رفع تصنيف الإرهاب يُسرع عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي

  • 2026-08-27
  • 09:19

رفع تصنيف الإرهاب يُسرع عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي

  • الاقتصاد والأعمال

دخل مسار عودة سوريا إلى المجتمع الدولي محطة جديدة برفع الولايات المتحدة رسمياً اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 24 أغسطس، منهية تصنيفاً يعود إلى عام 1979، ومضيفة بذلك خطوة سياسية وقانونية كبيرة إلى الإجراءات التي أزالت خلال العامين الماضيين الجزء الأكبر من منظومة العقوبات والعزلة الاقتصادية التي أحاطت بالبلاد لعقود.

وأكدت وزارة الخزانة الأميركية أن سوريا لم تعد خاضعة للمحظورات المرتبطة بـ"لوائح عقوبات حكومات قائمة الإرهاب". وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الخطوة ستساعد على تشجيع مزيد من الاستثمار في سوريا ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ولا يتوقع أن يحدث القرار تحولاً فورياً في تدفقات الاستثمار أو العلاقات المصرفية، لأن المؤسسات المالية والشركات تحتاج إلى وقت لتحديث سياساتها وإعادة بناء علاقات انقطعت سنوات. لكن أهمية الخطوة تأتي من موقعها ضمن مسار متواصل ينقل سوريا تدريجياً من دولة محاطة بالعقوبات والتصنيفات الاستثنائية إلى دولة تستعيد علاقاتها السياسية والاقتصادية الطبيعية مع الخارج.

تصنيف تجاوز أثره العقوبات المباشرة

حمل تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب وزناً أكبر من مجموعة محددة من القيود. فقد التصق باسم الدولة منذ أواخر 1979، وكان أحد أبرز العناوين القانونية والسياسية لعلاقتها المتوترة مع الولايات المتحدة، حتى بعدما بدأت واشنطن في 2025 تفكيك منظومة العقوبات الاقتصادية الأوسع.

وفي 30 يونيو 2025 أصدر الرئيس دونالد ترمب أمراً تنفيذياً ألغى ستة أوامر تنفيذية شكلت أساس برنامج العقوبات الشامل على سوريا، ودخل القرار حيز التنفيذ في الأول من يوليو. وأبقت واشنطن عقوبات مستهدفة على بشار الأسد ومقربين منه وعلى جهات مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان وتجارة الكبتاغون وانتشار الأسلحة والتنظيمات الإرهابية وإيران ووكلائها.

وجاءت خطوة أخرى في 18 ديسمبر 2025 عندما وقع ترمب تشريعاً ألغى "قانون قيصر"، منهياً خطر العقوبات الإلزامية التي كان يمكن أن تطال جهات أجنبية تتعامل مع الحكومة السورية أو تنخرط في قطاعات سورية تشمل البنية التحتية والطاقة.

وبذلك يأتي رفع تصنيف الإرهاب لاستكمال جانب رئيسي من هذا التحول، بعدما كان التصنيف قد بقي قائماً رغم إزالة معظم العقوبات الاقتصادية الشاملة.

مسار متكامل لفك العزلة

التطور الأميركي يلتقي مع مسار أوروبي موازٍ. وفي مايو 2025 رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية على سوريا، مع الإبقاء على عقوبات أمنية وتدابير مستهدفة ضد أفراد وكيانات مرتبطة بالنظام السابق. وفي مايو 2026 أعاد الاتحاد التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا، بعدما ظلت بعض أحكامه معلقة منذ 2011.

وتظهر أهمية هذه الخطوات عند النظر إليها مجتمعة، ففي فترة تقل عن عامين انتقلت سوريا من بيئة تقيّد التجارة والاستثمار والتحويلات إلى إطار أكثر انفتاحاً يسمح بإعادة بناء الروابط مع الاقتصاد العالمي.

ويمطوي تصنيف الإرهاب على دلالة خاصة ضمن هذا المسار، لأنه يتعلق بصورة الدولة وموقعها القانوني والسياسي في التعامل الأميركي معها. وهو يشطل لذلك مؤشراً جديدأً إلى أن عملية إعادة سوريا إلى العلاقات الطبيعية مع المجتمع الدولي أصبحت أكثر اتساعاً ورسوخاً.

واقع جديد أمام المصارف

يعتبر هذا القرار ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى القطاع المصرفي، فقد ظلت المصارف الدولية شديدة الحذر في التعامل مع سوريا نتيجة سنوات طويلة من العقوبات والتصنيفات، حتى عندما بدأت العقوبات الاخرى والقيود القانونية بالانحسار.

وكانت الولايات المتحدة قد سمحت منذ يوليو 2025 للمؤسسات المالية الأميركية بإقامة علاقات مع المصارف السورية، بما فيها المصرف المركزي، وإجراء المدفوعات وفتح علاقات مراسلة، شرط عدم إشراك أطراف مدرجة على قوائم العقوبات. ويزيل القرار الجديد طبقة إضافية من المخاطر التي كانت مرتبطة بتصنيف الدولة نفسها.

ومع الوقت، يمكن أن يساعد ذلك على توسيع العلاقات بين المصارف السورية والمصارف المراسلة، وتسهيل التحويلات والاعتمادات المستندية وتمويل التجارة، وتحسين قدرة الشركات على تحريك الأموال عبر الحدود.

ويتقاطع ذلك مع مسار داخلي تعمل سوريا عليه لتحديث أنظمة المدفوعات، وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. فكلما تقدمت هذه الإصلاحات، ازدادت قدرة الاقتصاد السوري على الاستفادة من انحسار القيود الخارجية.

إشارة قوية للشركات والاستثمار

بالنسبة إلى الشركات الأجنبية، تعتمد قرارات الاستثمار على النظرة العامة إلى الدولة وعلى تقييم المصارف وشركات التأمين ومجالس الإدارات للمخاطر السياسية والقانونية.

لذلك يوفر القرار إشارة إضافية إلى أن التعامل مع سوريا يتحول تدريجياً إلى نشاط اقتصادي طبيعي،  وهو يأتي بعدما بدأت بالفعل استثمارات واتفاقات أجنبية في قطاعات المرافئ والطاقة والاتصالات والبنية التحتية، في إشارة مهمة إلى أن عودة رأس المال بدأت قبل اكتمال إزالة جميع القيود.

ومن شأن وضوح المسار الأميركي والأوروبي أن يشجع دائرة أوسع من الشركات والمؤسسات المالية على إعادة تقييم السوق السورية وفرصها.

سوريا تقترب من وضع الدولة الطبيعية

تكمن الدلالة الأوسع للقرار في تغير الاتجاه الذي حكم علاقة سوريا بالاقتصاد العالمي لعقود. وبعد سنوات كانت القرارات الجديدة خلالها تضيف مزيداً من القيود، أصبحت التطورات منذ 2025 تسير في الاتجاه المعاكس نتيجة رفع العقوبات الاقتصادية، إلغاء "قانون قيصر"، استعادة الاتفاقات الدولية، والآن إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب.

قد يحتاج انعكاس هذه التحولات على الاستثمار والتمويل والتجارة إلى وقت كي يظهر بكامل حجمه، لكن الإطار الذي تعمل ضمنه سوريا تغير بصورة جوهرية.

ويمثل رفع تصنيف الإرهاب خطوة كبيرة أخرى في مسار متواصل يعيد سوريا تدريجياً إلى موقع الدولة الطبيعية في تعاملها مع المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي.