أنبوب بانياس يقترب خطوة بعد الحديث السوري عن مشاركة "توتال"
أنبوب بانياس يقترب خطوة بعد الحديث السوري عن مشاركة "توتال"
-
الاقتصاد والأعمال
أعاد تصريح وزير الطاقة السوري محمد البشير عن مشاركة شركة "توتال" الفرنسية في مشروع تمديد أنابيب النفط من العراق إلى بانياس وضع المشروع في موقع أكثر تقدماً من مرحلة الطرح السياسي العام.
فالحديث هذه المرة لم يعد محصوراً في رغبة سورية أو عراقية بإحياء مسار قديم، إنما بات مرتبطاً باسم شركة دولية كبرى تملك خبرة تقنية وحضوراً قائماً في قطاع الطاقة العراقي. لكن هذه المعلومة تستند حتى الآن إلى تصريح الوزير السوري المنشور عبر وكالة "سانا" في 7 يوليو 2026، من دون صدور بيان مستقل من "توتال إنرجيز" يؤكد تفاصيل المشاركة أو طبيعتها أو إطارها التعاقدي.
دفع سوري بانتظار دور "توتال"
قال البشير، في لقاء مع وكالة "سانا" على هامش اجتماع الطاولة المستديرة بين الجانبين السوري والفرنسي، إن جلسة عقدت مع الرئيس التنفيذي لشركة "توتال" تناولت فرص الاستثمار في سوريا، مشيراً إلى أنه تم سابقاً توقيع اتفاقية مع الشركة لاستكشاف الغاز في البحر المتوسط. وأضاف أن هناك رغبة مشتركة لدى الوزارة والشركة في دخولها مجال الربط الإقليمي لتصدير النفط العراقي، وأن "توتال" ستكون أحد الشركاء في تمديد وإيصال الأنابيب من العراق إلى بانياس.
يعطي تصريح الوزير السوري دفعاً إضافياً للمشروع، إذ يضع اسم "توتال إنرجيز" في قلب النقاش حول الربط النفطي بين العراق وسوريا. ومع أن التفاصيل التعاقدية والفنية لم تعلن بعد، فإن الإشارة إلى شركة بهذا الحجم تعكس انتقال أنبوب بانياس إلى مرحلة أكثر تقدماً من البحث، بانتظار تحديد طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركة في الدراسات أو التنفيذ أو التمويل.
بانياس ضمن بحث العراق عن منافذ بديلة
يعطي الإعلان السوري عن دور محتمل لـ"توتال" زخماً جديداً لفكرة سبق أن تناولها مقال سابق في "الاقتصاد والأعمال"عن بحث العراق عن منافذ نفطية بديلة لتقليل كلفة الجغرافيا. فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على منافذه الجنوبية في الخليج، ما يجعل صادراته شديدة الحساسية لأي اضطراب في مضيق هرمز أو ممرات الشحن الإقليمية. لذلك جاء الحديث عن بانياس ضمن توجه أوسع لاختبار مسارات تصدير عبر سوريا وتركيا، وربما الأردن، بما يخفف الاعتماد على منفذ واحد ويمنح بغداد مرونة أكبر في إدارة صادراتها.

وفي 5 يوليو 2026، نشرت "رويترز" خبراً عن موافقة الحكومة العراقية على اتفاقات أولية لدراسة مشاريع أنابيب استراتيجية. وأشارت الوكالة إلى أن القرار يسمح لشركة نفط البصرة بتوقيع اتفاق أولي واتفاق عدم إفصاح مع ائتلاف يضم "كابيتال تي آي" و"شيفرون" و"يو سي سي" القطرية، لإعداد دراسات جدوى فنية ومالية لمسارات مقترحة تشمل بصرة ـ حديثة ـ كركوك ـ جيهان، وبصرة ـ حديثة ـ بانياس. ولفتت "رويترز" إلى أن هذه الاتفاقات لا تفرض التزامات مالية أو تعاقدية نهائية على وزارة النفط العراقية، كما أجازت الحكومة العراقية لشركة نفط البصرة التعاقد مع "كي بي آر" للخدمات الاستشارية المتعلقة بمشروع خط بصرة ـ حديثة.
هذا يعني أن مشروع بانياس أصبح أقرب إلى الاختبار الجدي، لكنه لم ينتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ المؤكد. فالمرحلة الحالية تبدو أقرب إلى تثبيت المسار على خريطة الخيارات العراقية والسورية، وإدخال شركات قادرة على إعداد الدراسات وتقدير الكلفة والمخاطر ونموذج التشغيل والتمويل.
لماذا يهم اسم "توتال"؟
تكتسب الإشارة إلى "توتال" أهمية خاصة لأن الشركة تقود مشروع "نمو الغاز المتكامل" في العراق، بالشراكة مع شركة نفط البصرة و"قطر للطاقة". وتبلغ حصة "توتال إنرجيز" في المشروع 45 في المئة، مقابل 30 في المئة لشركة نفط البصرة و25 في المئة لـ"قطر للطاقة"، وفق بيانات الشركة.

ويتضمن المشروع أربعة مكونات رئيسية تشمل تطوير حقل أرطاوي، واستعادة الغاز المصاحب من عدد من الحقول، وبناء محطة لمعالجة مياه البحر، وإنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة واحد غيغاواط. وتقدر "توتال إنرجيز" حجم الاستثمار في هذه المشاريع بنحو 10 مليارات دولار، على أن يبدأ تشغيل مكوناتها بين عامي 2025 و2028.
يوفر هذا الحضور للشركة معرفة بالبيئة العراقية وبأولويات بغداد في الطاقة، ويجعل الحديث السوري عن مشاركتها في خط بانياس إشارة مهمة، حتى لو بقيت بانتظار تأكيد رسمي من الشركة. كما أن وجود شركة أوروبية كبرى في أي مرحلة لاحقة قد يساعد في رفع جدية المشروع لدى الممولين وشركات الهندسة والخدمات، إذا توافرت الشروط الأمنية والقانونية والتجارية.
من النقل البري إلى خيار الأنابيب
بدأت ملامح المسار السوري تظهر قبل الحديث عن أنبوب بانياس عبر استخدامه في ترتيبات نقل محدودة. ففي 19 يونيو 2026، نشرت "رويترز" خبراً عن استعداد العراق لتصدير الخام والنافتا عبر الموانئ السورية بعد صدمة مضيق هرمز. وذكرت الوكالة أن العراق كان يستهدف تصدير نحو 50 ألف برميل يومياً من الخام عبر سوريا ابتداء من يوليو، وأن بغداد ترغب في إبقاء هذا المسار حتى بعد عودة الملاحة في هرمز إلى طبيعتها، ضمن استراتيجية لتنويع منافذ التصدير.
وتحدث الخبر نفسه عن توسيع مرافق بانياس لاستيعاب الخام والنافتا، وعن استمرار نقل زيت الوقود العراقي بالشاحنات عبر سوريا إلى ميناء بانياس منذ أبريل 2026. لكنه أشار أيضاً إلى تحديات كبيرة تواجه هذا المسار، من بينها كلفة النقل البري، وتضرر الطرق، والحوادث، والاحتجاجات، ما يجعل الأنابيب خياراً أكثر كفاءة إذا أمكن تأهيلها أو إنشاء بديل جديد.
أهمية المشروع لسوريا والعراق
في المدى القصير، لا يستطيع خط بانياس أن يحل سريعاً مشكلة المنافذ العراقية، لأن المشروع يحتاج إلى دراسات ومسار تنفيذي وتمويل واتفاقات عبور وضمانات أمنية. كما أن جزءاً من البنية القديمة تضرر أو خرج من الخدمة منذ سنوات طويلة، ما يجعل إعادة التأهيل أو إنشاء خط جديد مسألة مكلفة ومعقدة.
لكن أهمية المشروع تكمن في المدى المتوسط والطويل. فبانياس يمنح العراق منفذاً على المتوسط، ويقصر المسافة إلى الأسواق الأوروبية، ويقلل تعرض الصادرات لمخاطر الاختناق في الخليج. كما يمنح سوريا فرصة للعودة إلى دور بلد عبور للطاقة، بما يوفر رسوم نقل واستثمارات في المرافئ والخزانات والخدمات اللوجستية، ويعزز موقعها في شبكة التجارة الإقليمية.
مشروع يتقدم بانتظار الحسم
يدفع الإعلان السوري عن مشاركة "توتال" مشروع بانياس إلى الأمام، لكنه لا يحسم مصيره. فالمشروع يحتاج إلى توافق عراقي ـ سوري واضح حول الكميات والتعرفة وآلية التشغيل، وإلى بيئة أمنية مستقرة على طول المسار، وإلى تمويل كبير، وإلى وضوح في علاقته بخطوط أخرى مثل جيهان والعقبة. كما يحتاج إلى قرار عراقي نهائي يحدد ما إذا كان بانياس سيصبح مساراً رئيسياً طويل الأجل أو خياراً رديفاً يستخدم عند الحاجة.
مع ذلك، تبدو الرسالة الأهم أن العراق لم يعد يتعامل مع المنافذ البديلة كفكرة نظرية. لقد جعلت تجربة حرب إيران الأخيرة الأخيرة تنويع المخارج جزءاً من أمن الدولة المالي، لأن النفط يبقى المصدر الأساسي لإيرادات العراق.
لذا يشكل الحديث السوري عن دور "توتال" مؤشراً إلى أن خط بانياس أصبح أكثر جدية، وأن خريطة تصدير النفط العراقي قد تبدأ خلال السنوات المقبلة بالتحرك من الاعتماد شبه الكامل على الخليج إلى شبكة أوسع تربط البصرة بحديثة، ومنها إلى المتوسط وتركيا وربما الأردن.
الأكثر قراءة
-
معادن جديدة تمنح السعودية موقعاً متقدماً في اقتصاد المستقبل
-
الدقم ترسم موقع عُمان الاقتصادي الجديد: عقدة صناعية ولوجستية خارج مضيق هرمز
-
جهاز قطر للاستثمار و"ICEYE" التموضع في اقتصاد الفضاء والذكاء السيادي
-
"مصدر" تدخل شراكة جديدة مع "ريبسول" في إسبانيا وتوسع محفظتها الاوروبية في الطاقة المتجددة
-
رئيس اتحاد الغرف السعودية يرحب باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة

