سوريا تعيد بناء قطاع النفط والغاز من الحسكة إلى المتوسط

  • 2026-07-18
  • 07:00

سوريا تعيد بناء قطاع النفط والغاز من الحسكة إلى المتوسط

  • الاقتصاد والأعمال

بدأت صورة قطاع النفط والغاز السوري تتغير مع انتقال الحكومة من استعادة الحقول وإعادة ربطها بمنشآت المعالجة والتكرير إلى مرحلة تستهدف رفع الإنتاج، وإعادة الشركات الأجنبية، وفتح مناطق جديدة أمام الاستكشاف.

وتختصر التطورات الأخيرة في حقول الحسكة جانباً من هذا التحول. ففي المواقع التابعة لشركة دجلة للنفط، عادت "غولف ساندز" البريطانية إلى الاستثمار بعد رفع حالة القوة القاهرة، ووضعت خطة لإعادة تأهيل آبار قائمة وحفر آبار جديدة. وفي الرميلان، تسلمت شركة "إتش كيه إن" مهام تشغيل الحقل، وبدأ البحث في إعادة الآبار المتوقفة وحفر آبار إضافية وزيادة الإنتاج.

يختلف هذا المشهد عن ما كان عليه القطاع خلال سنوات الحرب. فالأولوية لم تعد محصورة في استعادة الحقول، وإنما انتقلت إلى تقييم حالتها الفنية بعد سنوات من ضعف الاستثمار والاستخراج غير المنظم في بعض المناطق، ثم توفير التمويل والتقنيات والخبرات اللازمة لرفع إنتاجها.

وتحاول سوريا اليوم إعادة بناء قطاع فقد معظم قدرته الإنتاجية خلال نحو عقد ونصف، بالتوازي مع فتح الباب أمام شركات أميركية وأوروبية وخليجية للمشاركة في تطوير الحقول القائمة والبحث عن موارد جديدة. وهي تسعى بذلك إلى الحصول على إنتاج إضافي من الحقول المعروفة في فترة أقصر، وإطلاق دورة استكشاف قد تحدد الحجم الفعلي للإمكانات النفطية والغازية للبلاد.

قطاع فقد معظم إنتاجه

قبل الحرب والعقوبات الواسعة التي طاولت القطاع، كانت سوريا تنتج نحو 383 ألف برميل يومياً من النفط، وفق البيانات التاريخية التي تستند إليها إدارة معلومات الطاقة الأميركية و"رويترز".

وانخفض الإنتاج إلى نحو 40 ألف برميل يومياً في عام 2023، وفق بيانات "المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية" الصادرة عن معهد الطاقة البريطاني، كما أوردتها "رويترز" في ديسمبر 2024. كما تراجع إنتاج الغاز من 8.7 مليارات متر مكعب في عام 2011 إلى نحو 3 مليارات متر مكعب في 2023.

يعكس هذا الانخفاض حجم التراجع الذي أصاب القطاع. فقد خرجت شركات دولية من السوق، وتوقفت أعمال الحفر والاستكشاف، وتضررت منشآت وخطوط نقل، وانتقلت السيطرة على حقول رئيسية بين أطراف متعددة. كما خضعت بعض الحقول لاستخراج بوسائل بدائية، ما أضاف مشكلات فنية وبيئية إلى آثار توقف الاستثمار.

وأصبحت سوريا تعتمد على الإمدادات الخارجية لتغطية جزء كبير من حاجتها إلى النفط والوقود. وقدرت "رويترز" في مايو 2026 الإمدادات المحلية بنحو 35 ألف برميل يومياً، مقابل حاجة تصل إلى 150 ألف برميل يومياً، استناداً إلى مسؤولين سوريين وبيانات الشحن.

وفي المقابل، قال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي في يناير إن إنتاج البلاد "لا يتجاوز 100 ألف برميل يومياً" بعد عودة حقول إضافية. ويعكس التباين اختلاف توقيت التقديرات ونطاق ما يدخل ضمن الإنتاج أو الإمدادات المحلية، في غياب رقم وطني رسمي محدث ومنشور دورياً.

لذلك، تكمن القيمة الاقتصادية الأولى لتعافي النفط السوري في زيادة الكميات المتاحة للمصافي والسوق المحلية وتقليص الاعتماد على الاستيراد. فارتفاع الإنتاج يوفر جزءاً من العملات الأجنبية المستخدمة في شراء الخام والمشتقات، ويمنح مصفاتي حمص وبانياس إمدادات أكثر استقراراً.

استعادة الحقول تغير الأولويات

شكلت عودة مجموعة من الحقول الرئيسية في شمال شرق سوريا إلى إدارة الدولة خلال مطلع 2026 نقطة تحول. ومنذ يناير، بدأت الشركة السورية للبترول إعادة وصل الحقول بمنظومة النقل والمعالجة والتكرير.

فأعادت ضخ الغاز الخام من حقول جبسة في الحسكة إلى معمل غاز الفرقلس في ريف حمص، وبدأت نقل النفط المستخرج من الحقول المستعادة إلى مصفاتي حمص وبانياس. وأوصلت شحنات من نفط حقلي العمر والتنك إلى بانياس، ثم بدأ في مارس استجرار الخام من حقول الحسكة، ووصلت دفعات من الرميلان إلى خزانات حمص.

تكمن أهمية هذه الخطوات في إعادة جمع أجزاء القطاع ضمن منظومة تشغيل واحدة. فزيادة إنتاج الآبار لا تكفي من دون مراكز التجميع وخطوط الأنابيب والخزانات ومعامل معالجة الغاز ووسائل نقل الخام إلى المصافي.

وفي الوقت نفسه، أظهرت عمليات التقييم حجم العمل المطلوب. فالآبار المتوقفة تحتاج إلى فحص وإصلاح، والمكامن إلى بيانات حديثة، والمنشآت السطحية إلى إعادة تأهيل. ولهذا اتجهت الشركة السورية للبترول إلى الاستعانة بمشغلين دوليين وشركات خدمات متخصصة.

الشركات الأجنبية تعود

توفر حقول الحسكة نموذجاً لهذا التوجه. ففي دجلة، بدأت "غولف ساندز" العودة إلى نشاطها السابق، وأعلنت الشركة السورية للبترول في أبريل تحسن إنتاج حقول دجلة بنسبة 30 في المئة، مع خطط لتأهيل آبار قائمة وحفر أخرى جديدة.

وفي الرميلان، تسلمت "إتش كيه إن" مهام التشغيل. وتتركز خطط المرحلة المقبلة على إعادة الآبار المتوقفة وحفر آبار جديدة وتحسين كفاءة الإنتاج، وفق ما أعلن خلال زيارة قبلاوي الأخيرة إلى الحقل.

يُظهر ذلك نموذجاً يقوم على البدء بالحقول المعروفة. فتطوير حقل منتج أو إعادة بئر متوقفة يمكن أن يضيف كميات في فترة أقصر من اكتشاف حقل جديد وتطويره. كما يمكن استخدام إيرادات الحقول القائمة في تمويل مزيد من أعمال التطوير والاستكشاف، وهي مقاربة تحدث عنها قبلاوي أمام مستثمرين دوليين.

وبذلك أصبحت الحقول المنتجة قاعدة المرحلة الأولى من التعافي، فيما يجري توسيع دائرة الشركات والخبرات العاملة في القطاع.

الغاز يتقدم في سلم الأولويات

يلعب النفط دوراً مباشراً في تقليص فاتورة الاستيراد وتوفير الخام للمصافي، لكن الغاز يحمل أثراً أسرع على الاقتصاد بسبب ارتباطه بمحطات الكهرباء.

في 5 أبريل 2026، وقعت الشركة السورية للبترول عقداً تنفيذياً مع "أديس" السعودية لتطوير عدد من حقول الغاز. وفي يوليو تسلمت الشركة مواقع العمل في المنطقة الوسطى بمحافظة حمص وبدأت المرحلة التنفيذية. ويستهدف المشروع زيادة إنتاج الحقول المشمولة بنسبة 25 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى، وصولاً إلى زيادة 50 في المئة في منتصف عام 2027، بما يرفع الإنتاج إلى نحو أربعة ملايين متر مكعب يومياً.

ويعني الرقم المعلن أن إنتاج الحقول التي يشملها العقد يفترض أن يصل إلى نحو أربعة ملايين متر مكعب يومياً عند تحقيق الزيادة المستهدفة، وليس إضافة هذه الكمية فوق الإنتاج الحالي.

وفي مسار آخر، وقعت الشركة السورية للبترول في يونيو عقداً مع "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" الأميركيتين لتطوير عدد من حقول الغاز وزيادة إنتاجها. وكان قبلاوي قد قدر، عند توقيع مذكرة التفاهم السابقة في نوفمبر 2025، إمكان إضافة بين أربعة وخمسة ملايين متر مكعب يومياً خلال عام من بدء العمل، إلى جانب استكشاف حقل جديد قد يستغرق تطويره نحو ثلاث سنوات. أما العقد الموقع في يونيو فلم يكرر رقماً محدداً للزيادة، لذلك يبقى هذا الرقم هدفاً معلناً في مرحلة المذكرة.

وتستهدف الكميات الإضافية بصورة أساسية دعم الكهرباء، وتوفير وقود أكبر لمحطات التوليد، ورفع القدرة على تشغيل المصانع والخدمات.

وخلال فترة انتظار زيادة الإنتاج المحلي، اتجهت الحكومة إلى الاستيراد. وبدأ في أغسطس 2025 توريد نحو 3.4 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز الأذربيجاني عبر تركيا، ثم وقع اتفاق إضافي لتوريد 1.6 مليون متر مكعب يومياً. وفي يناير 2026 وقعت سوريا والأردن اتفاقية لتوريد نحو أربعة ملايين متر مكعب يومياً.

وبذلك تتحرك الحكومة لتأمين الغاز من الخارج لتخفيف نقص الكهرباء في الأجل القصير، ولزيادة الإنتاج المحلي لتقليص الاعتماد على هذه الإمدادات مستقبلاً.

من تأهيل الآبار إلى استئناف الاستكشاف

يمثل رفع إنتاج الحقول القائمة الطريق الأسرع، لكنه يبقى مرتبطاً بحجم المكامن المعروفة وحالتها بعد سنوات من الاستغلال وضعف الاستثمار. لذلك بدأت الحكومة مساراً ثانياً يقوم على استئناف الحفر والاستكشاف.

في ديسمبر 2025، بدأت الشركة السورية للبترول حفر أول بئر استكشافية للغاز في منطقة التواني بريف دمشق. كما وقعت أربع اتفاقيات مع شركات سعودية تشمل الدعم الفني وتطوير حقول النفط والغاز، ودخلت شركات متخصصة في الحفر والخدمات الجيولوجية والجيوفيزيائية ضمن دائرة التعاون الجديدة.

وتزداد أهمية الاستكشاف بسبب قدم كثير من الأرقام المتداولة عن الاحتياطيات السورية. فأحدث تقرير تفصيلي متاح لإدارة معلومات الطاقة الأميركية عن سوريا، والمنشور في 2015، وضع الاحتياطيات النفطية المثبتة عند نحو 2.5 مليار برميل، استناداً إلى تقديرات "أويل أند غاز جورنال" كما في مطلع 2015. كما أشارت بيانات تاريخية إلى احتياطيات غاز مثبتة بنحو 8.5 تريليونات قدم مكعبة، أي قرابة 240 مليار متر مكعب.

هذه أرقام تاريخية ولا تمثل تقييماً محدثاً للموارد السورية في 2026. فقد مر أكثر من عقد من الإنتاج والاضطرابات وتوقف أعمال التقييم الحديثة، ما يجعل تحديث بيانات المكامن والاحتياطيات جزءاً أساسياً من إعادة بناء القطاع.

كما يختلف الاحتياطي المثبت عن الموارد المحتملة في مناطق لم تستكشف بعد. وقال قبلاوي في فبراير إن ما بين ربع وثلث مساحة سوريا فقط خضع للاستكشاف، وتحدث عن احتمالات غازية كبيرة في مناطق أخرى. لكن هذه التقديرات تحتاج إلى مسوحات وحفر حتى تتحول أي موارد مكتشفة إلى احتياطيات قابلة للتقدير والتطوير التجاري.

لذلك، ستكون نتائج الآبار الاستكشافية خلال السنوات المقبلة أكثر أهمية من الأرقام العامة المتداولة عن ثروات غير مكتشفة. فالمسح يحدد المواقع الواعدة، والحفر يثبت وجود النفط أو الغاز، ثم تحدد دراسات حجم المكمن وكلفة التطوير الجدوى التجارية.

المتوسط يرفع سقف الطموحات

يمكن رؤية هذا المسار بوضوح في الاستكشاف البحري. ففي فبراير 2026، وقعت الشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم مع "شيفرون" و"باور إنترناشيونال القابضة" القطرية للاستثمار والاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية، ووصفتها بأنها أول مذكرة متكاملة للاستكشافات البحرية. وقال قبلاوي إن التنفيذ الكامل قد يستغرق نحو أربع سنوات.

وفي مايو من العام الحالي، دخل مسار بحري آخر مع توقيع "توتال إنرجيز" و"قطر للطاقة" و"كونوكو فيليبس" مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول تتعلق بالقطاع البحري رقم 3 في المتوسط.

ووفق إعلان "توتال إنرجيز"، تشمل المذكرة مراجعة فنية للقطاع ووضع إطار للمناقشات الفنية والتجارية بشأن أنشطة الاستكشاف، ما يعني أن المشروع ما زال في مرحلة التقييم ولم يصل بعد إلى قرار تطوير أو إنتاج.

ويبدو الاهتمام بالبحر السوري مفهوماً في ضوء الاكتشافات الغازية في شرق المتوسط، لكن وجود حقول كبيرة في أجزاء أخرى من الحوض لا يثبت وجود احتياطيات تجارية مماثلة قبالة سوريا. وتكمن قيمة دخول شركات مثل "شيفرون" و"توتال إنرجيز" و"قطر للطاقة" في قدرتها على تقييم البيانات وتنفيذ المسوحات وتحمل كلفة الاستكشاف البحري.

لذلك يمكن النظر إلى الحقول البرية باعتبارها قاعدة التعافي في السنوات القريبة، فيما قد يحدد البحر حجم طموحات القطاع على المدى الطويل. ويمكن لأي اكتشاف بحري تجاري كبير أن يغير ميزان الطاقة السوري، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب سنوات ونتائج حفر ناجحة.

التعافي يبدأ من الكهرباء والمصافي

تمتلك سوريا مجالاً واسعاً لزيادة إنتاج النفط والغاز مقارنة بالمستويات المتدنية التي سجلها القطاع خلال سنوات الحرب. فالحقول المعروفة بدأت تعود إلى منظومة إدارة واحدة، وبعض الشركات الدولية استأنفت العمل، ودخلت عقود تطوير الغاز مرحلة التنفيذ، فيما عاد الاستكشاف البري والبحري إلى جدول أعمال القطاع.

لكن العودة إلى مستويات إنتاج ما قبل الحرب تتطلب تقييماً حديثاً للمكامن، واستثمارات في الحفر وإصلاح الآبار، وتطوير خطوط النقل ومراكز التجميع ومعامل معالجة الغاز، وضمان قدرة المصافي على استيعاب إمدادات أكبر من الخام.

كما سيبقى تحويل الاتفاقات إلى إنتاج فعلي الاختبار الأساسي. فقد نجحت سوريا خلال أشهر في استقطاب "أديس" و"كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" و"شيفرون" و"توتال إنرجيز" و"قطر للطاقة"، وأعادت "غولف ساندز" إلى حقول دجلة، وأسندت تشغيل الرميلان إلى "إتش كيه إن".

وستقيم نتائج المرحلة المقبلة بعدد الآبار التي تعود إلى الإنتاج، وكميات النفط التي تصل إلى مصفاتي حمص وبانياس، وحجم الغاز الإضافي الذي يصل إلى محطات الكهرباء.

فالهدف الاقتصادي الأقرب هو إنتاج مزيد من الغاز للكهرباء، وتوفير الخام للمصافي، وتقليص فاتورة استيراد الطاقة. ونجاح هذه المرحلة سيخفف أحد أكبر القيود على التعافي الصناعي والخدمي ويقلل الضغط على موارد البلاد من العملات الأجنبية.

أما الإمكانات الأبعد فترتبط بنتائج الاستكشاف. سوريا تملك حقولاً واحتياطيات معروفة، لكن الأرقام المتاحة عنها قديمة، كما تقول الشركة السورية للبترول إن أجزاء واسعة من البلاد لم تستكشف بصورة كافية، فيما يدخل البحر المتوسط مرحلة تقييم أكثر جدية بمشاركة شركات دولية كبيرة.

لقد انتقلت الحكومة السورية من استعادة الحقول إلى تنظيم تشغيلها وتطويرها، وبدأت إعادة الشركات الأجنبية، ووسعت عقود الغاز، وفتحت الاستكشاف البحري. وستظهر نتيجة هذه السياسة في مقدار ما تستطيع سوريا إضافته فعلياً إلى إنتاج النفط والغاز، ومدى انعكاس هذه الكميات على الكهرباء والمصافي ونشاط الاقتصاد.