المدن الصناعية تُشكل خريطة جديدة للصناعة السورية
المدن الصناعية تُشكل خريطة جديدة للصناعة السورية
-
الاقتصاد والأعمال
تحمل خطط توسيع المدن الصناعية السورية وتطويرها وإحياء المتضرر منها بعداً جديداً يفتح الباب على ولادة قطاع صناعي جديد يلبي قادر على مواكبة اعادة الاغمار والنهوض الاقتصادي وتلبية حاجات سوريا المستقبلية.
فمع عودة النشاط الصناعي والحاجة إلى استقطاب استثمارات جديدة، توفر هذه المدن فرصة لإعادة تنظيم جانب من القاعدة الإنتاجية السورية حول مراكز تجمع المصانع والبنية التحتية والخدمات والعمالة والأنشطة اللوجستية، وتربط وظيفة كل مركز بموارد المنطقة وموقعها والأسواق القريبة منه.
ويتركز الإقبال الاستثماري حالياً في عدرا بريف دمشق وحسياء في حمص والشيخ نجار في حلب، بالتوازي مع تطوير باب الهوى والراعي والعمل على إعادة تنظيم وإحياء المدينة الصناعية في دير الزور. وتظهر هذه التحركات مساراً يمكن أن ينقل إعادة بناء الصناعة من استعادة الخريطة السابقة إلى تشكيل توزيع إنتاجي وجغرافي أكثر ارتباطاً بالموارد والنقل والتصدير وتحولات الصناعة والتكنولوجيا الحديثة.
إعادة الإنتاج من داخل المدن
توفر المدينة الصناعية للمستثمر الأرض والكهرباء والمياه والطرق والاتصالات والصرف الصناعي والخدمات الإدارية ضمن موقع واحد، وهو ما يصبح أكثر أهمية في اقتصاد يعمل على إعادة تأهيل بنيته التحتية ويواجه الصناعي فيه ارتفاعاً في كلفة توفير بعض الخدمات بصورة منفردة.
ولا تتوقف الحوافز الحالية عند تخصيص الأراضي بأسعار تقارب الكلفة وإتاحة تقسيط قيمتها لخمس سنوات في المدن الصناعية الأساسية. فالمدن توفر أيضاً "النافذة الواحدة" لإنجاز إجراءات الترخيص ونقل الملكية والمعاملات المرتبطة بالجهات الحكومية. كما أقرت وزارة الاقتصاد والصناعة في يونيو 2025 نظاماً جديداً للاستثمار يستهدف تشجيع الاستثمار المحلي والخارجي ونقل التكنولوجيا والمعرفة الصناعية.
وهذا يجعل المدينة الصناعية أقرب إلى منصة لإقامة المشروع وتشغيله من كونها مجرد أرض مخصصة للمصانع، ويمنحها دوراً محورياً في تخفيض العقبات أمام دخول استثمارات إنتاجية جديدة.
الاتجاه نحو التخصص
يمكن أن يأتي التحول الأهم من وظيفة المدن نفسها. فالخريطة الحالية تظهر إمكان تطوير تجمعات صناعية ترتبط بمزايا كل منطقة بدلاً من تكرار خليط الصناعات نفسه في مختلف المواقع.

في حسياء يتجه جانب من الاستثمار إلى الصناعات المتخصصة والبتروكيميائيات والطاقة المتجددة، بينما تمتلك الشيخ نجار قاعدة واسعة في النسيج والصناعات المرتبطة به. وفي الراعي تتركز الفرص في الصناعات الجلدية والنسيجية والخفيفة، فيما يجري العمل في دير الزور على مشروع يرتبط بالصناعات البتروكيميائية وخدمات الطاقة واللوجستيات.
مثل هذا التخصص يسمح بتجمع الموردين والمصانع والخدمات والعمالة ذات الخبرة حول نشاط واحد أو مجموعة أنشطة مترابطة. ويمكن للصناعات الغذائية أن ترتبط مباشرة بمناطق الإنتاج الزراعي والتخزين والتبريد، فيما تستفيد الصناعات النسيجية من وجود الصباغة والطباعة والخدمات المكملة بالقرب منها.
الموقع يحدد الوظيفة
الجغرافيا بدورها يمكن أن تصبح جزءاً من السياسة الصناعية. فباب الهوى والراعي تستفيدان من قربهما من الحدود التركية، ما يمنحهما ميزة للصناعات المرتبطة بالاستيراد والتصدير والأسواق الخارجية. وفي باب الهوى جرى توقيع عقد استثماري لتطوير أكثر من 242 ألف متر مربع من المقاسم المخدمة بالمياه والكهرباء وشبكات الصرف الصناعي والصحي.
أما حسياء فتقع على الطريق الدولي جنوب حمص، فيما تستند الشيخ نجار إلى الثقل الصناعي التاريخي لحلب وما تراكم فيها من خبرة وعمالة وعلاقات بين المنتجين والموردين.
تفتح هذه المعطيات المجال أمام خريطة صناعية تتحرك وفق الموارد والأسواق ومحاور النقل والمنافذ الحدودية، بدلاً من توزيع النشاط الصناعي وفق الحدود الإدارية وحدها.
دير الزور وإعادة البناء من الموارد
وتقدم دير الزور نموذجاً مختلفاً. فالمدينة الصناعية هناك تمتد على 2850 هكتاراً، ويجري العمل على إعادة تنظيمها وإحيائها واستقطاب المستثمرين والمطورين، مع وجود ثلاثة عروض ومذكرة تفاهم لتأسيس شركة متخصصة بإنشاء مدينة ترتبط بالصناعات البتروكيميائية وخدمات الطاقة واللوجستيات.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بسبب حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الصناعي في المحافظة، بما في ذلك منشآت السكر والورق والغزل والنسيج. وهذا يتيح فرصة لمراجعة نوع الصناعات التي يجب بناؤها وربطها بصورة أوثق بما تتمتع به المنطقة الشرقية من موارد طاقة وإنتاج زراعي وموقع على طرق النقل.
ووفق هذه الرؤية، لا تعود إعادة البناء محاولة لإعادة كل مصنع إلى وضعه السابق، وإنما تصبح فرصة لتوجيه الاستثمار إلى صناعات تستفيد من المواد المتاحة محلياً وتحولها إلى منتجات ذات قيمة أعلى.
المطور يدخل إلى الصناعة
ويتغير كذلك أسلوب تطوير المدن نفسها. ففي الشيخ نجار بدأ العمل مع شركة تطوير عقاري على مساحة تقارب 1.5 مليون متر مربع، مع توجه إلى تجهيز مساحة مماثلة ضمن عقد آخر، بينما يجري استقطاب مطورين للمشاركة في إحياء مدينة دير الزور.
ويمكن لهذا النموذج أن يوسع مشاركة القطاع الخاص من إقامة المصانع إلى تطوير الأراضي والمستودعات والمرافق اللوجستية والبنية الخدمية والمباني الصناعية الجاهزة. كما يساعد على توزيع كلفة التوسع وتسريع تجهيز المناطق الجديدة، بينما يتركز دور الدولة بصورة أكبر على التخطيط والتنظيم وتأمين البيئة الاستثمارية.
مراكز للتعافي الاقتصادي المحلي
ويمتد أثر المدينة الصناعية إلى الاقتصاد المحيط بها. فحسياء توفر أكثر من 20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بينما كانت الشيخ نجار توفر أكثر من 50 ألف فرصة. كما تحرك هذه المدن الطلب على النقل والخدمات والتجارة والإسكان وسلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالمصانع.
ويتيح انتشارها بين ريف دمشق وحمص وحلب وإدلب ودير الزور توزيع الاستثمار وفرص العمل على نطاق جغرافي أوسع، وتحويل الصناعة إلى إحدى أدوات تنشيط الاقتصادات المحلية.
لهذا تتجاوز أهمية خطط المدن الصناعية الحالية زيادة عدد المنشآت أو استعادة طاقات إنتاجية تعطلت خلال سنوات الحرب. الفرصة الأكبر هي استخدام هذه المدن لإعادة ترتيب الصناعة حول التخصص والموارد والطاقة والنقل والتصدير، بحيث تكون لكل مركز صناعي وظيفة اقتصادية واضحة داخل الاقتصاد السوري. وإذا تطور هذا الاتجاه، فإن إعادة بناء الصناعة ستنتقل تدريجياً من استعادة ما كان قائماً إلى تأسيس قاعدة إنتاج أكثر قدرة على جذب الاستثمار والنمو والوصول إلى الأسواق.
الأكثر قراءة
-
"لوبريف" تُحول تقلبات السوق إلى أرباح قياسية وتدفقات نقدية قوية
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
الشركات السعودية تعيد شراء أسهمها مع تطور السوق والحوكمة
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات


