الاستثمارات السعودية في سوريا تنتقل من الاتفاقيات إلى بناء أدوات التنفيذ
الاستثمارات السعودية في سوريا تنتقل من الاتفاقيات إلى بناء أدوات التنفيذ
-
كتب فيصل أبوزكي
تدخل العلاقات الاستثمارية السعودية السورية مستوى أكثر تقدماً، مع انتقال جانب متزايد من التعاون من مرحلة استكشاف الفرص وتوقيع مذكرات التفاهم إلى تحديد مشاريع ومسارات تنفيذ أكثر وضوحاً في الطاقة والمياه والنقل والخدمات اللوجستية والعقار، بالتوازي مع معالجة المتطلبات المالية والمصرفية اللازمة لهذه الاستثمارات.
بدأ هذا المسار يتراكم منذ العام الماضي. ففي يوليو 2025 أُعلن خلال المنتدى الاستثماري السوري السعودي عن 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تقارب 6 مليارات دولار، شملت البنية التحتية والعقار والصناعة والاتصالات والتحول الرقمي وقطاعات أخرى.
ثم شهد فبراير 2026 انتقالاً أكثر وضوحاً نحو التنفيذ، مع توقيع حزمة من العقود والاتفاقيات بين شركات سعودية وجهات حكومية سورية لمشاريع محددة، شملت تطوير مطار حلب مع تحالف سعودي تقوده مجموعة بن داود للاستثمار، وتأسيس "طيران ناس سوريا"، وتنفيذ مشروع "سيلك لينك" مع مجموعة stc، وتطوير مشاريع لتحلية ونقل المياه مع "أكوا باور" وجهات سعودية متخصصة، وتشغيل وتطوير الشركة السورية الحديثة للكابلات مع مجموعة كابلات الرياض.
وبذلك بدأت العلاقة تتجاوز مذكرات التفاهم العامة إلى ترتيبات ترتبط بمشاريع محددة وشركات منفذة وجهات سورية مقابلة.
من تحديد الفرص إلى تطوير المشاريع
تظهر طبيعة التحركات السعودية خلال الأشهر الأخيرة هذا التحول بصورة واضحة. فقد توالت زيارات وفود حكومية وفنية متخصصة في الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، وأعقبتها اجتماعات تفصيلية مع الجهات السورية المعنية لتحديد المشاريع واحتياجاتها الفنية والتمويلية.
وفي قطاع الطاقة، بحثت الوفود السعودية فرص التعاون في النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، قبل أن تتوسع المباحثات لتشمل المياه والتعدين والصرف الصحي. وفي المياه، انتقل التعاون إلى إعداد دراسات لمنظومات تشمل مصادر المياه والتحلية والنقل، وهي خطوات تساعد على تحديد حجم المشاريع ومكوناتها ومتطلباتها الفنية قبل اتخاذ القرارات الاستثمارية النهائية.

كما تطورت المباحثات في النقل إلى اتفاقات تتعلق بالسكك الحديدية والطرق، بالتوازي مع مناقشة منظومة لوجستية تربط الموانئ بالمرافئ الجافة والمناطق الحرة والمدن الصناعية والمنافذ البرية. ويظهر من هذه التحركات أن العمل بدأ ينتقل داخل عدد من القطاعات من تحديد المجالات الممكنة للاستثمار إلى تطوير مشاريع أكثر وضوحاً من حيث نطاقها والشركاء المحتملين واحتياجات التنفيذ.
وتكثف نشاط مجلس الأعمال السعودي السوري في أواخر أغسطس 2026، مع وصول وفد برئاسة محمد أبو نيان إلى دمشق في 24 أغسطس، ضم ممثلين عن جهات حكومية واستثمارية سعودية، بهدف متابعة الاتفاقيات والمشاريع السابقة ودفعها نحو التنفيذ. وفي 25 أغسطس عقد مجلسا الأعمال السوري السعودي والسعودي السوري ملتقى مشتركاً لمتابعة الاتفاقيات القائمة ومعالجة العقبات وتفعيل اللجان القطاعية.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع افتتاح معرض دمشق الدولي في 26 أغسطس، الذي شهد مشاركة سعودية واسعة، قبل أن يلتقي الوفد في 27 أغسطس الرئيس أحمد الشرع وعدداً من المسؤولين السوريين ويعرض ما تم إنجازه من مشاريع، وما دخل منها قيد التنفيذ، والمشروعات المستقبلية.
التمويل يدخل ضمن متطلبات التنفيذ
مع انتقال المشاريع إلى مستويات أكثر تقدماً، أصبح التمويل والتحويل المصرفي جزءاً طبيعياً من النقاش. فقد بحث حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان مع وفد مجلس الأعمال السعودي السوري تسهيل التحويلات المرتبطة بالمشروعات الكبيرة وفتح قنوات مصرفية مباشرة بين البلدين، كما جرى الاتفاق على العمل لإنشاء مصرف سعودي سوري مشترك.
ويعكس طرح هذه الملفات احتياجات عملية بدأت تظهر مع توسع المشاريع، إذ يتطلب تنفيذ استثمارات في الطاقة والمياه والعقار والصناعة تحويل الأموال وتمويل الموردين والمقاولين وإدارة المدفوعات والتدفقات المالية عبر قنوات واضحة. ولذلك يرتبط الملف المصرفي مباشرة بقدرة الاستثمارات التي جرى الاتفاق عليها أو تطويرها على الانتقال إلى التنفيذ.
ولا يبدأ الحضور المصرفي السعودي في سوريا من نقطة الصفر. فقد كان "البنك السعودي الفرنسي" يملك 27 في المئة من "بنك بيمو السعودي الفرنسي"، قبل أن تنخفض حصته وفق أحدث البيانات إلى 20 في المئة. كما يعمل في السوق "بنك البركة سورية"، المرتبط بمجموعة البركة البحرينية ذات الجذور الاستثمارية السعودية.
وتفتح هذه السوابق عدة خيارات أمام توسيع الحضور المصرفي السعودي. فقد يأخذ ذلك شكل إنشاء مصرف مشترك جديد، أو دخول مصرف سعودي بحصة استراتيجية في مصرف سوري قائم، كما يمكن مستقبلاً فتح فروع لمصارف سعودية إذا سمح الإطار التنظيمي بذلك ووجدت المصارف جدوى تجارية مناسبة. ولا تتوقف أهمية النقاش الحالي على الشكل الذي سيتم اعتماده، وإنما على أن البنية المصرفية أصبحت تناقش بالتوازي مع تقدم المشاريع الاستثمارية نفسها.
رفع العقوبات يوسع الخيارات
يساعد تغير البيئة الخارجية للقطاع المصرفي السوري على توسيع هذه الخيارات. فقد أتاح رفع جانب واسع من العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا للمصارف السورية البدء في إعادة بناء علاقاتها مع المصارف المراسلة وشبكات الدفع والتحويل الدولية، وهو تطور أساسي لأي توسع في الاستثمار الخارجي والتجارة.
ولا تعود العلاقات المصرفية إلى مستوياتها الطبيعية بمجرد إزالة العقوبات، إذ يرتبط ذلك أيضاً بقدرة المصارف السورية على تعزيز أنظمة الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر واستعادة ثقة المؤسسات المالية الخارجية. لكن إزالة القيود الرئيسية تفتح مساحة لم تكن متاحة خلال السنوات الماضية، وتوفر للشركات والمصارف السعودية مجالاً أوسع للتعامل مع السوق السورية وتمويل المشاريع فيها.
التركيز على القطاعات الأساسية
توضح خريطة الاهتمام السعودي تركيزاً واضحاً على قطاعات الطاقة، المياه، النقل، الموانئ، الاتصالات والتمويل، وهي قطاعات تشكل قاعدة لبقية النشاط الاقتصادي ولا تقتصر آثارها على المشاريع السعودية نفسها.
فاستقرار الكهرباء والمياه يساعد الصناعة والعقار والخدمات على التوسع، فيما يخفض تطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية كلفة حركة السلع ويعزز قدرة الشركات على الوصول إلى الأسواق. كما تسهل القنوات المصرفية حركة رأس المال وتمويل التجارة والاستثمارات الجديدة.
ولهذا يمكن أن يتجاوز الأثر الاقتصادي للاستثمارات السعودية القيمة المباشرة للمشروعات التي تنفذها الشركات نفسها. فإذا ساهمت هذه المشروعات في معالجة اختناقات البنية الأساسية، فإنها ترفع في الوقت نفسه قدرة الاقتصاد السوري على استيعاب استثمارات إضافية من الداخل والخارج.
التنفيذ معيار المرحلة الجديدة
بعد أكثر من عام من المنتديات ومذكرات التفاهم والاتفاقيات، يصبح حجم المشاريع التي تنتقل إلى التنفيذ المؤشر الأهم على تطور العلاقة الاقتصادية بين البلدين. وتقدم التحركات الحالية مؤشرات إلى أن هذا الانتقال بدأ في عدد من الملفات، من خلال دراسات فنية أكثر تقدماً، ومشروعات محددة، واتفاقات قطاعية، ومباحثات حول التمويل واللوجستيات والبنية التحتية.
ولا تزال بعض المشاريع في مراحل الدراسة أو التحضير، وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى استثمارات كبيرة في البنية الأساسية، لكن الاتجاه أصبح مختلفاً عن المرحلة الأولى التي كان التركيز فيها على تحديد الفرص وإعلان الاهتمام. فالعمل يتجه بصورة أكبر إلى تحديد كيفية التنفيذ والتمويل والشركاء والبنية المطلوبة لتشغيل المشاريع وربطها بالاقتصاد.
لذلك يمكن للحضور السعودي في سوريا أن يتطور من مجموعة اتفاقيات واستثمارات منفردة إلى مسار استثماري أكثر تكاملاً، يربط رأس المال بالمشروعات والتمويل والبنية التحتية والتجارة.
الأكثر قراءة
-
"لوبريف" تُحول تقلبات السوق إلى أرباح قياسية وتدفقات نقدية قوية
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
الشركات السعودية تعيد شراء أسهمها مع تطور السوق والحوكمة
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات

