابية.
وتتضاعف أهمية القرار بالنظر إلى الشخصية التي اختيرت لهذه المهمة.
فالأمير عبدالعزيز بن سلمان يجمع بين الثقل السياسي والمعنوي، والخبرة العميقة في شؤون النفط والغاز، والقدرة على التفاوض وبناء التفاهمات في أكثر ساحات الاقتصاد العالمي حساسية، إلى جانب حضور دولي صنعته عقود من التعامل مع المنتجين والمستهلكين والحكومات وكبار التنفيذيين.
وتمنحه هذه المزايا قدرة على التحرك بين الرؤية الاستراتيجية والتفاصيل التنفيذية، في مرحلة تسعى فيها السعودية إلى تحويل ما بنته خلال العقد الماضي إلى قوة اقتصادية أوسع ونفوذ أكبر في الطاقة والتعدين والصناعة والاقتصاد الرقمي.
منظومة الطاقة والصناعة والتعدين في يد واحدة
عندما فُصلت الصناعة والثروة المعدنية عن الطاقة في 2019، كانت السعودية في مرحلة بناء القطاعات والمؤسسات ووضع الأطر التنظيمية اللازمة لتحقيق أهداف "رؤية 2030".
تحول التعدين تدريجياً إلى قطاع استثماري ذي استراتيجية وتشريعات مستقلة، فيما توسعت قاعدة الصناعة وبرامجها وأدواتها التمويلية والاستثمارية.
اليوم، يتحرك التحدي إلى مستوى مختلف، حيث تتشكل القيمة الاقتصادية بصورة متزايدة من قدرة القطاعات على العمل ضمن منظومة واحدة.
فالمنجم يعتمد على الطاقة، فيما يمر المعدن بمراحل المعالجة قبل دخوله في التصنيع. وتقوم هذه العمليات على إمدادات موثوقة من الكهرباء والغاز، بينما ترتبط قدرة الصناعة على المنافسة بتوافر المواد الأولية والطاقة المستقرة بتكلفة مناسبة. ومع اتساع النشاط نحو القطاعات الجديدة، تدخل البطاريات والشبكات الكهربائية والطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة ضمن هذه المنظومة.
في هذا الاقتصاد، يصبح قرار الطاقة قراراً صناعياً، ويصبح قرار التعدين جزءاً من سياسة التصنيع.
ومن هنا يمكن النظر إلى تكليف الأمير عبدالعزيز باعتباره توحيداً لقيادة قطاعات أصبحت أكثر اعتماداً بعضها على بعض. فالسعودية تنتقل من مرحلة بناء كل قطاع بصورة مستقلة إلى مرحلة إدارة الترابط بينها وتسريع قدرتها على إنتاج قيمة أكبر.
صناعة القوة الاقتصادية
تدرك السعودية جيداً قيمة امتلاك مورد استراتيجي. فقد منحتها الثروة النفطية لعقود قوة مالية وثقلاً واسعاً في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
واليوم تسعى المملكة إلى توسيع مصادر هذا الثقل عبر المعادن والصناعة والتقنية.
في التعدين، ترتفع القيمة الاقتصادية كلما احتفظ الاقتصاد بمراحل أوسع من المعالجة والتكرير والتصنيع، وتحولت الموارد الطبيعية إلى منتجات واستثمارات وصادرات ذات قيمة أعلى.
لهذا تتحرك السعودية لتوسيع شراكاتها الدولية في الموارد المعدنية، وتقديم نفسها كمركز يصل بين مناطق الإنتاج والأسواق الصناعية الكبرى.
وتوفر المملكة في هذا المجال مجموعة من المزايا التي يصعب اجتماعها في مكان واحد واهمها الطاقة، والموارد المعدنية، ورأس المال، والبنية التحتية، والقدرة الصناعية.
ومن خلال جمع هذه العناصر، تسعى السعودية إلى بناء حضور مؤثر في شبكات الإنتاج والتصنيع العالمية، وتوسيع الوزن الاقتصادي الذي صنعه النفط على مدى عقود.
الطاقة والمعادن في قلب الاقتصاد الرقمي
يصبح هذا الترابط أكثر وضوحاً عند النظر إلى طموحات السعودية في الذكاء الاصطناعي.
لسنوات، قُدم الاقتصاد الرقمي بوصفه عالماً من البرمجيات والخوارزميات. لكن ثورة الذكاء الاصطناعي كشفت الجانب المادي الضخم الذي يقف خلف هذا العالم.
تحتاج مراكز البيانات إلى طاقة هائلة، وتستند القدرة الحاسوبية إلى شبكات كهرباء موثوقة، فيما تعتمد البنية الرقمية على معدات ومكونات تدخل المعادن والمواد الاستراتيجية في صناعتها. كما يعمق التوسع في الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء والشبكات الطلب على الموارد المعدنية.
هكذا أصبحت الطاقة والمعادن من البنى الأساسية للاقتصاد الرقمي نفسه.
وتتحرك المملكة لبناء موقع عالمي في الذكاء الاصطناعي والحوسبة والبنية الرقمية. ويعكس مشروع "هيوماين" هذا الاتجاه ضمن مسار أوسع يستهدف تحويل السعودية إلى مركز للقدرة الحاسوبية والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويرتبط جذب الاستثمار العالمي في هذا القطاع بقدرة الدولة على توفير الطاقة، وامتلاك بنية تحتية تستوعب الطلب المتزايد، وبناء قاعدة صناعية ومعدنية داعمة، إلى جانب توافر رأس المال والقدرة التنفيذية اللازمة لاستقطاب الاستثمارات الكبرى.
من هنا تمتد المنظومة السعودية من المنجم إلى مركز البيانات. فتحويل المملكة إلى مركز عالمي في الاقتصاد الرقمي يبدأ، في جانب أساسي منه، من إدارة الاقتصاد المادي الذي يقف خلفه.
لماذا عبدالعزيز بن سلمان؟
هذه المهمة تحتاج إلى شخصية استثنائية تجمع عناصر يصعب توافرها في مسؤول واحد: معرفة تفصيلية بالطاقة، وثقل داخل مؤسسات الدولة، وحضور دولي، وقدرة على بناء العلاقات والتفاهمات، وعقل استراتيجي يحول الرؤية إلى برنامج عمل والبرنامج إلى نتائج.
تجتمع هذه المزايا بدرجة لافتة في الأمير عبدالعزيز بن سلمان. وتُعد خبرته في النفط والغاز حصيلة عقود في قلب صناعة شكلت الاقتصاد السعودي وعلاقاته بالعالم. وخلال هذه الفترة، شارك في صياغة السياسات الوطنية والدولية للطاقة، وراكم معرفة دقيقة بالأسواق والمنتجين والمستهلكين والتحولات التي تعيد تشكيل الطلب والإمدادات. وتشكلت واحدة من أهم خبراته في غرف التفاوض.
تختصر أسواق النفط السياسة والاقتصاد والمصالح الوطنية على طاولة واحدة. وتحتاج إدارة التفاهمات بين منتجين تختلف مصالحهم وقدراتهم وضغوطهم الداخلية إلى قراءة دقيقة للموازين، ومعرفة بالتفاصيل، وقدرة على التواصل والإقناع، إلى جانب الصبر والصلابة.
كان الأمير عبدالعزيز في قلب هذه البيئة لسنوات طويلة.
وتكتسب هذه الخبرة اليوم مجالاً أوسع، مع دخول السعودية في مفاوضات متزايدة مع شركات التعدين العالمية، والمجموعات الصناعية، ومطوري الطاقة، ومشغلي مراكز البيانات، وشركات التقنية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى حكومات تنظر إلى المعادن والطاقة والقدرة الحاسوبية باعتبارها عناصر في أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
لهذا يكتسب الثقل الشخصي والسياسي للأمير أهمية خاصة.
فحضوره الدولي يمنحه قدرة على مخاطبة صناع القرار وكبار المستثمرين والتنفيذيين بلغة يفهمونها. وتعطيه معرفته العميقة بالطاقة ميزة في قراءة الجدوى والمخاطر. وتساعده خبرته التفاوضية على إدارة المصالح المتباينة وبناء التفاهمات، فيما يوفر موقعه السياسي والمعنوي قدرة على دفع القرار وتحويل التنسيق بين المؤسسات إلى صيغة تنفيذية.
إنها شخصية تجمع السياسة والاقتصاد والتخصص والتفاوض والتنفيذ، وهو ما يفسر جانباً أساسياً من اختياره لهذه المهمة.
من رؤية 2030 إلى ما بعدها
بعد عشر سنوات على إطلاق "رؤية 2030"، تقف السعودية في مرحلة مختلفة جذرياً عن عام 2016.
بُنيت المؤسسات، وأُطلقت الاستراتيجيات القطاعية، واكتسبت قطاعات جديدة حضوراً واضحاً، وأصبح الاقتصاد السعودي أكثر تنوعاً من حيث الأدوات والمشاريع والاستثمارات.
والمرحلة المقبلة تركز على تحويل هذه العناصر إلى كتلة واحدة من القوة الاقتصادية.
إنها مرحلة ما بعد التأسيس.
ومع الاقتراب من نهاية العقد، يتجه التفكير بطبيعته إلى ما بعد 2030. فالرؤية تحولت خلال عشر سنوات إلى عملية واسعة لإعادة بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة وقدرتها على المنافسة.
وتتمثل المهمة التالية في تحويل ما تم بناؤه إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد وحضور أكثر تأثيراً في القطاعات التي ستشكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
هنا يتضح حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأمير عبدالعزيز بن سلمان.
بعد عقود أمضاها في قلب السياسة النفطية السعودية وإدارة موقع المملكة في أسواق الطاقة، يجد نفسه اليوم أمام مهمة أوسع وهي المساهمة في بناء مصادر القوة المقبلة للسعودية.
من الطاقة إلى التعدين، ومن الصناعة إلى البنية المادية للذكاء الاصطناعي، تجمع المملكة منظومة من القطاعات التي تريد من خلالها بناء حضور اقتصادي عالمي.
وفي قلب هذه المهمة وضعت شخصية تجمع الثقل السياسي والمعنوي، والخبرة العميقة، والقدرة على التفاوض والتواصل الدولي، والتفكير الاستراتيجي والتنفيذ.
لهذا يبدو اختيار عبدالعزيز بن سلمان متسقاً مع حجم المرحلة.
إنها مرحلة جديدة في "رؤية 2030". مرحلة تحويل التحول السعودي إلى قوة اقتصادية ونفوذ يمتدان إلى ما بعد 2030.
الأكثر قراءة
-
بعد ربع قوي... "العالمية القابضة" تستثمر في سهمها
-
السعودية ولبنان أمام معادلة الدولة أولاً، ثم الثقة والاقتصاد
-
"سينومي سنترز" توصي بزيادة رأسمالها عبر أسهم منحة وبرنامج لتحفيز الموظفين
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية
-
استحواذ جديد يعزز حضور "أديس" في السعودية ويضيف 3.8 مليارات ريال إلى أعمالها

