ما قصة صعود الشركات الناشئة "المليارية" في الخليج؟

  • 2026-09-17
  • 16:19

ما قصة صعود الشركات الناشئة "المليارية" في الخليج؟

  • كتب فيصل أبوزكي

قبل سنوات قليلة، كان وصول شركة ناشئة خليجية إلى قيمة مليار دولار حدثاً استثنائياً. أما اليوم فيمكن تحديد ما لا يقل عن عشر شركات خاصة تنطبق عليها، وفق معيار محدد، صفة الشركات الناشئة "المليارية" (Unicorns) ويشترط هذا المعيار، الذي اختارته "الاقتصاد والأعمال"، أن تكون الشركة مستقلة وغير مدرجة، ولها تقييم موثق بمليار دولار أو أكثر، وكان الخليج جزءاً أساسياً من نشأتها أو بناء أعمالها وقيمتها.

تضم القائمة "نون"، "تابي"، "تمارا"، "نينجا"، بنك "دي 360"، "بروبرتي فايندر"، "كيتوبي"، "دوبيزل غروب"، "إكسبانسيو" و"فاسيت". وتختلف هذه الشركات في أعمارها وقطاعاتها ونماذجها، وتتراوح قيمها من مليار دولار إلى قرابة 10 مليارات في حالة "نون"، فيما وصلت قيمة "تابي" إلى نحو 4.5 مليارات دولار و"بروبرتي فايندر" إلى نحو ملياري دولار وفق آخر التقييمات.

أهمية هذه الشركات في ما تخبره عن تطور بيئة الأعمال في الخليج. فصعودها يشير إلى أن المنطقة باتت تمتلك سوقاً واسعة، وانتشاراً متقدماً للخدمات والمدفوعات الرقمية، ورأس مال قادراً على تمويل النمو، وبيئة تنظيمية تستوعب نماذج أعمال جديدة، ومساحة أوسع للتوسع بين أسواق الخليج.

من حاجة موجودة إلى شركة كبيرة

يختلف مسار الشركات العشر، لكن معظمها بدأ من اكتشاف حاجة قائمة في السوق ثم استخدام التكنولوجيا لتقديمها بطريقة أسرع أو أكثر كفاءة.

استفادت "تابي" و"تمارا" من توسع التجارة الإلكترونية وتغير أنماط الدفع لتطوير نموذج "اشتر الآن وادفع لاحقاً"، قبل توسيع نطاقهما نحو خدمات مالية أخرى. ووصلت "تمارا" إلى تقييم مليار دولار في نهاية 2023 بعد جولة تمويل بقيمة 340 مليون دولار، مع توجهها إلى توسيع خدماتها في التسوق والمدفوعات والخدمات المصرفية.

وبنت "بروبرتي فايندر" و"دوبيزل غروب" منصات حول أسواق ضخمة قائمة أصلاً، من العقارات إلى السيارات والإعلانات المبوبة، وحولتا البحث والمقارنة والتعامل داخلها إلى تجربة رقمية قابلة للتوسع. وينطبق المنطق نفسه، بصور مختلفة، على "نون" في التجارة الإلكترونية و"نينجا" في التجارة السريعة و"كيتوبي" في تشغيل المطاعم. هذه الشركات عملت في أنشطة يعرفها المستهلك الخليجي، لكنها بنت نماذج تشغيل قادرة على معالجة حجم أكبر من الطلب باستخدام البيانات والتكنولوجيا واللوجستيات.

أما بنك "دي 360"، وهو حالة مختلفة باعتباره بنكاً رقمياً مرخصاً من البنك المركزي السعودي، فبدأ عملياته التجارية في ديسمبر 2024 وتجاوز ثلاثة ملايين عميل بنهاية يونيو 2026، ووصل تقييمه بعد زيادة رأس المال الأخيرة إلى نحو 1.6 مليار دولار.

الخليج يوفر مساحة أكبر للنمو

يتطلب الوصول إلى تقييم المليار أكثر من نجاح الشركة في سوق المنشأ. إحدى السمات التي تظهر من قصص هذه الشركات هي أن الخليج أصبح مساحة أوسع للتوسع، حتى مع استمرار الاختلافات التنظيمية والتجارية بين دوله.

تعمل "نون" في السعودية والإمارات إلى جانب مصر، وتعمل "تابي" في أكثر من سوق خليجية، فيما وضعت "تمارا" الخليج ضمن نطاق توسعها الطبيعي. وتوسعت "كيتوبي" من الإمارات إلى السعودية والكويت وقطر والبحرين، كما بنت "بروبرتي فايندر" و"دوبيزل غروب" نشاطاً إقليمياً في أكثر من سوق.

وتستطيع الشركة التي تنطلق من السعودية أو الإمارات الانتقال إلى أسواق خليجية أخرى مستفيدة من تقارب أنماط الاستهلاك، وارتفاع الدخل، وانتشار المدفوعات الرقمية، وتطور البنية اللوجستية. وهذا يوسع قاعدة العملاء والإيرادات ويزيد قدرة الشركة على الوصول إلى أحجام وتقييمات يصعب تحقيقها بالاعتماد على سوق واحدة.

ويلاحظ أن جميع الشركات المؤكدة في القائمة أتت حتى الآن من السعودية والإمارات. ويمكن تفسير ذلك بحجم الاقتصاد والسكان وسرعة التحولات الاقتصادية في السعودية، وبالتراكم الذي بنته الإمارات مبكراً في التمويل وريادة الأعمال واستقطاب الشركات والمواهب. لكن الشركة التي تبدأ في إحدى السوقين تستطيع أن تحصل على عملاء ورأس مال وشركاء من أنحاء الخليج، وأن تتعامل مع المنطقة كسلسلة أسواق مترابطة للنمو.

رأس المال أصبح جزءاً من الميزة

الشركات التي تنمو بسرعة تحتاج إلى رأس مال كبير لتمويل التكنولوجيا والتوسع والتسويق واكتساب العملاء والدخول إلى أسواق جديدة. وقد ساعد توسع قاعدة المستثمرين في الخليج الشركات الناشئة على تأمين التمويل في مراحل مختلفة من نموها.

إلى جانب صناديق رأس المال الجريء، أصبحت شركات الاستثمار والمؤسسات المالية والصناديق السيادية تضخ رؤوس أموال أكبر في الشركات الواعدة، فيما تدخل صناديق عالمية عندما تصل الشركات إلى مراحل نمو متقدمة. وبذلك أصبح بإمكان الشركة أن تبدأ بتمويل مبكر من المنطقة ثم تجمع مبالغ أكبر في جولات لاحقة مع توسع أعمالها.

جاء تقييم "تابي" الأخير عند 4.5 مليارات دولار من صفقة ثانوية دخل من خلالها مستثمرون مثل إتش إس جي وبويو كابيتال. وجذبت "بروبرتي فايندر" في 2025 استثماراً مشتركاً بقيمة 525 مليون دولار قادته برميرا بمشاركة بلاكستون غروث. أما الجولة التي أوصلت "تمارا" إلى المليار فقادها إس إن بي كابيتال وسنابل للاستثمار بمشاركة مستثمرين آخرين.

ووفق بيانات "ماغنيت"، بلغ تمويل رأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 3.8 مليارات دولار خلال 2025، بزيادة 74 في المئة عن العام السابق، وحازت دول الخليج على الحصة الأكبر مع تمركز واضح في السعودية والإمارات. واستقطبت السعودية 1.72 مليار دولار عبر 257 صفقة، مع تزايد دور المستثمرين الدوليين في جولات النمو والمراحل المتقدمة.

التنظيم يفتح أسواقاً جديدة

يظهر أثر التنظيم بوضوح في شركات التكنولوجيا المالية، لأن انطلاقها يرتبط بالحصول على تراخيص وموافقات من الجهات الرقابية. ففي السعودية، تحتاج الأنشطة المرتبطة بالمدفوعات والائتمان والخدمات المصرفية إلى موافقات من البنك المركزي السعودي بحسب طبيعة النشاط.

وتعمل شركات مثل "تابي" و"تمارا" وبنك "دي 360" داخل قطاع تحدد فيه الجهات الرقابية شروط الدخول إلى السوق ونطاق الخدمات ومتطلبات الامتثال وحماية العملاء وإدارة المخاطر. وينطبق الأمر، مع اختلاف القواعد والجهات، على شركات الأصول الرقمية مثل "فاسيت". وهكذا أصبح التنظيم جزءاً من قدرة الشركة على الانطلاق والتوسع.

وتقدم "فاسيت" مثالاً حديثاً؛ فقد جمعت في أغسطس 2026 نحو 68 مليون دولار عند تقييم مليار دولار، بعد جولة ثانية بقيمة 51 مليون دولار قبل أشهر، وتقول إنها تخدم أكثر من ثلاثة ملايين محفظة رقمية وأكثر من ألف مؤسسة. ويظهر ذلك كيف أصبح التفاعل بين الابتكار والتنظيم جزءاً من البيئة التي تنتج الشركات الناشئة الكبيرة، خصوصاً مع توسع السلطات الخليجية في تنظيم البنوك الرقمية والتكنولوجيا المالية والأصول الرقمية.

توسع القطاعات

كان من السهل قبل سنوات وصف الموجة الخليجية بأنها تتركز في التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والخدمات الاستهلاكية. أما القائمة الحالية فأصبحت أكثر تنوعاً، وامتدت إلى العقارات والمنصات المبوبة وتشغيل المطاعم والأصول الرقمية والتقنيات العميقة.

وتضيف "إكسبانسيو" اتجاهاً مختلفاً. فالشركة التي تعمل من دبي على تطوير عدسات لاصقة ذكية جمعت 250 مليون دولار في 2025 عند تقييم 1.35 مليار دولار، وتعمل في مجالات تشمل البصريات والمواد وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي، ما يجعلها أقرب إلى نموذج التقنيات العميقة من نماذج المنصات الاستهلاكية التي قادت الموجة الأولى.

كما تشير بيانات "ماغنيت" إلى أن البرمجيات المؤسسية والذكاء الاصطناعي أصبحت، إلى جانب التكنولوجيا المالية، من أكثر المجالات جذباً لرأس المال في المنطقة خلال 2025.

لذلك يصبح السؤال عن الجيل المقبل أكثر أهمية من مقارنة عدد الشركات الخليجية "المليارية" بالولايات المتحدة أو الصين. المؤشر الأهم هو مدى اتساع قاعدة القطاعات التي تستطيع إنتاج شركات بهذا الحجم.

المليار بداية تحدٍ آخر

لا يضمن التقييم المرتفع تلقائياً بناء شركة ناجحة على المدى الطويل. فهو يعكس السعر الذي قبله مستثمرون في معاملة معينة بناء على توقعاتهم للنمو المستقبلي.

بعد الوصول إلى المليار تصبح المعايير الاستثمارية أكثر صرامة، ويصبح من المطلوب تحقيق نمو واضح في الإيرادات، وجودة في الأرباح، وضبط تكلفة اكتساب العملاء، والمحافظة على الحصة السوقية، والتوسع من دون استنزاف مستمر لرأس المال.

وتعمل "نون" على احتمال طرح عام في السنوات المقبلة بعد أن جمعت نحو 2.7 مليار دولار ووصل تقييمها الأخير إلى قرابة 10 مليارات دولار، فيما يتجه عدد من الشركات الأخرى إلى تعزيز الربحية والاستعداد المحتمل لأسواق المال.

وقد شهدت أسواق الخليج خلال الأعوام القليلة الماضية إدراج شركات مليارية مثل "طلبات" في سوق دبي المالي و"جاهز" في تداول السعودية. ويوفر الوصول إلى أسواق المال أو التخارج فرصة لإعادة رأس المال إلى المستثمرين وإدخاله مجدداً في تمويل شركات جديدة.

من نجاحات منفردة إلى منظومة

وجود عشر شركات خليجية "مليارية" يخبر قصة أكبر من الرقم نفسه. فالسوق والتمويل والتنظيم وإمكان التوسع الإقليمي أصبحت توفر مساراً أوضح لبناء شركات كبيرة من داخل المنطقة.

التحدي المقبل هو أن يصبح ظهور هذه الشركات أمراً متكرراً، وأن تمتد التجربة إلى قطاعات أوسع، فيما تنجح الشركات الحالية في بناء أعمال كبيرة ومربحة وقادرة على الاستمرار والوصول إلى أسواق المال. وعندها يمكن لرأس المال والخبرة المتراكمة أن يعودا إلى السوق لتمويل جيل جديد من الشركات.

وتقدم الشركات "المليارية" العشر حتى الآن دليلاً على أن الخليج أصبح قادراً على بناء شركات ذات قيمة كبيرة من داخله. وستحدد المرحلة التالية ما إذا كانت هذه التجارب ستتحول إلى مسار مستدام لإنتاج جيل أوسع من الشركات الإقليمية الكبيرة.