تراجع أرباح شركات قطر يخفي قدرة واسعة على امتصاص تداعيات الحرب
تراجع أرباح شركات قطر يخفي قدرة واسعة على امتصاص تداعيات الحرب
-
الاقتصاد والأعمال
أظهرت نتائج الشركات المدرجة في بورصة قطر خلال النصف الأول من عام 2026 تراجع صافي الأرباح الإجمالية، لكن توزيع هذا الانخفاض بين القطاعات يقدم صورة أكثر تماسكاً عن أداء الشركات القطرية مما يوحي به الرقم المجمع.
فقد تركز الجزء الأكبر من التراجع في القطاع الصناعي، الذي تعرض خلال الأشهر الأولى من العام لظروف استثنائية فرضتها حرب إيران وما رافقها من توقفات في بعض خطوط الإنتاج واضطرابات في الشحن والخدمات اللوجستية، فيما حافظت قطاعات رئيسية أخرى، وفي مقدمها البنوك، على مستويات ربحية قوية.
وبحسب بورصة قطر، بلغت الأرباح الصافية للشركات المدرجة في السوق الرئيسية، باستثناء الشركات التي تختلف سنتها المالية أو تأخر إفصاحها، نحو 23.63 مليار ريال في النصف الأول من 2026، مقارنة بنحو 26.66 مليار ريال في الفترة نفسها من 2025، بانخفاض 11.37 في المئة. وكان التراجع محدوداً نسبياً في الربع الأول عند 3.29 في المئة، إذ بلغت الأرباح 12.76 مليار ريال مقابل 13.19 مليار ريال قبل عام، قبل أن يظهر الأثر الأكبر خلال الربع الثاني.
هذا المسار الزمني مهم لفهم النتائج. فالربع الأول تزامن مع بدء انعكاسات الحرب على العمليات الصناعية في مارس، بينما حمل الربع الثاني الأثر الكامل تقريباً للتوقفات والقيود التي أصابت الإنتاج والنقل والتصدير. ولذلك يصعب التعامل مع نتائج الأشهر الستة باعتبارها مؤشراً على تراجع هيكلي في ربحية الشركات المدرجة أو ضعف واسع في النشاط الاقتصادي.
الصناعة تحمل العبء الأكبر
توضح الأرقام القطاعية أن الصناعة كانت مصدر القسم الأكبر من انخفاض أرباح السوق. وتشير البيانات المجمعة إلى تراجع أرباح القطاع الصناعي من نحو 4.64 مليارات ريال في النصف الأول من 2025 إلى نحو 1.79 مليار ريال في الفترة نفسها من 2026، أي بانخفاض يقارب 2.85 مليار ريال.

وبالمقارنة مع الانخفاض الإجمالي البالغ نحو 3.03 مليارات ريال في أرباح الشركات المدرجة، يكون القطاع الصناعي قد ساهم وحده بنحو 94 في المئة من التراجع. وهذه النسبة تختصر إلى حد بعيد طبيعة نتائج النصف الأول، إذ بقيت الخسارة في الأرباح مركزة بدرجة كبيرة في مجموعة محدودة من الشركات الصناعية الثقيلة.
وكانت "صناعات قطر" المثال الأبرز. فقد انخفض صافي ربح الشركة إلى نحو 216 مليون ريال في النصف الأول من 2026، مقارنة بنحو 1.96 مليار ريال في الفترة نفسها من 2025. وكانت الشركة قد حققت 734 مليون ريال في الربع الأول، ما يدل على أن الجزء الأكبر من التراجع وقع خلال الربع الثاني.

لكن هذا الانخفاض جاء في ظروف تشغيلية غير اعتيادية. ففي 3 مارس أعلنت "صناعات قطر" وقف أو خفض إنتاج بعض منتجات المجموعة على خلفية الحرب، قبل أن تظهر انعكاسات ذلك في أحجام الإنتاج والمبيعات. كما أشارت الشركة في نتائج الربع الأول إلى اضطراب الشحن والخدمات اللوجستية المرتبط بالنزاع الإقليمي، في وقت أسهمت اختناقات الإمداد في رفع أسعار بيع بعض المنتجات.
ميزانية قوية في مواجهة توقف الإنتاج
وتظهر قوة "صناعات قطر" بصورة أوضح عند النظر إلى الميزانية وليس إلى صافي الربح فقط. ففي نهاية مارس 2026 امتلكت المجموعة أرصدة نقدية ومصرفية بلغت نحو 8.5 مليارات ريال، حتى بعد توزيع نحو 2.7 مليار ريال أرباحاً نقدية عن النصف الثاني من 2025 وإنفاق نحو 400 مليون ريال على النفقات الرأسمالية الاعتيادية. وبلغ إجمالي أصولها 40.7 مليار ريال، فيما وصلت حقوق الملكية إلى 35.9 مليار ريال، بما يعادل نحو 88 في المئة من إجمالي الأصول.

تعطي هذه الأرقام بعداً مختلفاً لنتائج الشركة. فالضرر الذي ظهر في قائمة الدخل كان كبيراً، لكنه وقع على شركة تتمتع بمستوى مرتفع من السيولة ورأس المال، وهو ما يمنحها قدرة على تحمل فترات التعطل المؤقت وتمويل الإنفاق الرأسمالي والمحافظة على عملياتها إلى أن تعود معدلات الإنتاج والتصدير إلى مستويات أكثر طبيعية.
البنوك تحافظ على قاعدة الأرباح
في الجهة المقابلة، قدم القطاع المصرفي دعماً رئيسياً لأرباح السوق. فقد بقيت أرباح البنوك والخدمات المالية في النصف الأول قريبة من 15.1 مليار ريال، أي شبه مستقرة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وأصبحت البنوك تمثل نحو 70 في المئة من أرباح الشركات المدرجة خلال الربع الثاني.

وتبرز نتائج بنك قطر الزطني في هذا السياق. فقد حققت المجموعة صافي ربح بلغ 8.7 مليارات ريال في الأشهر الستة الأولى من 2026، بزيادة 3 في المئة على أساس سنوي، في حين ارتفع الدخل التشغيلي 11 في المئة إلى 24.1 مليار ريال. كما زادت الأصول 6 في المئة إلى 1.438 تريليون ريال، والقروض والسلف 8 في المئة إلى 1.042 تريليون ريال، فيما ارتفعت ودائع العملاء 4 في المئة إلى 973 مليار ريال.
وتظهر مؤشرات رأس المال والسيولة مستوى إضافياً من القدرة على امتصاص الصدمات، مع وصول نسبة كفاية رأس المال لدى المجموعة إلى 19.8 في المئة ونسبة تغطية السيولة إلى 145 في المئة في نهاية يونيو.
وتؤكد قوة البنوك في فترة شهدت اضطرابات إقليمية واسعة أن انعكاسات الحرب لم تنتقل بصورة ملموسة إلى النظام المالي أو النشاط الائتماني. كما أن استمرار نمو القروض والودائع والأصول يعطي مؤشراً على بقاء الدورة المصرفية المحلية والدولية للمجموعة نشطة خلال النصف الأول.
قطاعات أخرى حافظت على توازنها
بقيت أرباح قطاع الاتصالات في النصف الأول قريبة من مستويات العام السابق، رغم تأثر صافي أرباح بعض الشركات ببنود غير متكررة. كما بقي قطاع التأمين شبه مستقر، بينما ارتفعت أرباح قطاع الخدمات والسلع الاستهلاكية بنحو 6 في المئة بحسب تجميع النتائج الفصلية.
وسجل قطاعا العقارات والنقل تراجعات أكثر وضوحاً، لكنها بقيت محدودة نسبياً مقارنة بما حدث في الصناعة، ولم تكن كافية لتغيير الصورة العامة لأداء السوق.
ويعني هذا التوزيع أن الحرب لم تنتج صدمة متزامنة في الإيرادات والأرباح عبر جميع القطاعات. فقد تحملت الشركات التي تعتمد مباشرة على الإنتاج الصناعي والتصدير والشحن العبء الأكبر، فيما واصلت قطاعات ترتبط بدرجة أكبر بالطلب المحلي والخدمات المالية والاتصالات تحقيق أرباح مستقرة نسبياً.
قوة الميزانيات تعزز المرونة
تحمل نتائج النصف الأول دلالة تتعدى معدل نمو الأرباح نفسه. فقد تعرضت الشركات القطرية المدرجة خلال فترة قصيرة لاضطراب خارجي شديد أصاب خطوط النقل والتوريد وبعض العمليات الصناعية، ومع ذلك بقي إجمالي أرباح السوق فوق 23.6 مليار ريال خلال ستة أشهر.
كما أن الجزء الأكبر من الانخفاض جاء من شركات ذات مراكز مالية قوية وقواعد أصول كبيرة، ما يقلل من مخاطر تحول الخسائر التشغيلية المؤقتة إلى ضغوط مالية طويلة الأجل، إذا استقرت ظروف الإنتاج والتجارة.
وتشير حالة "صناعات قطر" بصورة خاصة إلى هذا الفارق. فالشركة دخلت الأزمة بأرصدة نقدية كبيرة ومستوى مرتفع جداً من حقوق الملكية قياساً إلى الأصول، بعدما أنهت 2025 بصافي ربح بلغ 4.3 مليارات ريال ووزعت على مساهميها أرباحاً نقدية كبيرة.
لذلك، فإن نتائج 2026 حتى الآن تعبر بدرجة كبيرة عن تكلفة توقف الإنتاج واضطراب الشحن خلال الحرب، أكثر مما تعبر عن ضعف مالي داخل الشركات الصناعية نفسها.
النصف الثاني قد يقدم صورة مختلفة
سيكون أداء النصف الثاني مرتبطاً بصورة أساسية بسرعة عودة القدرات الصناعية إلى مستويات التشغيل المعتادة وانتظام حركة الشحن وسلاسل الإمداد. وإذا تراجعت آثار التوقفات الاستثنائية، فإن المقارنة الفصلية قد تتحسن حتى في ظل استمرار الضغوط المعتادة التي تواجه الصناعات البتروكيماوية عالمياً، مثل تقلب الأسعار وزيادة الطاقة الإنتاجية والمنافسة في الأسواق الآسيوية.
كما أن قاعدة الأرباح التي توفرها البنوك والاتصالات والخدمات تمنح سوق الشركات المدرجة درجة من التنويع تحد من أثر الاضطرابات التي تضرب قطاعاً منفرداً.
وعليه، يمكن النظر إلى تراجع أرباح الشركات المدرجة بنسبة 11.37 في المئة خلال النصف الأول باعتباره رقماً يعكس بصورة كبيرة تكلفة ظرف استثنائي مر به القطاع الصناعي. وفي المقابل، أظهرت النتائج قدرة بقية القطاعات على المحافظة على قاعدة أرباح قوية.
الأكثر قراءة
-
"إي آند" توسع أعمالها الدولية وترفع الإيرادات 12 في المئة... والسيولة تستعد لقفزة بعد بيع "فودافون"
-
"لوبريف" تُحول تقلبات السوق إلى أرباح قياسية وتدفقات نقدية قوية
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات

