سوريا بين المتوسط والخليج... هل تتحول الجغرافيا إلى مشروع استراتيجي؟
سوريا بين المتوسط والخليج... هل تتحول الجغرافيا إلى مشروع استراتيجي؟
-
الاقتصاد والأعمال
طرح الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال الطاولة المستديرة الاقتصادية السورية ـ الفرنسية التي عُقدت في قصر الشعب بدمشق في 7 يوليو 2026 بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فكرة استثمار موقع سوريا بين البحر المتوسط والعراق والخليج، معتبراً أن أزمة مضيق هرمز أظهرت أهمية الممرات الآمنة والمستقرة. وفي اليوم نفسه، أعطى الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجي" الفرنسية باتريك بويانيه هذه الفكرة بعداً عملياً من زاوية الطاقة، حين تحدث عن إمكان تحول سوريا إلى ممر لنفط الشرق الأوسط نحو المتوسط، بما يوفر مسارات بديلة عن مضيق هرمز.
ولم يبق هذا التصور في حدود النقاش السياسي والاقتصادي. ففي 17 يوليو 2026، وقعت سوريا مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف من الشركات الدولية لإحياء مسار نقل النفط العراقي إلى الساحل السوري. وتتعلق المذكرة الأولى بإعادة تأهيل خط "حديثة ـ بانياس"، المرتبط تاريخياً بمسار خط "كركوك ـ بانياس"، فيما تتناول الثانية إعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الأسس التنفيذية للمشروع.

وعندما تصبح سوريا ممراً محتملاً للنفط العراقي نحو المتوسط، تتجاوز المسألة إعادة تأهيل مرفأ أو طريق، وتدخل في صلب النقاش الإقليمي حول أمن الإمدادات وتعدد منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.
هل تتحول سوريا إلى عقدة في الممرات الإقليمية؟
لا يوفر الموقع بين المتوسط والعراق والخليج وتركيا ولبنان منفعة اقتصادية بذاته. تنشأ هذه المنفعة عندما تتحول المرافئ والطرق والسكك والمعابر والمناطق اللوجستية إلى شبكة تعمل بانتظام، وفق كلفة معروفة وقواعد مستقرة ومخاطر يمكن تقييمها.
لهذا، يحتاج الحديث عن سوريا كعقدة لوجستية إلى قراءة تتجاوز الجغرافيا. فالمسألة ترتبط بعدة تحولات متزامنة. أولها بحث المنطقة عن مسارات أقل تعرضاً لاضطرابات مضيق هرمز والممرات البحرية الحساسة. وثانيها سعي العراق إلى إيجاد منافذ إضافية لصادراته النفطية وتجارته الخارجية. وثالثها محاولة سوريا تحويل الانفتاح السياسي والاقتصادي الجديد إلى مشروعات بنية أساسية تجذب رأس المال والشركات الدولية.
الساحل السوري كمنصة تشغيل
بدأت المرافئ تعطي هذه الفكرة مرتكزاً فعلياً. ففي اللاذقية، دخلت "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية في مسار لتطوير المرفأ وتشغيله يرتبط بالمرافئ الجافة في الداخل السوري، ومنها عدرا وحلب، بالتوازي مع العودة التجريبية لحركة قطار البضائع بين اللاذقية وعدرا بعد توقف طويل.
وفي طرطوس، وقعت سوريا اتفاقاً مع "موانئ دبي العالمية" لتطوير الميناء باستثمارات تصل إلى 800 مليون دولار، مع التركيز على البنية المرفئية والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والحرة. ويزيد وجود مشغلين دوليين في اللاذقية وطرطوس أهمية الساحل السوري، الذي أصبح ساحة لاختبار قدرة البلاد على جذب شركات عالمية وتحويل المرافئ إلى أدوات للربط الإقليمي.
أما التحول الحقيقي فيبدأ عندما ترتبط اللاذقية وطرطوس وبانياس بحلب وحمص ودمشق، ثم بالعراق والأردن ولبنان، بحيث يصبح الميناء مدخلاً إلى شبكة للنقل والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، بدلاً من أن يكون محطة نهائية للبضائع.
الطاقة تنقل الفكرة إلى مسار تنفيذي
اكتسب الحديث عن ربط سوريا بالعراق والخليج مضموناً أكثر تحديداً في 17 يوليو 2026، حين وقعت الشركة السورية للبترول وشركة نفط البصرة مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل خط "حديثة ـ بانياس"، المرتبط تاريخياً بمسار خط "كركوك ـ بانياس".

ووقعت الشركة السورية للبترول مذكرة ثانية مع ائتلاف يضم "شيفرون" و"يو سي سي القابضة" و"تي آي كابيتال"، لإعداد الدراسات الفنية والمالية، وتقييم الأنبوب والمنشآت المرافقة، ووضع الأسس التنفيذية للمشروع.
وبحسب وكالة الأنباء السورية، تستهدف أعمال التأهيل الوصول إلى طاقة تشغيلية تقدر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً. وإذا أكدت الدراسات إمكان الوصول إلى هذه الطاقة، فسيكون المشروع أكبر من مجرد إعادة تشغيل أنبوب قديم، وقد يصبح جزءاً من ممر نفطي واسع يصل الإنتاج العراقي بالساحل الشرقي للبحر المتوسط.
تكمن أهمية المشروع في أنه يمكن أن يربط بين مسارين على جانبي الحدود. يبدأ المسار العراقي من جنوب البلاد، حيث تخطط بغداد لإنشاء خط يمتد من البصرة إلى حديثة لنقل جزء من إنتاجها النفطي غرباً، فيما يستكمل خط حديثة ـ بانياس الطريق إلى البحر المتوسط.
وإذا نُفذ المساران وربطا ببعضهما، يمكن أن ينشأ ممر نفطي يبدأ من حقول جنوب العراق وينتهي على الساحل السوري. وسيمنح ذلك بغداد منفذاً إضافياً للتصدير، ويحد من اعتمادها الكبير على الموانئ الجنوبية والمسارات المارة عبر مضيق هرمز.
في المقابل، يمكن أن تحصل سوريا على رسوم عبور الخام وتخزينه وشحنه وتشغيل وتقديم الخدمات المرتبطة به وخدمات مرفئية، إلى جانب استعادة دورها السابق ممراً للنفط العراقي إلى البحر المتوسط، وهو دور تراجع بعد توقف خط كركوك–بانياس وتضرر أجزاء من البنية النفطية السورية خلال سنوات الحرب.
ولا يقتصر الأثر المحتمل للمشروع على نقل النفط. فالأنبوب يحتاج إلى محطات ضخ وخزانات ومرافق للقياس والحماية والتشغيل، إضافة إلى تأهيل مرافق بانياس وربطها بخدمات الشحن والتخزين والتصدير.
ومع ذلك، ما زال المشروع في بدايته. فمذكرتا التفاهم تفتحان باب الدراسة والتفاوض، ولا تعنيان اتخاذ قرار استثماري نهائي أو بدء أعمال التنفيذ. كما لم تُعلن بعد الكلفة المقدرة، وآلية التمويل، والجدول الزمني، والصيغة التجارية التي ستحدد رسوم العبور والتشغيل وتوزيع الإيرادات والمخاطر.
وسيحتاج المشروع أيضاً إلى تقييم حالة الأنبوب القديم، وتحديد الأجزاء التي يمكن تأهيلها والأجزاء التي تتطلب إنشاءً جديداً، إلى جانب توفير الحماية الأمنية والضمانات القانونية والتأمين والتفاهمات الطويلة الأمد بين العراق وسوريا والجهات المشاركة.
لكن أهمية الخطوة تكمن في أنها تقدم أول اختبار كبير لفكرة تحويل موقع سوريا إلى ميزة اقتصادية يمكن استغلالها عبر ممرات التجارة والنقل واللوجستيات. فإذا انتقل المشروع من الدراسة إلى التنفيذ، ستصبح سوريا جزءاً فعلياً من شبكة لتصدير النفط الإقليمي، وحلقة تربط الإنتاج العراقي بمرافئ المتوسط.
العقوبات لم تعد العائق الأكبر
تغيرت بيئة العقوبات بصورة جوهرية. فقد أنهت واشنطن برنامج العقوبات الأميركية الشاملة على سوريا اعتباراً من الأول من يوليو 2025، مع إبقاء قيود مستهدفة على بشار الأسد ومحيطه، ومنتهكي حقوق الإنسان، وشبكات الكبتاغون، والجهات المرتبطة ببرامج الأسلحة الكيميائية وغيرها من أنشطة انتشار أسلحة الدمار الشامل، و"داعش" و"القاعدة"، وإيران ووكلائها.
كما أُلغي قانون قيصر ضمن قانون الدفاع الأميركي لعام 2026، ما خفف خطر العقوبات الثانوية على الشركات الأجنبية. وفوق ذلك، طلب الرئيس دونالد ترمب من الكونغرس شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تفتح مرحلة مراجعة قانونية قبل اكتمال رفع هذا النوع من القيود.
لقد تغيرت طبيعة المخاطر. ففي السابق، كانت العقوبات تجعل سوريا سوقاً شبه مغلقة أمام المصارف والشركات الكبرى. أما اليوم، فقد انتقلت المشكلة إلى مسائل الامتثال والتمويل والثقة. وسيطلب المصرف أو شركة التأمين أو مشغل الميناء معرفة الشركاء الحقيقيين، ومصادر الأموال، وآليات الدفع، وطبيعة الجهات المتعاقدة، ومدى ارتباطها بأطراف ما زالت خاضعة للعقوبات.
لذلك، لا يؤدي رفع الجزء الأكبر من العقوبات تلقائياً إلى تدفق الاستثمارات، لكنه يزيل الحاجز القانوني الأثقل ويفتح الباب أمام الشركات التي كانت تمتنع عن النظر في السوق السورية.
وتتوقف المرحلة التالية على قدرة دمشق على بناء نظام شفاف للتعاقدات، وبيئة مصرفية ملاتبطة بالنظام المالي العالمي من خلال أنظمة ومعايير الامتثال، وقضاء تجاري موثوق، وقواعد واضحة للمرافئ والطاقة والمناطق الحرة. وفي هذا السياق، يصبح الامتثال جزءاً من البنية الأساسية للممرات، تماماً مثل الطرق والسكك والمرافئ.
لبنان كحلقة تكامل
تكتمل القراءة الإقليمية عند إدخال لبنان في المعادلة. فالدور السوري المحتمل قد يزاحم بعض وظائف المرافئ اللبنانية إذا تحرك كل بلد منفرداً، لكنه يمكن أن يفتح أيضاً فرصة للتكامل إذا أعيد التفكير في الساحل الشرقي للمتوسط بوصفه شبكة مترابطة.
ويمكن لمرافئ بيروت وطرابلس واللاذقية وطرطوس وبانياس أن تؤدي أدواراً متكاملة في الشحن والتخزين وإعادة التصدير، خصوصاً إذا ارتبطت بمعابر برية وسكك حديد ومناطق لوجستية داخلية.
بالنسبة إلى لبنان، تكمن الفرصة في مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وفي إمكان إعادة إحياء الربط السككي والبري مع الحدود السورية، إضافة إلى دور مطار القليعات الذي تم افتتاحه مؤخراً والذي يمكن ان يتحول إلى مرفق للشحن والخدمات.
وبالنسبة إلى سوريا، يمنح التكامل مع لبنان الساحل مرونة إضافية، ويخفف منطق المنافسة الضيقة بين المرافئ. ويحتاج هذا النوع من التكامل إلى قرار سياسي من البلدين، وإلى إدارة ملفات النقل والتجارة وفق المصالح الاقتصادية المشتركة.
الدولة قبل الجغرافيا
يبقى المعيار الحاسم قدرة الدولة على إدارة الممرات. فالممرات الاستراتيجية قد تتحول إلى مصدر للدخل والنفوذ، وقد تصبح نقاط اختناق ونزاع إذا غابت الحوكمة المناسبة.
ويتجاوز المطلوب هنا جذب مشغل عالمي لهذا الميناء أو ذاك، إلى بناء منظومة تشمل الرسوم والجمارك والتأمين وحماية الطرق وتسوية النزاعات وإدارة الحدود وتبادل البيانات مع دول الجوار.
لا يكفي أن تكون سوريا في موقع مناسب. يجب أن تصبح مكاناً يمكن للشركات الاعتماد عليه. وهناك فارق كبير بين دولة تعبرها الشاحنات لأنها الطريق المتاح، ودولة تختارها الشركات لأنها أسرع وأوضح وأقل كلفة.
وتزداد أهمية هذه المنظومة في مشروعات الطاقة العابرة للحدود. فنجاح الممر النفطي لن يتوقف على إنشاء الأنبوب وحده، وإنما على اتفاقات مستقرة لسنوات طويلة، ونظام واضح للرسوم والتشغيل، وقدرة على حماية المنشآت، وتسوية الخلافات التجارية، وضمان استمرار التدفقات بين العراق وسوريا.
هذا هو الاختبار الحقيقي لأي حديث عن تحويل سوريا إلى عقدة لوجستية اقليمية وممر للطاقة.
فرصة استراتيجية مشروطة
تجمع اللحظة الحالية عناصر نادراً ما تجتمع في وقت واحد. وهي تتمثل بانفتاح سياسي واقتصادي بعد تخفيف العقوبات، واهتمام شركات دولية بالمرافئ والطاقة، وحاجة إقليمية إلى منافذ إضافية للتجارة والنفط.
ويقدم مشروع نقل النفط العراقي إلى الساحل السوري أول اختبار عملي لإمكان انتقال هذه العناصر من التفاهمات إلى مشروعات عابرة للحدود قابلة للتنفيذ.
وتوفر هذه التطورات لسوريا فرصة لاستعادة دور إقليمي يتجاوز إعادة إعمار اقتصادها الداخلي. فنجاح خط النفط قد يفتح الطريق أمام مشروعات أخرى في السكك والطرق والكهرباء والغاز والتخزين، ويجعل المرافئ السورية جزءاً من شبكة تمتد إلى العراق والخليج.
غير أن الفرصة ستبقى مشروطة. الأمن شرط أول، والتمويل شرط ثان، والامتثال شرط ثالث، والتفاهم المستمر مع العراق ولبنان والأردن وتركيا ودول الخليج شرط رابع.
كما أن الاختبار الفعلي سيكون في قدرة الدولة على نقل التفاهمات والدراسات الأولية إلى عقود ممولة ومشروعات منفذة تعمل وفق قواعد مستقرة.
فإذا نجحت سوريا في ذلك، يمكن أن تنتقل من بلد يقع على تقاطع الطرق إلى بلد ينظم هذا التقاطع ويحصل على دخل من خدمات النقل والطاقة والتخزين والتجارة.
الأكثر قراءة
-
إدراج صناديق المؤشرات المتداولة يفتح مرحلة جديدة في بورصة الكويت
-
"سينومي سنترز" توصي بزيادة رأسمالها عبر أسهم منحة وبرنامج لتحفيز الموظفين
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية
-
استحواذ جديد يعزز حضور "أديس" في السعودية ويضيف 3.8 مليارات ريال إلى أعمالها
-
ساويرس في دمشق: اختبار مصري مبكر لسوق الإعمار السوري

