نظام التنفيذ الجديد في السعودية: تحديث عدلي يُعزز الثقة بالمعاملات والاستثمارات

  • 2026-06-01
  • 16:31

نظام التنفيذ الجديد في السعودية: تحديث عدلي يُعزز الثقة بالمعاملات والاستثمارات

زهير الحربش*

يحمل نظام التنفيذ الجديد في المملكة العربية السعودية أبعاداً تتجاوز تحديث الإجراءات القضائية التقليدية، ليعكس توجهاً أوسع نحو تطوير البيئة العدلية والمالية بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 وتعزيز الثقة في المعاملات والاستثمارات داخل المملكة.

فقد وافق مجلس الوزراء خلال جلسته المنعقدة في 14 أبريل 2026 برئاسة سمو ولي العهد على النظام الجديد، الذي تم نشره في جريدة أم القرى مطلع مايو 2026، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من الأول من نوفمبر المقبل، ليحل محل نظام التنفيذ الصادر عام 1433هـ (2012م) وما طرأ عليه من تعديلات.

جزء من مسار تحديث المنظومة العدلية

ويأتي النظام في إطار مسار أوسع تعمل من خلاله المملكة على رفع كفاءة المنظومة القضائية وتسريع إجراءات الفصل والتنفيذ، خصوصاً في القضايا المالية والتجارية، بما يساهم في دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب بقدرة النظام القضائي على حماية الحقوق واستيفائها ضمن أطر زمنية وإجرائية أكثر وضوحاً وفاعلية.

كما يعكس النظام اتجاهاً واضحاً نحو تعزيز التحول الرقمي في أعمال التنفيذ وإشراك القطاع الخاص في بعض الخدمات المرتبطة بها.

تسريع تنفيذ الأحكام والقرارات

ومن أبرز ما ركز عليه النظام هو إلزام مختلف الجهات الحكومية والمالية، بما في ذلك البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية، بتنفيذ أوامر وقرارات محاكم التنفيذ خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام عمل من تاريخ الإبلاغ، في خطوة تستهدف تسريع دورة التنفيذ وتقليص التأخير المرتبط بتبادل المعلومات والإجراءات بين الجهات المختلفة.

كما أكد النظام أن دور محاكم التنفيذ يقتصر على التحقق من استيفاء السند التنفيذي للشروط النظامية دون النظر في أصل الحق محل السند، بما يكرس مبدأ الفصل بين مرحلة إثبات الحق ومرحلة تنفيذه.

توسيع نطاق السندات التنفيذية

وحدد النظام بشكل واضح أنواع السندات التنفيذية التي يجوز التنفيذ الجبري بموجبها، وتشمل الأحكام والأوامر القضائية النهائية، وأحكام المحكمين، واتفاقات التسوية والصلح الموثقة، والشيكات، والعقود والإقرارات الموثقة، إضافة إلى الأحكام والوثائق الأجنبية التي تستوفي الشروط النظامية.

كما منح النظام أهمية خاصة للأدوات التجارية الإلكترونية، إذ نص على اعتبار الكمبيالات والسندات لأمر سندات تنفيذية متى كانت مسجلة في المنصات الإلكترونية الوطنية، على أن تحدد اللائحة التنفيذية الشروط والضوابط المتعلقة بذلك.

التحول نحو السندات الإلكترونية

وفي هذا السياق، منح النظام فترة انتقالية لسندات الأمر الورقية المستوفية للشروط النظامية والصادرة قبل نفاذ النظام، بحيث تستمر كسندات تنفيذية لمدة سنة من تاريخ بدء العمل بالنظام، قبل أن يصبح تسجيلها إلكترونياً عبر المنصات الوطنية شرطاً أساسياً لقبولها كسندات تنفيذية.

ومن المتوقع أن تتناول اللائحة التنفيذية المرتقبة تفاصيل وآليات التسجيل، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها الدائن أجنبياً وليس له مقر أو عنوان داخل المملكة.

تنظيم العلاقة بين الدائن والمدين

كما تضمن النظام أحكاماً تستهدف تحقيق قدر أكبر من التوازن بين أطراف العلاقة التنفيذية، إذ أتاح للمدين التقدم بطلب إلى المحكمة لإلزام الدائن باستيفاء حق ثابت وحال الأداء إذا امتنع عن ذلك، وهي نقطة تعكس توجهاً لتنظيم العلاقة التنفيذية بصورة أكثر شمولاً.

كذلك وضع النظام سقفاً زمنياً لقبول طلبات التنفيذ، بحيث لا تقبل الطلبات المتعلقة بسندات مضى على تاريخ استحقاقها أكثر من عشر سنوات، ما لم تقض الأنظمة ذات الصلة بخلاف ذلك.

الإفصاح عن الأموال وتشديد إجراءات التنفيذ

وشدد النظام أيضاً على التزام المنفذ ضده بالإفصاح عن أمواله، مع إلزام الجهات المشرفة على الأموال أو تسجيلها بإنشاء إدارات متخصصة لمعالجة أوامر التنفيذ، وإعداد قواعد بيانات للملكية، وتمكين الربط الإلكتروني مع أنظمة وزارة العدل.

وتبدأ إجراءات التنفيذ الجبري بعد خمسة أيام عمل من تاريخ إبلاغ المنفذ ضده بأمر التنفيذ، ما لم يقدم ضماناً بنكياً كافياً يتيح له مهلة إضافية تصل إلى عشرة أيام عمل. كما أجاز النظام فرض غرامات مالية يومية على المتعثر في التنفيذ تصل إلى خمسة آلاف ريال يومياً، تؤول حصيلتها إلى خزينة الدولة.

ضوابط جديدة للمنع من السفر

وفي ما يتعلق بالمنع من السفر، وضع النظام سقفاً زمنياً لا يتجاوز ست سنوات، مع منح المحكمة صلاحية رفع المنع في حالات محددة، مثل الحاجة إلى العلاج خارج المملكة، أو إذا كانت طبيعة عمل المنفذ ضده تستوجب السفر، أو إذا كان المنع يسبب ضرراً له، أو إذا أفصح عن أموال تكفي للوفاء بالدين. ويعكس ذلك توجهاً نحو تنظيم استخدام هذا الإجراء وربطه بضوابط أكثر تحديداً وتوازناً.

حماية المال العام والمسكن والإعانات

كما أكد النظام عدم جواز الحجز على المال العام أو على المسكن الذي يقيم فيه المنفذ ضده ما لم يكن مرهوناً للدائن وفق الأصول النظامية، إضافة إلى عدم جواز التنفيذ على الإعانات الحكومية المقدمة له.

وأكد النظام أن إجراءات التنفيذ ستتم عبر الوسائل الإلكترونية المعتمدة، على أن يصدر وزير العدل اللائحة التنفيذية خلال 180 يوماً من صدور النظام، بالتزامن مع موعد دخوله حيز التنفيذ.

بيئة قانونية أكثر دعماً للاستثمار

ومن الواضح أن النظام الجديد لا يقتصر على تحديث آليات التنفيذ القضائي فحسب، إنما يمثل جزءاً من مشروع أوسع لتطوير البنية القانونية والمالية في المملكة العربية السعودية، خصوصاً مع التوسع الكبير في النشاط الاستثماري والتمويلي والتجاري الذي تشهده المملكة.

فكلما أصبحت إجراءات التنفيذ أكثر سرعة ووضوحاً وارتباطاً بالمنصات الرقمية، ارتفعت كفاءة البيئة التجارية وزادت الثقة في العقود والأدوات المالية، وهو ما يشكل أحد العناصر الأساسية لجذب الاستثمارات وتعزيز استقرار المعاملات في الاقتصاد السعودي خلال السنوات المقبلة.

*محامي ومحكم سعودي