بغداد وبكين... شراكة تتجاوز النفط

  • 2026-09-24
  • 17:42

بغداد وبكين... شراكة تتجاوز النفط

  • توفيق سري الدين

قف على أطراف حقل نفطي في جنوب العراق، وستلاحظ شيئاً لم يكن مألوفاً قبل عقدين. خوذات بيضاء تحمل شعارات شركات صينية، وشاحنات ومعدات تحمل أسماء لا يقرأها معظم السائقين المحليين، ولافتات بلغات عدة. لم يأتِ هذا المشهد دفعة واحدة، وإنما تشكل عقداً بعد عقد، حتى أصبح الحضور الصيني جزءاً من الواقع الاقتصادي العراقي ومن شبكة المصالح الدولية المحيطة بأحد أكبر منتجي النفط في العالم.

واليوم لم تعد العلاقة محصورة في حقول النفط. ففي عام 2019، وقع العراق والصين اتفاقاً إطارياً يقوم على تخصيص جزء من إيرادات صادرات النفط لتمويل مشاريع تنفذ في العراق. وفي عام 2026، ما زالت الحكومة العراقية تدرج مشاريع ممولة ضمن هذا الاتفاق، مع إعطاء الأولوية للنفط والكهرباء والصحة، فيما تناقش وزارة التخطيط المشاريع التي ستستمر ضمن موازنة عام 2027. ويظهر استمرار هذه الآلية بعد سبع سنوات من توقيع الاتفاق أن العلاقة توسعت من العقود النفطية المنفردة إلى تمويل وتنفيذ مشاريع عامة في قطاعات متعددة.

كيف بدأت القصة؟

ليست العلاقة بين بغداد وبكين وليدة اليوم، لكن التحول الكبير جاء بعد عام 2003، وخصوصاً مع عودة العراق إلى طرح حقوله االنفطية أمام الشركات الدولية. شاركت الشركات الصينية إلى جانب شركات غربية وآسيوية كبرى في جولات التراخيص، وأظهرت استعداداً للعمل بعقود خدمة طويلة الأجل وهوامش محدودة مقابل بناء حضور مستمر في أحد أكبر الأحواض النفطية في العالم.

ومع مرور الوقت، ترسخ موقع شركات مثل "بتروتشاينا" و"سينوبك" و"سي إن أو أو سي"، ثم لحقتها شركات صينية أخرى في مشاريع الاستكشاف والتطوير. وفي جولة التراخيص التي أطلقها العراق في عام 2024، حصلت شركات صينية على عدد كبير من المشاريع المطروحة، في مؤشر إلى استمرار انتقال الحضور الصيني من الحقول العملاقة التقليدية إلى مساحة أوسع من قطاع النفط والغاز العراقي.

وتوازي ذلك مع نمو العلاقة التجارية. فقد أعلنت وزارة الخارجية العراقية في نهاية عام 2025 أن حجم التجارة بين البلدين بلغ نحو 54 مليار دولار، وأن الصين أصبحت أكبر سوق للنفط العراقي. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الصين استوردت أكثر من 1.1 مليون برميل يومياً من العراق خلال عام 2024.

"النفط مقابل الإعمار"... الإيرادات تتحول إلى مشاريع

جاء التحول الأهم في عام 2019، عندما وقعت بغداد وبكين اتفاق إطار التعاون الذي عُرف على نطاق واسع باسم "النفط مقابل الإعمار". والفكرة أكثر دقة من مجرد مقايضة النفط بمشاريع إنشائية. فقد قامت الآلية على تخصيص إيرادات مبيعات كمية من النفط العراقي وإيداعها في حساب يستخدم لدعم تمويل مشاريع البنية الأساسية التي تحددها الحكومة العراقية.

وأوضح مستشار الحكومة العراقية مظهر محمد صالح أن الاتفاق، الذي يمتد عشرين عاماً، قام عند دخوله حيز التنفيذ على إيداع إيرادات ما يعادل 100 ألف برميل يومياً في حساب مخصص. وتشير لجنة الشفافية للثروات الطبيعية العراقية إلى أن الكمية رُفعت لاحقاً إلى 150 ألف برميل يومياً في عام 2022 لتوفير الإيرادات المطلوبة لآلية التمويل.

وهنا تظهر أهمية النموذج بالنسبة إلى العراق. فالمشكلة ليست في غياب الإيرادات النفطية بقدر ما هي في تحويل جزء منها إلى مشاريع طويلة الأجل في بلد يعاني من حاجة كبيرة للمزيد من البنى التحتية. لذلك وفرت الاتفاقية قناة تربط مورداً نفطياً قائماً بمشاريع استثمارية محددة، مع بقاء اختيار الأولويات وقدرة الدولة على إدارتها ومتابعتها العامل الحاسم في النتيجة.

المدارس أولاً

ربما جاءت أكثر النتائج وضوحاً للمواطن من برنامج الأبنية المدرسية. ففي نهاية عام 2021 وقع العراق 15 عقداً مع شركتي "باور تشاينا" و"سينوتك" لإنشاء 1000 مدرسة في مختلف المحافظات ضمن الاتفاق الإطاري مع الصين، توزعت بين 679 مدرسة للأولى و321 للثانية.

وبحلول أبريل 2025، قالت وزارة التربية العراقية إن 1000 مدرسة جديدة دخلت الخدمة خلال عامين ضمن مشروع المدارس النموذجية الصينية، في بلد قدرت حاجته بأكثر من 8000 مدرسة نتيجة النمو السكاني والاكتظاظ واعتماد عدد كبير من الأبنية على نظام الدوام المزدوج أو الثلاثي.

وهذا ما يعطي المشروع أهمية أكبر من قيمة العقود نفسها. فالمدرسة استثمار يمكن للمواطن رؤية نتيجته مباشرة، كما أن تنفيذ المشاريع في المحافظات يحرك الطلب على مواد البناء والنقل والخدمات ويوفر أعمالاً للمقاولين والعمال المحليين. وقد أشارت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالفعل إلى مساهمة المشروع في تشغيل كوادر عراقية وتحريك النشاط الاقتصادي المحلي.

لماذا تتقدم الصين في العراق؟

لفهم المزيد حول هذا الموضوع، يجب النظر إلى حاجات الاقتصاد العراقي. البلاد تضم سكاناً يتزايد عددهم بسرعة، وتعاني نقصاً في الكهرباء والمدارس والمستشفيات وشبكات النقل، فيما تعتمد المالية العامة بدرجة كبيرة على النفط. وفي هذا النوع من الأسواق تمتلك الشركات الصينية عناصر قوة واضحة أهمها القدرة على تنفيذ مشاريع كبيرة، وربط المقاولات بالتمويل، والعمل في قطاعات تمتد من النفط والطاقة إلى البناء والتجهيزات.

كما أن التجربة لم تعد محصورة في المدارس. ففي عام 2026 كانت وزارة التخطيط تتابع تنفيذ مستشفيات ممولة ضمن الاتفاق الإطاري العراقي ـ الصيني، ومنها مشاريع في نينوى والنجف والديوانية ومحافظات أخرى. وهذا يوضح كيف بدأ الإطار الذي ارتبط في بدايته بالنفط والمدارس بالتحول إلى أداة تمويل لمجموعة أوسع من مشاريع الخدمات العامة.

ماذا تريد بكين؟

في المقابل، تقوم العلاقة بالنسبة إلى الصين على مصالح اقتصادية واضحة. العراق مورد نفطي كبير وسوق واسعة للمقاولات والطاقة والتجهيزات، ويمكن أن يوفر للشركات الصينية أعمالاً تمتد لعقود.

كما يمثل النفط العراقي جزءاً مهماً من أمن الطاقة الصيني. فالصين والهند كانتا أكبر مشتريين للخام العراقي في عام 2024، واستوردتا معاً نحو 62 في المئة من صادرات العراق النفطية في ذلك العام، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وهكذا تجمع العلاقة بين ثلاثة عناصر مترابطة هي حصول الصين على إمدادات نفطية كبيرة، وفرص للشركات الصينية في مشاريع طويلة الأجل، وحصول العراق على التمويل والتنفيذ لمشاريع يحتاجها اقتصاده. وهي علاقة مصالح متبادلة، لكن حجم الفائدة التي يحصل عليها العراق يتوقف على نوع المشاريع التي يختارها وشروط تنفيذها ومقدار ما تخلقه من نشاط وفرص داخل الاقتصاد المحلي.

واشنطن تراقب

يصعب فصل نمو الحضور الصيني في العراق عن المنافسة الاقتصادية الأوسع بين بكين وواشنطن، لكن بغداد لا تتعامل مع العلاقة باعتبارها اختياراً بين طرفين. فالصين أصبحت شريكاً تجارياً ونفطياً واستثمارياً كبيراً، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات أمنية واقتصادية ومالية واسعة مع العراق.

ولهذا تبدو السياسة العراقية أقرب إلى تنويع الشراكات منها إلى الانتقال من محور إلى آخر.  ووصف مستشار رئيس الوزراء للعلاقات الخارجية فرهاد علاء الدين العلاقة مع الصين بأنها تجارية، مشيراً إلى أن الصين تشتري نحو 25 في المئة من النفط العراقي وأن لبغداد مصلحة اقتصادية كبيرة معها.

 ومن هنا تتركز المسألة في مقدار ما يستطيع العراق تحقيقه اقتصادياً من هذه العلاقة. فالنجاح لا يتوقف على عدد العقود أو حجم النفط الذي تشتريه الصين، وإنما على قدرة بغداد على توجيه التمويل نحو مشاريع ذات أولوية، وزيادة مشاركة الشركات والعمالة العراقية، ونقل الخبرة، وربط مشاريع النفط والبنية الأساسية بقطاعات إنتاجية أوسع.

الصين موجودة بالفعل، والعلاقة أصبحت أكبر من تجارة النفط. أما فائدتها الحقيقية للعراق فستتحدد بمقدار ما تتحول إليه هذه الشراكة من مدارس ومستشفيات وطاقة وبنية أساسية وقدرات محلية تدعم الاقتصاد بعد إنفاق أموال النفط.