العراق وأميركا... الاقتصاد يعيد ترتيب علاقة مثقلة بالأمن وإيران
العراق وأميركا... الاقتصاد يعيد ترتيب علاقة مثقلة بالأمن وإيران
-
كتب فيصل أبوزكي
تحاول بغداد وواشنطن صياغة نسخة جديدة لعلاقة بقيت خلال أكثر من عقدين محكومة بالحرب والوجود العسكري ومكافحة الإرهاب والنفوذ الإيراني.
وفي زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، حمل رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزبيدي أجندة تتقدم فيها الطاقة والاستثمار والتجارة، فيما تحدثت حكومته عن تأسيس مرحلة اقتصادية جديدة بين البلدين.
وضعت بغداد تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية واستقطاب الاستثمارات في صدارة أهداف هذه الزيارة التي جاءت بدعوة من الرئيس الاميركي دونالد ترمب. وقال المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي إن الزيارة تسعى إلى فتح صفحة جديدة لا يبقى فيها الجانب الأمني المحور الوحيد للعلاقات، واصفاً إياها بأنها من أهم الزيارات الرسمية العراقية إلى الولايات المتحدة منذ عام 2003.
ويمنح توقيت الزيارة هذا التوجه أهمية خاصة. فقد خرج العراق مثقلاً من تداعيات الحرب مع إيران واضطراب صادرات النفط، في وقت تعتمد ماليته العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. كما تتجه العلاقة الأمنية إلى مرحلة مختلفة مع اقتراب موعد خروج القوات الأميركية المتبقية بحلول 30 سبتمبر 2026. ومع تراجع المكون العسكري، تسعى بغداد إلى بناء المرحلة المقبلة على قاعدة أوسع من المصالح الاقتصادية والاستثمارية.
علاقة تبحث عن أساس جديد
منذ عام 2003، بقي الأمن نقطة الارتكاز في معظم مراحل العلاقات العراقية ـ الأميركية. بدأت النسخة القائمة من العلاقة بالاجتياح والوجود العسكري، ثم انتقلت إلى بناء القوات العراقية وعودة الولايات المتحدة ضمن الحرب على "داعش"، وصولاً إلى الجدل المستمر بشأن الفصائل المسلحة وعلاقة بغداد بطهران.
وظل الاقتصاد في مرتبة متأخرة أمام هذه الملفات. أما أجندة الزيارة الحالية فتطرح الطاقة والنظام المصرفي والتكنولوجيا والزراعة ودور القطاع الخاص باعتبارها مساحات جديدة للشراكة. وتسعى بغداد إلى بناء شبكة مصالح تجعل الشركات والاستثمارات ومشاريع الطاقة والتمويل جزءاً أساسياً من العلاقة، من دون افتراض إمكان فصل الاقتصاد عن السياسة في علاقة بهذا التعقيد.
ويخدم هذا التوجه مصالح الطرفين. فالعراق يحتاج إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا لتنفيذ مشاريعه وتحديث اقتصاده، فيما ترى الشركات الأميركية فرصاً في النفط والغاز والكهرباء والاتصالات. وقد عبّر الزبيدي عن ذلك خلال الزيارة، مؤكداً أن العراق يتطلع إلى "شريك استراتيجي بحجم الولايات المتحدة" يساعده على مواجهة تحدياته الاقتصادية والتكنولوجية.
الطاقة في قلب العلاقة الجديدة
يحتل النفط والغاز الموقع الأبرز في أجندة الزيارة. وكانت الحكومة العراقية قد تحدثت عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم في القطاعين، وعن العمل على استقطاب شركات أميركية للمساهمة في رفع القدرات الإنتاجية. كما ركز الزيدي في واشنطن على جذب استثمارات في النفط والغاز والكهرباء.

وتتجاوز أهمية هذا الملف زيادة إنتاج الخام. فهو يشمل تطوير الحقول والمنشآت، واستثمار الغاز المصاحب، وتأمين الوقود لمحطات الكهرباء، بما يساعد العراق على تقليل هدر موارده وتحسين إمدادات الطاقة.
وفي أواخر يونيو 2026، وافق مجلس الوزراء على إحالة مشروع تطوير حقل حمرين النفطي إلى شركة "HKN Energy" الأميركية. ويعني بدء العمليات البترولية الانتقال من التفاهمات والدراسات إلى الأعمال التنفيذية اللازمة لتطوير الحقل ورفع إنتاجه.
كما توسعت المحادثات مع "شيفرون" بشأن دخولها المحتمل إلى حقل غرب القرنة 2 ومشروع الناصرية، إلى جانب مشاركتها في تقييم مسارات بديلة لتصدير النفط. وسمحت الحكومة لوزارة الكهرباء باستكمال اتفاق تعاون شامل مع "جنرال إلكتريك" لتوسيع قدرات التوليد وشبكات النقل، فيما شملت الاتصالات مع الشركات الأميركية أيضاً "إكسون موبيل".
وتحاول الزيارة نقل هذا الحضور من صفقات متفرقة إلى علاقة أكثر تنظيماً. فبغداد تريد توسيع دور الشركات الأميركية ضمن برنامج أشمل لتطوير الطاقة، فيما تحدث ترمب خلال استقباله الزبيدي عن زيادة الصفقات والمصالح الاقتصادية مع العراق، مع تركيز خاص على النفط.
هرمز يفرض حسابات جديدة
أعادت الحرب مع إيران إلى الواجهة إحدى أبرز نقاط ضعف الاقتصاد العراقي، وهي اعتماد معظم صادرات النفط على الموانئ الجنوبية والملاحة عبر مضيق هرمز. ولهذا دخل تنويع منافذ التصدير في صلب النقاش الاقتصادي المصاحب للزيارة. فالهدف هو توفير مسارات بديلة تسمح باستمرار تصدير جزء من الخام إذا تعطلت الملاحة في المضيق، وحماية الإيرادات التي تعتمد عليها الموازنة العامة.

وتعمل الحكومة على مشروع أنبوب يربط البصرة بحديثة، وعلى زيادة استخدام مسار كركوك ـ جيهان، إضافة إلى دراسة خط يصل إلى ميناء بانياس السوري. ويمكن لهذه المسارات، إذا نُفذت، أن تمنح العراق منفذين إضافيين عبر تركيا وسوريا إلى جانب المسار البحري عبر هرمز.
وفي مطلع يوليو 2026، وافق مجلس الوزراء على توقيع اتفاق أولي بين شركة نفط البصرة وائتلاف يضم "كابيتال تي آي" و"شيفرون" الأميركيتين و"يو سي سي" القطرية لإعداد دراسات جدوى فنية ومالية تقارن بين مساري البصرة ـ حديثة ـ كركوك ـ جيهان والبصرة ـ حديثة ـ بانياس. كما أجاز التعاقد مع شركة "KBR" الأميركية لتقديم خدمات استشارية لمشروع خط البصرة ـ حديثة.
ولا يرتب الاتفاق الأولي التزامات مالية أو تعاقدية نهائية على وزارة النفط. لكن أزمة هرمز جعلت تنويع طرق التصدير أكثر إلحاحاً، وربطته مباشرة باستقرار إيرادات الدولة وقدرتها على تمويل الإنفاق.
الدولار... الملف الاقتصادي الأكثر حساسية
تمتد العلاقة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة إلى ملف أقل ظهوراً وأكثر حساسية هو النظام المالي والمصرفي في العراق. فهو يرتبط بحركة الدولار والتحويلات الخارجية وقدرة المصارف العراقية على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.
وبدأت المرحلة الحالية من إصلاح القطاع المصرفي تتبلور في عام 2024، مع إلزام المصارف الخاصة الصغيرة بزيادة رؤوس أموالها أو تقديم خطط للاندماج والاستحواذ بحلول مطلع 2025. واتسع المسار لاحقاً ليشمل إعادة هيكلة المصارف الحكومية، وتطوير أنظمة المدفوعات، وتحسين الحوكمة والرقابة.
وفي يونيو 2026، أكد البنك المركزي العراقي استمرار هذا المسار بهدف تعزيز الاستقرار النقدي والمالي ورفع كفاءة المصارف وتوسيع قدرتها على التعامل الدولي. وفي الشهر نفسه، أدرجت مجموعة العمل المالي "FATF" العراق على لائحة "المتابعة المعززة"، المعروفة باللائحة الرمادية، بعد تحديد أوجه قصور استراتيجية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح.
واعتمدت المجموعة خطة عمل مشتركة مع العراق لمعالجة هذه الثغرات ضمن مهل محددة. ونتيجة لذلك، أصبح إصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الرقابة على العمليات المالية في صدارة أولويات السلطات السياسية والمالية والنقدية.
ويرتبط هذا الملف مباشرة بواشنطن، إذ ظلت حركة الدولار والتحويلات الخارجية وقواعد الامتثال من أكثر القضايا حساسية بين البلدين، خصوصاً في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
لكن حاجة العراق إلى الإصلاح المصرفي تتجاوز متطلبات علاقته بالولايات المتحدة. فالبلاد تحتاج إلى مصارف قادرة على تمويل الاقتصاد والشركات واستقبال الاستثمارات وتنفيذ التحويلات بوضوح وكفاءة. وتنظر الشركات التي تدرس الدخول في مشاريع كبيرة في العراق إلى سهولة تحويل الأموال وموثوقية المصارف بقدر ما تنظر إلى حجم الاحتياطيات النفطية.
إيران في خلفية الاقتصاد
يصعب فصل هذا التحول عن إيران، حتى عندما لا تكون طهران بنداً معلناً في الاتفاقيات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن. فالعراق يرتبط بإيران بعلاقات تجارية وجغرافية وسياسية واسعة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى تشديد الرقابة على القنوات المالية المرتبطة بطهران وتقليل اعتماد العراق على إمدادات الطاقة الخارجية.
ولهذا تحمل بعض المشاريع نتائج سياسية تتجاوز أهدافها المباشرة. فاستثمار الغاز المصاحب يزيد قدرة العراق على تأمين الوقود محلياً، وإصلاح المصارف يجعل التحويلات أكثر خضوعاً للقنوات الرسمية، وتنويع منافذ التصدير يقلل تعرض المالية العراقية للاضطرابات في مضيق هرمز.
وتمنح هذه الخطوات بغداد هامشاً اقتصادياً أوسع، وتتقاطع في الوقت نفسه مع مصالح واشنطن. ويكمن التحدي في إدارة هذا التقاطع من دون تحويل الشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة إلى امتداد مباشر للصراع الأميركي ـ الإيراني. فالعراق يحتاج إلى الاستثمارات والتكنولوجيا الأميركية، لكنه لا يستطيع تجاهل الجغرافيا وعلاقاته الاقتصادية المتعددة مع إيران.
شركات أميركية في سوق مزدحمة
لا تدخل الشركات الأميركية سوقاً خالية من المنافسين. فهي تواجه حضوراً قائماً لشركات دولية كبرى، من بينها "بي بي" البريطانية في كركوك، و"توتال إنرجيز" الفرنسية في مشروع نمو الغاز المتكامل، إلى جانب شركات صينية تشارك في تطوير عدد من الحقول النفطية.
وتحاول بغداد منح الشركات الأميركية مساحة أكبر ضمن برنامج توسيع الاستثمارات في الطاقة. وهنا تظهر مفارقة واضحة. فقد تمتعت واشنطن بنفوذ سياسي وأمني ومالي واسع في العراق منذ عام 2003، بينما بقي الحضور الاستثماري الأميركي أقل من هذا الوزن في قطاعات عديدة.
وتحاول زيارة الزبيدي تضييق هذه الفجوة. فتوسيع قاعدة المستثمرين يمنح بغداد خيارات أكبر، فيما يخلق دخول الشركات الأميركية إلى النفط والغاز والكهرباء مصالح طويلة الأجل يمكن أن تدعم العلاقة بعد تراجع الوجود العسكري.
لكن نجاح هذا المسار لن يُقيّم بعدد مذكرات التفاهم التي قد يتم توقيعها. يبدأ الاختبار عندما تتحول الاتفاقيات الأولية إلى عقود واستثمارات فعلية، وتبدأ الشركات العمل، وتصل مشاريع الطاقة والأنابيب إلى مرحلة التنفيذ.
بعد أكثر من عقدين من علاقة تشكلت تحت تأثير الحرب والوجود العسكري والإرهاب والصراع مع إيران، تحاول بغداد وواشنطن توسيع مساحة المصالح المشتركة.
لن يلغي الاقتصاد السياسة أو يخرج إيران من الحسابات، لكنه قد يجعل العلاقة العراقية ـ الأميركية أوسع وأقل ارتباطاً بالملف الأمني وحده.
وإذا تحولت تفاهمات واشنطن إلى استثمارات فعلية ومشاريع طاقة ومسارات تصدير جديدة ونظام مصرفي أكثر اتصالاً بالعالم، تكون الزيارة قد وضعت أساساً لمرحلة مختلفة بين البلدين.
الأكثر قراءة
-
إدراج صناديق المؤشرات المتداولة يفتح مرحلة جديدة في بورصة الكويت
-
"سينومي سنترز" توصي بزيادة رأسمالها عبر أسهم منحة وبرنامج لتحفيز الموظفين
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية
-
استحواذ جديد يعزز حضور "أديس" في السعودية ويضيف 3.8 مليارات ريال إلى أعمالها
-
ساويرس في دمشق: اختبار مصري مبكر لسوق الإعمار السوري

