الزيدي من واشنطن وطهران إلى باريس وبرلين.. العراق يوسع شبكة مصالحه

  • 2026-09-17
  • 10:05

الزيدي من واشنطن وطهران إلى باريس وبرلين.. العراق يوسع شبكة مصالحه

  • الاقتصاد والأعمال

لا تبدو زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى فرنسا محطة دبلوماسية منفصلة، وإنما حلقة في حركة خارجية مكثفة بدأها منذ توليه رئاسة الحكومة. فمن واشنطن إلى الدوحة وطهران وأنقرة، وصولاً إلى باريس وبرلين، يتحرك الزيدي في اتجاهات متعددة بهدف توسيع شبكة الشراكات العراقية وربط العلاقات السياسية باحتياجات محددة في الاستثمار والطاقة والصناعة والدفاع والتكنولوجيا والنقل.

وجاءت نتائج زيارة باريس لتوضح طبيعة هذا الحركة الناشطة والمكثفة. فقد عقد الزيدي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مباحثات انتهت إلى اتفاقات وتفاهمات شملت الدفاع الجوي والغاز والطيران المدني والشباب، إلى جانب خارطة طريق للمشتريات العسكرية العراقية المستقبلية من الشركات الفرنسية، فيما تناولت المباحثات أيضاً البنية التحتية والصناعة والصحة والاستثمار.

فرنسا.. شراكة أكثر عملية

ترتكز العلاقة العراقية - الفرنسية إلى اتفاقية شراكة استراتيجية وقعت في 2023، لكن زيارة الزيدي ركزت على نقل التعاون إلى ملفات أكثر تحديداً.

في الدفاع، اتفق الجانبان على وضع خارطة طريق لتطوير قدرات القوات المسلحة العراقية والحصول على منظومات فرنسية، كما وقع خطاب نوايا مع شركة "Harmattan AI" بشأن منظومات دفاع جوي ذاتية التشغيل. ويأتي ذلك فيما يعمل العراق على توسيع علاقاته الأمنية الثنائية مع اقتراب انتهاء مهام التحالف الدولي.

أما اقتصادياً، فقد جمع منتدى أعمال في باريس عشرات الشركات الفرنسية مع الجانب العراقي لبحث فرص في الطاقة والبنية التحتية والصناعة والدفاع والخدمات والصحة، بما يعكس رغبة بغداد في توسيع الحضور الاستثماري الفرنسي داخل الاقتصاد العراقي.

الطاقة في قلب العلاقة

تحتل "توتال إنرجيز" موقعاً رئيسياً في التعاون بين البلدين. والتقى الزيدي رئيس الشركة باتريك بويانيه لبحث مشاريعها في العراق، خصوصاً في الغاز، وخطط زيادة الاستثمار.

كما وقعت وزارة الكهرباء العراقية مذكرة تفاهم مع الشركة تتعلق بتجهيز وبيع الغاز، وهو ملف يرتبط مباشرة بأحد أكبر التحديات أمام العراق، أي استثمار الغاز المصاحب وتقليص الهدر وتحسين أمن الطاقة.

وتتجاوز رؤية بغداد للطاقة السوق المحلية، إذ تناول البيان العراقي- الفرنسي الربط الإقليمي وتنويع مسارات التصدير وسلاسل الإمداد، وهي عناصر تنسجم مع محاولة العراق تعزيز موقعه كحلقة وصل بين الخليج والشرق الأوسط وأوروبا.

لماذا هذا الزخم في الزيارات؟

تكثف الزيارات الخارجية للزيدي يعكس أولاً رغبة الحكومة الجديدة في تثبيت علاقاتها سريعاً مع القوى الرئيسية، لكنه يرتبط أيضاً بحجم المشاريع التي يريد العراق تنفيذها في النفط والغاز والكهرباء والصناعة والموانئ والسكك الحديدية وطريق التنمية.

تحتاج هذه المشاريع إلى رؤوس أموال وتقنيات وشركات من أسواق مختلفة، ولذلك تتوزع الزيارات بحسب طبيعة كل شريك.

تحمل الولايات المتحدة ثقلاً في الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتمويل، وتركيا ترتبط بالعراق بالتجارة والمياه والنقل وطريق التنمية، فيما تمثل إيران شريكاً إقليمياً أساسياً، وتفتح فرنسا أبواب الطاقة والدفاع والبنية التحتية، بينما تحتل ألمانيا موقعاً مهماً في الصناعة والتكنولوجيا والمعدات.

ومن الواضح هنا أن العراق يحاول بغداد تحويل سياسة التوازن الخارجي إلى توزيع عملي للمصالح والاحتياجات على مجموعة واسعة من الشركاء، بدلاً من حصرها بمحور واحد.

من التوازن السياسي إلى شبكة مصالح

تتبنى بغداد منذ سنوات سياسة علاقات متوازنة، لكن الجديد هو السعي إلى إعطائها مضموناً اقتصادياً أكثر وضوحاً.

ظهر ذلك في باريس في مجالات الغاز والدفاع الجوي والطيران والاستثمار، وفي ألمانيا تقدمت الصناعة والتكنولوجيا، فيما تتمحور العلاقات مع تركيا حول النقل والتجارة وطريق التنمية.

كما تحاول بغداد الاستفادة بصورة أكبر من موقع العراق الجغرافي، وليس فقط من موارده النفطية. فطريق التنمية ومشاريع الربط الإقليمي وتنويع منافذ التصدير تضع العراق في موقع محتمل كممر بين الخليج وأوروبا.

ويبقى معيار نجاح هذه الدبلوماسية هو التنفيذ. فالعراق لا يفتقر إلى مذكرات التفاهم أو الاتفاقات، وإنما إلى تحويلها بوتيرة أسرع إلى عقود واستثمارات ومصانع ومحطات وبنى تحتية.

يبرز الزخم الحالي في زيارات الزيدي مع ذلك توجها واضحا يهدف إلى توسيع خيارات العراق الخارجية، وربط كل علاقة بمجموعة من المصالح العملية، بحيث تتحول شبكة العلاقات السياسية تدريجياً إلى شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والأمنية والاستثمارية.