الزراعة السورية... إصلاحات تعيد ربط الإنتاج بالتصنيع والأسواق.

  • 2026-07-24
  • 11:35

الزراعة السورية... إصلاحات تعيد ربط الإنتاج بالتصنيع والأسواق.

  • الاقتصاد والأعمال

كشف وزير الزراعة السوري باسل السويدان، خلال اجتماعه مع العاملين في القطاع الزراعي في محافظة الرقة، أن مشكلات الزراعة السورية تتجاوز تراجع المحاصيل ونقص المياه. فقد تحدث عن قوانين قديمة أعاقت تطور القطاع، وسياسات حصرت استيراد المستلزمات الزراعية في أيدي فئة محدودة، ما رفع أسعارها وأضعف جودتها، وعن حاجة الوزارة إلى إعادة هيكلة مؤسساتها الإنتاجية وتطوير قوانين الاستثمار وفتح أسواق خارجية أمام المنتجات السورية.

تضع هذه التصريحات اليد على جوهر الأزمة. فسوريا تعاني من ضعف قدرتها على إنتاج القمح والقطن والخضار والفاكهة، وعلى تحويل ما تنتجه إلى غذاء يصل إلى المستهلك، ودخل يعود إلى المزارع، ومواد أولية تدخل المصانع، وسلع قابلة للتصدير.

وقد ينجح المزارع في زيادة محصوله، ثم يبيع بسعر منخفض بسبب حاجته إلى السيولة أو غياب التخزين والنقل المبرد. وقد تبقى أسعار الغذاء مرتفعة في المدن في الوقت نفسه، لأن كلفة الوقود والتلف وتعدد الوسطاء وضعف المنافسة تستهلك الفرق بين سعر المزرعة وسعر التجزئة. لذلك يبدأ إصلاح الزراعة قبل وصول البذور إلى الأرض، ويستمر بعد خروج المحصول منها.

أزمة أوسع من الجفاف

دخل القطاع الزراعي المرحلة الجديدة بعد سنوات من تضرر شبكات الري والطرق والصوامع ومراكز البحوث والخدمات الزراعية، وارتفاع كلفة الوقود والأسمدة والبذور والآلات والنقل. ثم جاء موسم 2024-2025 بأمطار تقل بأكثر من النصف عن المتوسط الطويل الأجل، ما أدى إلى واحدة من أشد موجات الجفاف التي واجهتها البلاد منذ عقود.

وقدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" إنتاج الحبوب السورية في 2025 بنحو 1.2 مليون طن، بانخفاض يتجاوز 60 في المئة عن المتوسط. وتوقعت أن تصل احتياجات استيراد القمح في موسم 2025-2026 إلى ثلاثة ملايين طن، أي أعلى بنحو 70 في المئة من متوسط الأعوام الخمسة السابقة.

تشير هذه الأرقام إلى أن تراجع الزراعة تحول إلى عبء مباشر على ميزان المدفوعات والأمن الغذائي. فكل طن من القمح لا تنتجه البلاد يحتاج إلى تمويل واستيراد ونقل، في وقت تعاني فيه الدولة والقطاع الخاص صعوبة الحصول على العملات الأجنبية وتمويل التجارة.

لكن رد الأزمة إلى الجفاف وحده يحجب الخلل الاقتصادي. فقد أشارت "الفاو" إلى أن المساحات المزروعة بمحاصيل 2026 بقيت محدودة أيضاً بسبب ارتفاع كلفة البذور والوقود والأسمدة والعمالة والنقل.  

المزارع يمول الموسم ويتحمل المخاطر

يدفع المزارع ثمن البذور والأسمدة والمبيدات والوقود وأجور العمال قبل أشهر من بيع المحصول. وفي غياب قروض موسمية ميسرة وتأمين زراعي فعال، يضطر بعض المنتجين إلى تقليص المساحات أو استخدام كميات أقل من المدخلات، بينما يلجأ آخرون إلى تجار يمولون الموسم مقابل شراء المحصول مسبقاً بشروط تميل لمصلحة الممول.

 ويحمّل هذا النمط المزارع الجزء الأكبر من المخاطر.. فهو يتحمل الجفاف والمرض وتقلب الإنتاج والأسعار، ثم يحصل في كثير من الحالات على الحصة الأصغر من السعر النهائي. ولهذا لا تتحول زيادة أسعار الغذاء في الأسواق أن ألى تحسن موازٍ في دخل المزارع.

يتطلب تغيير هذه المعادلة تمويلاً مرتبطاً بالدورة الزراعية، وضمانات مناسبة لصغار المزارعين، وتأميناً ضد الجفاف والحرائق والأمراض، إلى جانب إعلان أسعار شراء المحاصيل الاستراتيجية وشروط التسليم قبل بداية الموسم. فقرار زراعة القمح أو القطن يتخذ عند شراء البذور وتجهيز الأرض، وليس عند وصول الشاحنات إلى مراكز الاستلام.

كما يحتاج السوق إلى معلومات متاحة عن الأسعار والكميات والطلب. فضعف البيانات يمنح الوسطاء قدرة أكبر على تحديد الأسعار، ويمنع المزارع من معرفة حاجات المصانع والأسواق قبل اختيار المحصول.

زيادة الإنتاج قد تخفض دخل المزارع

تظهر المشكلة بصورة أوضح في الخضار والفاكهة. فعندما تصل كميات كبيرة من الطماطم أو البطاطا أو الفاكهة إلى السوق خلال فترة قصيرة، ينخفض السعر في مناطق الإنتاج. ومن دون تخزين مبرد أو مصانع للتجفيف والعصائر والتعليب، يضطر المزارع إلى البيع سريعاً، وقد يتلف جزء من المحصول قبل وصوله إلى المستهلك.

لا يمثل ذلك فائضاً دائماً في الغذاء، وإنما فائضاً مؤقتاً يعجز الاقتصاد عن تخزينه أو تصنيعه. وبعد انتهاء الموسم تنخفض الكميات وترتفع الأسعار من جديد. ويخسر المزارع في مرحلة الوفرة، ثم يدفع المستهلك سعراً أعلى في مرحلة الندرة.

لهذا تشكل مراكز التجميع والتبريد والفرز والتوضيب جزءاً من الإنتاج الزراعي اقتصادياً، حتى لو كانت تقع خارج الحقل. فرفع إنتاجية الهكتار لا يحقق أثره الكامل عندما يتلف جانب من المحصول أو يباع بأقل من كلفته.

 وتختلف حلقات المعالجة باختلاف المحصول. فالحبوب تمر عبر مراكز الشراء والصوامع والمطاحن، والقطن عبر المحالج ومصانع الغزل والنسيج، فيما يتطلب الحليب جمعاً سريعاً وتبريداً قبل التصنيع. أما تصدير الزيتون والفاكهة والخضار، فيرتبط بالفرز والتعبئة والفحوص وشهادات الجودة وانتظام النقل عبر الحدود.

علاقة أكثر اسقرارا بين المزارع والمُصنع

تكمن إحدى أهم فرص الزراعة السورية في زيادة العائد المتولد من كل طن، بدلاً من التركيز على المساحات والكميات وحدها. فالطماطم التي تباع خاماً في ذروة الموسم تحقق عائداً مختلفاً عن الطماطم التي تدخل في إنتاج المعجون أو التجفيف أو التعليب. وينطبق الأمر على الزيتون والفاكهة والحليب والقطن والأعلاف.

يطيل التصنيع عمر المنتج، ويوسع الأسواق الممكنة، ويخفض الفاقد، ويوفر وظائف في المصانع والنقل والتعبئة والمختبرات والتوزيع. كما يساعد على إحلال منتجات محلية مكان واردات غذائية وصناعية مصنعة من مواد أولية يمكن إنتاجها محلياً.

ويحتاج هذا التحول إلى علاقة أكثر استقراراً بين المزارع والمُصنع. ويمكن للزراعة التعاقدية أن تحدد قبل الموسم المحصول والكميات والمواصفات وطريقة احتساب السعر. وبذلك يحصل المصنع على إمدادات معروفة، ويحصل المزارع على سوق واضحة، مع ضرورة وجود عقود قابلة للتنفيذ تمنع تحميل المنتج الصغير معظم المخاطر.

إصلاح القطاع يتطلب سياسة متكاملة

أطلقت وزارة الزراعة في فبراير 2026، بدعم من وزارة الخارجية والتنمية البريطانية و"الفاو"، الاستراتيجية الوطنية للزراعة للفترة 2026-2030. وتهدف الاستراتيجية، وفق المنظمة، إلى وضع مسار يستند إلى البيانات لاستعادة سبل العيش الزراعية، ورفع قدرة القطاع على مواجهة الصدمات، وتطوير النظام الزراعي الغذائي. وشارك في المشاورات ممثلون عن الوزارات ومديريات الزراعة والقطاع الخاص والجهات المانحة والمنظمات الدولية.

تأتي أهمية هذا المسار من جمعه بين إصلاح المؤسسات والإنتاج والأسواق والاستثمار. فالقطاع لا يحتاج إلى برنامج منفصل للبذور وآخر للري وثالث للتصدير، بقدر ما يحتاج إلى تحديد العلاقة بين هذه الحلقات ومصادر تمويلها والجهات المسؤولة عنها.

وتعمل "الفاو" بالتوازي على تدخلات أكثر إلحاحاً. فقد تلقت في مايو 2026 خمسة ملايين دولار من صندوق التمويل الإنساني لسوريا لتوفير مدخلات للمزارعين والرعاة الأكثر تعرضاً للخطر في الحسكة والرقة ودير الزور، بهدف منع تآكل قدرتهم على الإنتاج. كما أظهر تقييم المرحلة الأولى من مشروع "تعزيز الصمود المحلي في سوريا" تحسناً في الأمن الغذائي وسبل العيش الزراعية لدى مستفيدين في ست محافظات.

تساعد هذه البرامج على حماية موسم أو إبقاء أسرة ريفية في نشاطها، بينما يتطلب التعافي الأوسع إلى سوق تمويل وتأمين وإلى شبكات ري وتخزين وتصنيع.  لذلك سيعتمد نجاح الاستراتيجية على قدرتها على تحويل الدراسات والاحتياجات المحددة إلى مشروعات تحصل على التمويل وتدخل مرحلة التنفيذ، مع توزيع واضح للأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والتعاونيات والمنظمات الدولية.

اهتمام سعودي وإماراتي بالحلقات المفقودة

تعكس مذكرات التفاهم الموقعة حديثاً مع مجموعات سعودية وإماراتية اهتماماً خارجياً متزايداً بالزراعة والصناعات الغذائية. وتكتسب بعض هذه المذكرات أهميتها من توجهها إلى ربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق، مع بقاء معظمها في مراحل الدراسة أو الإعداد.

ففي الثامن من يوليو 2026، وقع الصندوق السيادي السوري مذكرة تفاهم مع مجموعة المهيدب السعودية لدراسة وتطوير فرص استثمارية في الصناعات الغذائية، تشمل تربية الأبقار وإنتاج الحليب والأجبان ومشتقاته. ويشير المصدر إلى تعاون محتمل مع شركة أوروبية متخصصة في صناعة الألبان، من دون الإعلان عن قيمة استثمارية أو جدول زمني للتنفيذ.

وفي مارس 2026، وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة مذكرة مع شركة "كينغدوم ديزاين" السعودية لإعادة تأهيل وتشغيل أصول حكومية مرتبطة بحلج القطن وغزله ونسجه، وإطلاق تعاونيات زراعية حديثة. كما أجرت الشركة مباحثات منفصلة مع وزارة الزراعة حول إنتاج القطن وتصنيعه وتسويقه.

وفي أبريل، وقعت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية مذكرة مع شركة "سامي روك" السعودية لدراسة استخدام السجيل الزيتي والفوسفات في إنتاج سماد فوسفات ثنائي الأمونيوم. وفي يونيو، ناقش الطرفان المسح الجيولوجي وتحديد موقع المعمل وإعداد الدراسات الفنية والاستثمارية، ما يؤكد أن المشروع ما زال في المرحلة التحضيرية.

وعلى الجانب الإماراتي، وقعت وزارة الزراعة في 23 يونيو اتفاقيتين مع مجموعة "سلال". تتضمن الأولى دراسة مواقع لمشروعات زراعية، وتنفيذ برامج للزراعة التعاقدية، وإنشاء مراكز لفرز المنتجات وتوضيبها وتسويقها. وترتبط الثانية بخطة لتصدير ثلاثة آلاف طن من البطاطا كدفعة أولى عبر شركة البكراوي.

وفي السادس من يوليو، وقعت وزارة الزراعة مذكرة تفاهم مع مجموعة "مير" الإماراتية وشركة "حلول" للتقنيات والخدمات الزراعية لتطوير مشروع في الأمن الغذائي والإنتاج والتسويق والتصدير. وتنص المذكرة على استخدام الزراعة التعاقدية والتقنيات الرقمية، وإنشاء أربعة مراكز في المناطق الساحلية والوسطى والجنوبية والشرقية لإعداد المنتجات وتوضيبها للتصدير.

تكشف هذه التفاهمات اتجاهاً مهماً نحو الاستثمار في الصناعات الغذائية والأسمدة والقطن والتعبئة والتصدير. لكنها لا تكفي بعد للحديث عن تدفقات استثمارية واسعة، لأن معظم المشروعات لم تعلن تمويلها أو طاقتها الإنتاجية أو مواعيد تشغيلها. وتبقى دلالتها الأساسية في وجود اهتمام خارجي بأجزاء من المنظومة الزراعية، وفي نوع المشروعات المطروحة، لا في نتائج اقتصادية تحققت فعلياً.

من الرقة إلى الاقتصاد السوري

يبدأ التحول الذي تحدث عنه وزير الزراعة في الرقة بتحديث القوانين وفتح سوق المستلزمات أمام منافسة منظمة، لكنه يمتد إلى التمويل والمياه والنقل والتخزين والتصنيع. فإلغاء الاحتكار من دون فحص ورقابة قد يستبدل نقص المستلزمات بانتشار منتجات ذات جودة متدنية، وجذب المستثمرين من دون قواعد واضحة للأرض والمياه والعقود قد يضيف مشروعات غير مترابطة لا تغير أداء القطاع ككل.

وتملك سوريا أرضاً وخبرة زراعية وتنوعاً في المحاصيل وقرباً من أسواق عربية وإقليمية. أما العائق الاقتصادي الأبرز فيتمثل في ضعف الروابط بين هذه الموارد.  

لذلك لن يمكن تقييم تعافي الزراعة بمساحة الأرض المزروعة وحدها. المؤشرات الأهم هي انخفاض كلفة الإنتاج والفاقد، وارتفاع حصة المزارع من السعر النهائي، وزيادة الكميات التي تدخل التصنيع، وتراجع الحاجة إلى استيراد الغذاء، ونمو الصادرات التي تستوفي متطلبات الأسواق.

وإذا نجحت الحكومة في ربط هذه الحلقات ضمن سياسة واحدة، تستطيع الزراعة أن تتحول إلى مصدر للغذاء والدخل والتشغيل والعملات الأجنبية.