مصرف لبنان يفتح ملف دولارات الدعم قبل حسم توزيع الخسائر

  • 2026-09-03
  • 07:35

مصرف لبنان يفتح ملف دولارات الدعم قبل حسم توزيع الخسائر

  • كتب فيصل أبوزكي

دخل التدقيق الجنائي في مصرف لبنان مساراً جديداً مع مباشرة شركة "Alvarez & Marsal" أعمالها رسمياً في 17 آب 2026، بعدما فازت بالمناقصة المخصصة لمراجعة مجموعة من العمليات المرتبطة بالموجودات الأجنبية للمصرف بين 1 تشرين الأول 2019 ونهاية 2023.

وترتبط المهمة مباشرة بعملية تحديد المركز المالي الحقيقي لمصرف لبنان، قبل حسم كيفية توزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف والمودعين، إذ يصعب تحديد حصة المصرف من الخسائر من دون توضيح طبيعة الأموال التي خرجت من موجوداته والجهات التي استفادت منها.

فالبيان الصادر عن المصرف يضع في صلب التدقيق برامج دعم السلع والمواد الأساسية، وبعض التحويلات المصرفية وتحويلات القطاع العام، إضافة إلى الاعتمادات المستندية المتعلقة باستيراد المحروقات. لكنه يوضح أيضاً أن المهمة تستهدف "توثيق وتثبيت حقوقه المالية المرتبطة بالمبالغ التي تم تسديدها من موجوداته بالعملات الأجنبية، ولا سيما في إطار برامج الدعم".

ويفترض أن يساعد التدقيق في تحديد ما إذا كانت مبالغ خرجت من موجودات مصرف لبنان لتمويل سياسات وقرارات عامة تمثل خسائر نهائية عليه، أو أن جزءاً منها يرتب حقوقاً مالية يمكن تثبيتها تجاه جهات أخرى. ويتزامن ذلك مع مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة المالية، الذي يفترض أن يحدد الإطار العام لتوزيع أعباء الانهيار المالي.

دولارات الدعم تعود إلى الحسابات

بعد اندلاع الأزمة في خريف 2019، استخدم لبنان جزءاً من العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان لتمويل استيراد سلع أساسية بأسعار صرف مدعومة، في محاولة للحد من انتقال انهيار الليرة إلى أسعار المحروقات والأدوية والقمح والمواد الغذائية.

وكان البرنامج واسعاً ومكلفاً. فقد قدر البنك الدولي قيمة الواردات التي شملتها آليات الدعم في 2020 بنحو 5.24 مليارات دولار، شملت المحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية والقمح ومجموعة من السلع الأساسية، فيما قدر الكلفة الاقتصادية الفعلية للدعم في ذلك العام بنحو 3.44 مليارات دولار وفق منهجيته.

ومع استمرار الأزمة وتراجع العملات الأجنبية المتاحة، بدأ تفكيك منظومة الدعم تدريجياً خلال 2021. وبحلول أيلول من ذلك العام، كانت الاحتياطيات الإجمالية بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، باستثناء الذهب، قد تراجعت بنحو 5.3 مليارات دولار منذ نهاية 2020 إلى 18.8 مليار دولار.

 ولهذا السبب تحتل برامج الدعم موقعاً أساسياً في نطاق التدقيق الحالي، إذ يتركز العمل على تتبع المسار المالي للمدفوعات، وتحديد الأساس الذي استندت إليه والجهات التي شاركت في اتخاذ القرارات وتنفيذها وتحمل مسؤولياتها.

من دفع ولحساب من؟

سيعمل التدقيق، وفق بيان مصرف لبنان، على "تتبع مسار الأموال ذات الصلة"، والتحقق من الإجراءات والآليات المستخدمة في تنفيذ العمليات استناداً إلى المستندات والسجلات الموجودة لدى الجهات المعنية.

ولهذا تشمل الجهات المتعاونة مع الشركة وزارات الاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه والصحة العامة والزراعة، إلى جانب إدارات أخرى والمصارف التجارية.

ويفسر تعدد هذه الجهات طبيعة برامج الدعم نفسها. فتمويل استيراد دواء أو محروقات أو قمح لم يكن عملية ينفذها مصرف لبنان منفرداً، إذ كانت هناك سياسات حكومية ووزارات تحدد الاحتياجات، ومصارف تفتح الاعتمادات، ومستوردون يحصلون على العملات الأجنبية، فيما يتولى مصرف لبنان تمويل العمليات من موجوداته.

ومن هنا تبرز أهمية تحديد المعالجة المالية لهذه المبالغ في العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان، ولا سيما إذا أثبت التدقيق أن جزءاً من موجودات المصرف استُخدم لتنفيذ التزامات أو سياسات عامة لحساب الدولة.

ولا يصنف البيان الأموال التي أنفقت على الدعم تلقائياً كديون مستحقة على الدولة، لكنه يعلن بوضوح أن المصرف يريد توثيق وتثبيت حقوقه المالية المرتبطة بهذه المدفوعات، وهو ما يجعل نتائج التدقيق ذات صلة مباشرة بتحديد مركزه المالي.

الفجوة تبدأ من تحديد الخسارة

تزداد أهمية هذه العملية مع انتقال معالجة الأزمة إلى تحديد المسؤوليات المالية بصورة أكثر تفصيلاً.

فمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الذي أقرته الحكومة وأحالته إلى المجلس النيابي يتناول كيفية توزيع الخسائر، بالتوازي مع إعادة هيكلة المصارف ومسار استعادة الودائع. وشدد صندوق النقد الدولي على احترام تراتبية المطالبات، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، مع تجنب تحميل الدولة أعباء تقوض استدامة الدين العام.

ويجعل ذلك تحديد المركز المالي لمصرف لبنان خطوة أساسية قبل تثبيت حصته من الخسائر. فإذا كانت بعض المبالغ المسجلة أو المنعكسة في ميزانيته ناتجة عن تمويل عمليات نفذت لحساب الدولة أو ترتب عنها حق مالي للمصرف، فإن تثبيت هذه الحقوق قد يؤثر في مقدار الخسارة النهائية التي تنسب إليه.

أما المبالغ التي لا يستطيع المصرف إثبات حق مقابل لها فقد تبقى ضمن الخسائر التي يجب التعامل معها عند إعادة بناء ميزانيته.

العلاقة المالية مع الدولة

تحمل المسألة أهمية خاصة لأن العلاقة المالية بين الدولة ومصرف لبنان تشكل أحد أكثر جوانب الأزمة تعقيداً. فعلى امتداد سنوات، مول المصرف احتياجات متعددة للدولة والاقتصاد، مباشرة أو عبر النظام المصرفي، قبل أن تتراكم الخسائر في ميزانيات المصارف والمصرف المركزي.

 ويؤثر تثبيت حقوق مصرف لبنان مباشرة في تحديد مركزه المالي، لأن الاعتراف بأي مبلغ كحق قابل للتحصيل يخفض حجم الخسائر التي ستبقى مسجلة عليه.

وفي المقابل، فإن قدرة الدولة على تحمل التزامات إضافية تبقى مقيدة بوضع المالية العامة ومستوى الدين. وبذلك يتمثل التحدي في حماية حقوق مصرف لبنان وعدم تحميله خسائر ناتجة عن سياسات نفذت لحساب الدولة، مع تجنب نقل أعباء إلى المالية العامة تتجاوز قدرتها على التحمل.

ويبقى أن أي خفض في الخسائر المنسوبة إلى مصرف لبنان لا يلغي الفجوة المالية، وإنما يعيد طرح مسألة توزيعها بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف والمودعين، وهي مسألة يفترض أن يحسم إطارها قانون الفجوة المالية.

التدقيق قبل توزيع الفاتورة

يبدو توقيت التدقيق مهماً بقدر نطاقه. فلبنان يقترب من قرارات ستحدد بصورة تشريعية كيفية توزيع جانب كبير من أعباء الأزمة، فيما يعمل مصرف لبنان بالتوازي على تثبيت ما يعتبره حقوقاً مالية قبل تثبيت حصته النهائية من الخسائر.

ولا تضمن نتائج "Alvarez & Marsal" الاعتراف بهذه الحقوق أو تحميلها للدولة، لكنها يمكن أن توفر الأدلة التي تساعد على الفصل بين الإنفاق الذي يقع ضمن مسؤولية المصرف والإنفاق الذي نفذه في إطار سياسات عامة.

وهنا تبرز القيمة الأساسية للمهمة الجديدة. فكلما أصبح مسار الأموال والقرارات المرتبطة بها أكثر وضوحاً، أصبح تحديد مكونات الفجوة والمسؤوليات المرتبطة بها أكثر دقة، قبل الانتقال إلى توزيع الخسائر بين الأطراف المختلفة.