العراق يبني ملفه لحصة نفطية أكبر في "أوبك+"

  • 2026-09-08
  • 15:04

العراق يبني ملفه لحصة نفطية أكبر في "أوبك+"

  • كتب فيصل أبوزكي

قال رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أن إنتاج بلاده من النفط ينبغي أن يتناسب مع حجم احتياطياتها وطاقاتها النفطية وعدد سكانها، في تصريح يضع بصورة مباشرة مسألة الحصة الإنتاجية للعراق داخل "أوبك+" على الطاولة.

يُفهم المغزى الأساسي من كلام رئيس الوزراء أن بغداد لا تنظر إلى مستوى إنتاجها الحالي باعتباره سقفاً دائماً، وتريد أن تهيئ منذ الآن لموقف تفاوضي طويل الأجل يطالب بمساحة إنتاجية أكبر تعكس ما تراه وزناً نفطياً واقتصادياً أعلى للعراق.

ولا يرتبط هذا الموقف بقرار شهري محدد داخل "أوبك+"، ولا بنتائج الاجتماع الأخير للدول السبع التي قررت في 6 سبتمبر الإبقاء على مستويات إنتاج سبتمبر خلال أكتوبر.

ذلك القرار يتعلق بإدارة السوق في الأجل القصير، فيما تتحرك بغداد على مسار مختلف يتعلق بخطوط الأساس والحصص التي تحدد موقع كل دولة في النظام الإنتاجي للمجموعة على مدى أطول.

معركة على الوزن داخل "أوبك+"

يبني العراق حجته على عناصر واضحة أهمها حجم الاحتياطيات، والطاقة الإنتاجية التي يستطيع تطويرها، والحاجات الاقتصادية لدولة كبيرة السكان تعتمد بدرجة عالية على النفط في تمويل المالية العامة والتنمية.

وتمنح الاحتياطيات العراق قاعدة قوية لهذا الطرح. فهو يمتلك أكثر من 145 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، ويأتي بين أكبر الدول النفطية في العالم في هذا المجال. لكن الفارق بين حجم هذه الموارد ومستوى الإنتاج الفعلي بقي واسعاً، وهو ما تستخدمه بغداد لتبرير القول إن وزنها الإنتاجي الحالي لا يعكس بالكامل إمكاناتها النفطية.

غير أن الاحتياطيات وحدها لا تكفي لإقناع بقية المنتجين بمنح العراق حصة أكبر. العامل الأكثر أهمية سيكون مقدار الطاقة الإنتاجية المستدامة التي يستطيع العراق إثباتها فعلياً.

ولهذا تكتسب خطط الحكومة لرفع الإنتاج خلال السنوات المقبلة أهمية تتجاوز الجانب التشغيلي. فكل زيادة في القدرة الإنتاجية الفعلية تعزز موقع العراق حين تبدأ المفاوضات على خطوط الأساس الجديدة داخل "أوبك+". وقد قررت المجموعة استخدام تقييم الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة للدول المشاركة مرجعاً لتحديد خطوط أساس الإنتاج لعام 2027، ما يجعل القدرة الإنتاجية المستدامة الورقة الفنية الأكثر مباشرة في التفاوض، فيما تشكل الاحتياطيات وعدد السكان والحاجات التنموية جزءاً من الحجة السياسية والاقتصادية العراقية.

ولا تبدأ المطالبة العراقية بالحصة الأكبر من التصريح الأخير. ففي 27 يونيو، أعلن رئيس الوزراء أن الحكومة تعمل للحصول على "حصة عادلة" للعراق في إنتاج النفط ضمن "أوبك+" بما ينسجم مع إمكاناته، وهو ما يثبت أن زيادة الحصة أصبحت موقفاً حكومياً معلناً. وفي 21 أغسطس، نقلت "رويترز" عن رئيس الوزراء قوله إن العراق أرسل وفداً رفيع المستوى إلى السعودية للتفاوض بشأن زيادة حصته الإنتاجية، فيما أكدت مصادر عراقية رسمية لاحقاً زيارة وفد وزاري إلى المملكة ولقاءه وزير الطاقة السعودي من دون أن تذكر أن ملف الحصة كان مدرجاً رسمياً ضمن المباحثات.

كما نقلت "رويترز" في يونيو عن مصادر مطلعة أن مسؤولين عراقيين بحثوا خيار الانسحاب من المنظمة إذا لم تحصل بغداد على زيادة كبيرة، لكن وزارة النفط أكدت آنذاك أن الحديث عن توجه العراق لإنهاء عضويته لا يعكس الموقف الرسمي للحكومة، التي واصلت التأكيد على العمل من داخل المنظمة.

ويشير ذلك إلى أن بغداد تبني موقفاً تفاوضياً طويل الأجل، مع إدراك أن تحديد الحصص لا يعتمد على الاحتياطيات والطاقة الإنتاجية لكل دولة وحدهما. فالمساحة المتاحة لأي زيادة ترتبط أيضاً بنمو الطلب العالمي على النفط، وإمدادات المنتجين من خارج "أوبك+"، ومستويات المخزون والأسعار، وبقدرة السوق على استيعاب إنتاج إضافي من دون خلق فائض يضغط على الأسعار.

كما تدخل في المفاوضات اعتبارات تتصل بالتوازن بين مصالح المنتجين والحفاظ على تماسك المجموعة وتوزيع الزيادات بين الدول التي استثمرت في رفع طاقتها الإنتاجية. ولهذا فإن بناء قدرة عراقية أعلى يقوي الحجة التفاوضية، لكنه يبقى جزءاً من موازنة اقتصادية وسياسية أوسع داخل "أوبك+".

الحصة الأكبر تحتاج قدرة إنتاجية أكبر

من الواضح أن العراق يريد مساحة إنتاجية أكبر، لكنه يحتاج أولاً إلى بناء القدرة التي تبرر هذه المطالبة. وهذا يتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول القائمة، وفتح حقول جديدة، وحفر الآبار، وتوسيع منشآت المعالجة، وتأمين المياه والطاقة، وبناء خطوط النقل والتخزين. وهذه استثمارات ضخمة يتطلب تنفيذها توفير التمويل والشراكات العالمية والبنية التحتية والظروف التنظيمية المناسبة.

ويضع هدف الوصول بالإنتاج إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً بحلول 2030 البلاد أمام دورة استثمارية ضخمة لا يمكن تنفيذها بالاعتماد على الموارد المحلية وحدها.

وتظهر هنا أهمية الشركات النفطية الدولية والإقليمية. فالحكومة تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرات وتقنيات تسمح بتسريع تطوير الحقول وتحويل الاحتياطيات الموجودة تحت الأرض إلى طاقة إنتاجية قابلة للاستخدام.

وقد بدأت بغداد بالفعل في تكثيف اتصالاتها مع شركات دولية كبرى، في محاولة لإعادة توسيع حضورها في السوق العراقية وربطها بمشاريع طويلة الأجل.

الاستثمار يفرض إصلاحات

إلى التمويل والشراكات، تنظر الشركات أيضاً إلى شروط العقود، واستقرار التشريعات، وسرعة الموافقات، وآليات الدفع وتحويل الأموال، وتسوية النزاعات، وتوافر البنية التحتية، وقدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ المشاريع ضمن جداول زمنية واضحة.

وهذا يجعل تحسين البيئة الاستثمارية جزءاً مباشراً من معركة الحصة النفطية.

وتزداد قوة الموقف العراقي في مفاوضات "أوبك+" كلما تقدم في تنفيذ استثماراته النفطية ورفع طاقته الإنتاجية الفعلية، بحيث تتحول الخطط المعلنة إلى قدرة مثبتة تدعم مطالبته بحصة أكبر.

وهنا يرتبط الإصلاح الإداري والتنظيمي بالهدف النفطي نفسه. فكل تأخير في العقود أو التراخيص أو تنفيذ البنية التحتية يبطئ زيادة القدرة الإنتاجية، ويضعف بالتالي الحجة العراقية للحصول على حصة أكبر.

التصدير هدف مكمل

أظهرت حرب إيران مخاطر اعتماد العراق الكبير على موانئ الجنوب والمسار عبر مضيق هرمز، ولهذا تحركت بغداد لتطوير خيارات إضافية عبر تركيا، والبحث في مسارات باتجاه سوريا والأردن. لكن تنويع المنافذ ليس جوهر التحرك الحالي، وإنما جزء مكمل له.

فالعراق يحتاج أولاً إلى بناء قدرة إنتاجية أعلى والحصول لاحقاً على مساحة أكبر داخل نظام الحصص، ثم يحتاج إلى بنية تصديرية تستطيع استيعاب هذه الكميات وإخراجها إلى الأسواق من دون الاعتماد على منفذ رئيسي واحد.

وبذلك يصبح تصريح رئيس الوزراء الأخير مؤشراً على انتقال العراق من التعامل مع الحصة باعتبارها قيداً قائماً إلى محاولة إعادة التفاوض على موقعه داخل "أوبك+".

المسار سيكون طويلاً، ولن تحسمه تصريحات سياسية أو أرقام احتياطيات وحدها. ستتحدد قوة الموقف العراقي بقدرته على تحويل موارده إلى إنتاج فعلي، وجذب استثمارات دولية كبيرة، وتحسين البيئة التي تعمل فيها هذه الاستثمارات، وبناء بنية تحتية قادرة على استيعاب إنتاج أكبر.

لذا، تبدأ معركة الحصة الحقيقية داخل الحقول العراقية قبل أن تصل إلى طاولة "أوبك+".