ستاندرد تشارترد يربط العملات المستقرة بالنظام المصرفي الإماراتي

  • 2026-07-02
  • 19:30

ستاندرد تشارترد يربط العملات المستقرة بالنظام المصرفي الإماراتي

  • الاقتصاد والأعمال

يشكل إطلاق بنك ستاندرد تشارترد في دولة الإمارات خدمة متخصصة لإصدار واسترداد العملات المستقرة خطوة جديدة في تطور القطاع المالي الرقمي، لأنها تنقل العملات المستقرة من الاعتماد على شركات التكنولوجيا المالية ومنصات الأصول المشفرة إلى البنية المصرفية التقليدية. فهذه الخدمة توفر حساب مصرفي لجهة مصدرة للعملة المستقرة، ,تؤمن الحلقة الأساسية التي تربط النقود التقليدية بالرموز الرقمية، بما يسمح بإصدار العملات واستردادها ضمن نظام مصرفي منظم يخضع للرقابة والامتثال.

ويأتي الإعلان في مرحلة تتسارع فيها المنافسة العالمية لبناء أسواق منظمة للعملات المستقرة، بعد تحولها من أداة تستخدم داخل منصات تداول العملات المشفرة إلى وسيلة مرشحة للمدفوعات الدولية، والتجارة الإلكترونية، وإدارة السيولة، وتسوية المعاملات المالية بين المؤسسات.

الحلقة الأساسية في دورة العملة المستقرة

تعتمد العملات المستقرة على مبدأ يتمثل في إصدار رمز رقمي مقابل إيداع مبلغ مماثل له في حسابات مصرفية أو في أصول عالية السيولة.

فعندما تصدر مؤسسة مليون دولار من عملة مستقرة، يجب أن يقابلها مليون دولار محفوظة كاحتياطيات. وعندما يطلب حامل العملة استردادها، يتم إلغاء الرمز الرقمي وإعادة الأموال النقدية إليه.

وهنا تأتي أهمية خدمة الإصدار والاسترداد التي أطلقها ستاندرد تشارترد، إذ يتولى البنك إدارة دورة دخول الأموال التقليدية إلى النظام الرقمي وخروجها منه، والتحقق من وجود الاحتياطيات، وتنفيذ عمليات الإصدار والاسترداد وفق متطلبات الامتثال والرقابة. وهذه العملية، المعروفة عالمياً باسم Mint and Redemption، تمثل أساس الثقة في أي عملة مستقرة.

البنوك تدخل مرحلة جديدة

تكشف خطوة ستاندرد تشارترد عن تحول أوسع في الصناعة المصرفية العالمية. وخلال السنوات الماضية، كانت البنوك تتعامل بحذر مع العملات المشفرة، بينما كانت شركات التكنولوجيا المالية تتولى تطوير معظم خدماتها. أما اليوم، فقد بدأت البنوك الكبرى تنظر إلى العملات المستقرة باعتبارها جزءاً من البنية التحتية المستقبلية للمدفوعات.

 وأصبحت المنافسة تدور حول توفير الخدمات المصرفية التي تقوم عليها هذه العملات، مثل إدارة الاحتياطيات، وحفظ الأموال، وتسوية المدفوعات، وخدمات الامتثال، وإدارة السيولة.

ويمنح هذا النشاط البنوك مصدراً جديداً للودائع منخفضة الكلفة، ويتيح لها تقديم خدمات مصرفية متطورة للشركات المصدرة للعملات المستقرة، وشركات التكنولوجيا المالية، والمؤسسات المالية العالمية. كما يفتح الباب أمام تطوير خدمات الخزانة، والمدفوعات العابرة للحدود، والتسويات الفورية التي تعمل على مدار الساعة، وهو ما يفسر اهتمام عدد متزايد من البنوك العالمية بالدخول إلى هذا القطاع.

الإمارات تبني منظومة متكاملة

تأتي خطوة ستاندرد تشارترد ضمن بيئة تنظيمية تعد من الأكثر تطوراً عالمياً في مجال الأصول الرقمية والعملات المستقرة، حيث اعتمدت الإمارات نموذجاً يقوم على توزيع واضح للأدوار بين الجهات الرقابية.

فعلى المستوى الاتحادي، يتولى مصرف الإمارات المركزي تنظيم العملات المستقرة المستخدمة في المدفوعات من خلال إطار خدمات رموز الدفع، الذي يفرض ترخيص الجهات المصدرة، والاحتفاظ باحتياطيات كاملة، وضمان حق الاسترداد بالقيمة الاسمية، إلى جانب متطلبات الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال. ويهدف هذا الإطار إلى دمج العملات المستقرة في نظام المدفوعات الرسمي مع الحفاظ على الاستقرار النقدي والثقة بالقطاع المالي.

وفي المقابل، تضطلع هيئة الأوراق المالية والسلع بدور رئيسي في تنظيم الأصول المشفرة عندما تندرج ضمن الأنشطة الاستثمارية وأسواق المال، بما يشمل إصدار الأصول الرقمية وتداولها وحفظها وترخيص مزودي خدماتها، مع التركيز على حماية المستثمرين وتعزيز الشفافية.

أما في دبي، فقد أنشئت سلطة تنظيم الأصول الافتراضية "فارا"، التي وضعت إطاراً متكاملاً لتنظيم مزودي خدمات الأصول الافتراضية خارج مركز دبي المالي العالمي، يشمل التداول، والوساطة، والحفظ، وإدارة الأصول، والتسويق، مع معايير صارمة لإدارة المخاطر وفصل أموال العملاء عن أموال الشركات.

وفي الوقت نفسه، يواصل "أبوظبي العالمي" تطوير منظومته التنظيمية الخاصة بالأصول الرقمية والعملات المستقرة داخل المركز المالي، بما يجعله منصة تستقطب المؤسسات المالية العالمية ومديري الأصول وشركات التكنولوجيا المالية.

ويعكس هذا التوزيع في الاختصاصات نضج النموذج الإماراتي. فالمصرف المركزي يشرف على العملات المستقرة بوصفها وسيلة للدفع، وهيئة الأوراق المالية والسلع تنظم استخدامها كأصول استثمارية وأنشطة سوقية، بينما تتولى "فارا" والمراكز المالية الحرة تنظيم بيئات الأعمال المتخصصة. وقد وفر هذا النموذج وضوحاً تنظيمياً شجع البنوك العالمية وشركات التكنولوجيا المالية على توسيع حضورها في الدولة.

كما تتزامن هذه التطورات مع إطلاق مبادرات لعملات مستقرة مرتبطة بالدرهم، إلى جانب مشروع الدرهم الرقمي الذي يقوده مصرف الإمارات المركزي، بما يعكس توجهاً لبناء منظومة متكاملة تجمع بين العملات الرقمية السيادية، والعملات المستقرة الصادرة عن القطاع الخاص، والبنية المصرفية التي تدعمها.

سباق عالمي على العملات المستقرة

 بدأت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وسنغافورة، وهونغ كونغ، واليابان، ودول أخرى، وضع أطر تنظيمية متخصصة للعملات المستقرة، تقوم على مبادئ رئيسية تتضمن وجود احتياطيات كاملة، وضمان حق الاسترداد، وإخضاع الجهات المصدرة لرقابة مباشرة.

ويعكس ذلك قناعة متزايدة لدى البنوك المركزية بأن العملات المستقرة قد تصبح جزءاً من البنية الأساسية للمدفوعات العالمية إذا خضعت للمعايير نفسها التي تطبق على المؤسسات المالية التقليدية.

وفي الوقت نفسه، تتزايد أحجام استخدامها في التحويلات الدولية، والتجارة الإلكترونية، وتسوية المعاملات بين المؤسسات، وإدارة السيولة، وهو ما يدفع مزيداً من البنوك العالمية إلى الاستثمار في البنية المصرفية اللازمة لهذا القطاع.

مرحلة جديدة للقطاع المالي

تمثل خدمة الإصدار والاسترداد التي أطلقها ستاندرد تشارترد أكثر من منتج مصرفي جديد. فهي تعكس انتقال العملات المستقرة إلى مرحلة أصبحت فيها البنوك العالمية جزءاً أساسياً من بنيتها التشغيلية.

كما تؤكد أن المنافسة أصبحت تشمل بناء البنية التحتية المصرفية التي تدير احتياطيات هذه العملات، وتنفذ عمليات إصدارها واستردادها، وتربطها بالنظام المالي العالمي.

وهنا تبدو الإمارات في موقع متقدم للاستفادة من هذا التحول، بفضل الإطار التنظيمي الذي بنته خلال السنوات الأخيرة، وقدرته على الجمع بين تشجيع الابتكار، واستقطاب المؤسسات المالية العالمية، والحفاظ على معايير الرقابة والاستقرار المالي. وهذا ما يجعلها مرشحة لتكون إحدى أهم المنصات الإقليمية والعالمية لنمو سوق العملات المستقرة والخدمات المصرفية المرتبطة بها.