السعودية والصين في 2026...شراكة تتجاوز النفط والتجارة إلى بناء مصالح أوسع

  • 2026-09-17
  • 16:08

السعودية والصين في 2026...شراكة تتجاوز النفط والتجارة إلى بناء مصالح أوسع

  • توفيق سري الدين

قبل سنوات قليلة، كان اختصار العلاقة الاقتصادية بين السعودية والصين سهلاً. الصين هي أكبر مشترٍ للنفط السعودي، والمملكة هي سوق كبيرة للسلع الصينية. في 2026، لم يعد هذا التوصيف كافياً. أصبحت المصانع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والاستثمارات المتبادلة جميعها أجزاء من علاقة تتوسع خارج إطارها التجاري التقليدي.

تظهر الأرقام حجم القاعدة التي يقوم عليها هذا التحول في هذه العلاقة. بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 115 مليار دولار في 2025، فيما بلغ رصيد الاستثمارات الصينية في المملكة نحو 40 مليار ريال سعودي ( بحدود 10.7 مليار دولار)، بزيادة 27 في المئة خلال عام واحد. وتعمل في السعودية أكثر من 1,900 شركة صينية، بينها 43 شركة اتخذت المملكة مقراً إقليمياً لأعمالها. الصين هي الشريك التجاري الأول للسعودية، فيما تعد المملكة أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط.

الأهم من حجم العلاقة هو اتجاهها. الرسالة السعودية خلال معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة في سبتمبر 2026 كانت واضحة ومفادها أن المرحلة المقبلة تستهدف تعميق الاستثمار، وبناء صناعات جديدة، وتنويع سلاسل الإمداد، وتوطين التقنيات والقدرات.

من الاستيراد إلى التصنيع

يأتي أوضح الأمثلة من شركة "لينوفو". ففي أغسطس 2026، كشفت الشركة عن أول حاسوب محمول جرى تصنيعه في السعودية، على أن يبدأ الإنتاج الكمي لعدد من المنتجات في وقت لاحق من العام. ايمثل المصنع في الرياض أحد نماذج الشراكة بين "لينوفو" وشركة "آلات" التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي تضمنت استثماراً بقيمة ملياري دولار.

وهذا المصنع مصمم لإنتاج ملايين أجهزة الحاسوب والخوادم، وخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا. أهميته هي أنه يمثل نموذجاً لما تبحث عنه المملكة من العلاقة مع الصين وهو نقل جزء من القدرة الصناعية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا إلى داخل الاقتصاد السعودي، بدلاً من الاكتفاء باستيراد المنتج النهائي.

 إلى ذلك، يفسر هذا الاستثمار الصيني في المملكة اهتمام الرياض المتزايد بالشركات الصينية في الصناعة المتقدمة والسيارات الكهربائية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. ما كان في السابق علاقة بين سوق ومُورّد يتحول تدريجياً إلى شبكة من الاستثمارات والأصول المشتركة.

النفط يبقى أساساً.. لكن النموذج يتغير

لا يزال النفط في قلب العلاقة، إلا أن التعاون في الطاقة لم يعد مقتصراً على تصدير الخام السعودي إلى الصين.

عملت "أرامكو السعودية" خلال السنوات الماضية على بناء استثمارات طويلة الأجل في قطاع التكرير والبتروكيماويات الصيني، وربط توريد النفط بأصول صناعية داخل الصين. وفي المقابل، تتوسع الشراكات مع الشركات الصينية داخل السعودية، بما في ذلك استثمارات في التكرير والبتروكيماويات.

تغير هذه الاستثمارات طبيعة العلاقة. فبدلاً من بائع ومشترٍ يتعاملان وفق أسعار السوق اليومية، تظهر مصالح مرتبطة بقدرات إنتاجية ورؤوس أموال وسلاسل توريد طويلة الأجل. وهذا يمنح الطاقة دوراً يتجاوز التجارة ليصبح جسراً للاستثمار الصناعي بين الاقتصادين.

التكنولوجيا تدخل قلب العلاقة

المجال الآخر الذي يكشف التحول هو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.  فالسعودية تستثمر بقوة في مراكز البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، بينما تمتلك الصين قاعدة واسعة من شركات التكنولوجيا والإلكترونيات والاتصالات والروبوتات والتطبيقات الصناعية. لذلك تبدو فرص التعاون كبيرة، خصوصاً مع سعي الرياض إلى توطين مزيد من التقنيات وبناء قاعدة إنتاج رقمية وصناعية محلية.

وفي يوليو من عام 2026، تناولت مباحثات وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي عبدالله السواحه في بكين التعاون في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ونقل التكنولوجيا والفضاء والتقنيات الناشئة.

لكن هذا هو أيضاً الملف الأكثر حساسية. المنافسة بين واشنطن وبكين تمتد إلى الرقائق المتقدمة والحوسبة ومراكز البيانات والاتصالات والذكاء الاصطناعي. لذلك سيكون على السعودية الموازنة بين الاستفادة من الشركات الأميركية والصينية وغيرها، وبين المحافظة على قابلية تشغيل منظوماتها التقنية وعدم بناء اعتماد كبير على مصدر واحد ومراعاة المحظورات الكبرى بين واشنطن وبكين.

 

الصين توسع الخيارات ولا تستبدل واشنطن

هذه النقطة ضرورية لفهم العلاقة في حجمها الصحيح. إن توسع الشراكة مع الصين لا يعني انتقال السعودية من المظلة الأميركية إلى مظلة صينية.

يقوم التعاون الأمني والعسكري والتكنولوجي والمالي مع الولايات المتحدة على علاقات متراكمة منذ عقود، فيما تضيف الصين خيارات جديدة في الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والأسواق. وحتى التعاون الدفاعي السعودي-الصيني يبقى حتى الآن جزءاً من علاقة أوسع لتنويع الشراكات، وليس مؤشراً كافياً على تغيير في البنية الأمنية للمملكة.

 تكمن القيمة الأساسية للصين، من المنظور السعودي، في توسيع قاعدة الشركاء والمصادر المتاحة للمملكة في التكنولوجيا والاستثمار والتصنيع والأسواق، بما يمنحها مرونة أكبر في علاقاتها الدولية وتنفيذ خططها الاقتصادية.  

اليوان ضمن هذا التنويع

تنطبق الفكرة نفسها على العملات. اتفاقية مبادلة العملات بين البنك المركزي السعودي وبنك الشعب الصيني، التي يبلغ سقفها 50 مليار يوان، توفر بنية تساعد على توسيع استخدام العملتين في المبادلات الثنائية.

لكن هذا يختلف عن الحديث عن انتقال واسع لتسعير النفط السعودي باليوان. لا تتوافر حتى الآن بيانات رسمية تسمح بالذهاب إلى استنتاج بهذا الحجم.

الأدق أن ينظر إلى اليوان كأداة إضافية يمكن أن تنمو أهميتها مع زيادة التجارة والاستثمار، إلى جانب الدولار وليس بالضرورة على حسابه.

علاقة تبنى على المدى الطويل

حتى التعليم أصبح جزءاً من هذا المسار. السعودية توسع تدريس اللغة الصينية في مدارسها وتبتعث معلمين للتدريب في الصين. قد تبدوهذه الخطوات صغيرة مقارنة بمليارات الدولارات من التجارة والاستثمار، لكنها تشير إلى أن الرياض تنظر إلى العلاقة باعتبارها طويلة الأجل، وتعمل على بناء رأس مال بشري قادر على التعامل مع الاقتصاد الصيني مباشرة.

وتظهر كل هذه التطورات أن نطاق العلاقة في عام 2026 أصبح أوسع بكثير من النفط والتجارة. الصين أصبحت شريكاً في التصنيع والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد، فيما تعمل السعودية على تحويل حجم سوقها ورأس مالها وموقعها إلى قدرات إنتاجية داخلية.

 تزداد قيمة العلاقة السعودية-الصينية بقدر ما تسهم في توسيع قدرة المملكة على التصنيع وتوطين التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق وبناء سلاسل قيمة جديدة. ومع اتساع هذه المجالات، تتقدم العلاقة تدريجياً من تبادل السلع إلى بناء مصالح وقدرات مشتركة أكثر عمقاً واستدامة.