مع اطلاق توسعة محطة الحاويات...مرفأ بيروت يعود إلى سباق الممرات
مع اطلاق توسعة محطة الحاويات...مرفأ بيروت يعود إلى سباق الممرات
-
كتب فيصل أبوزكي
وضع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، إلى جانب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة "CMA CGM" رودولف سعادة، أمس الخميس 10 سبتمبر، حجر الأساس لتوسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت، في خطوة تفتح أمام المرفأ مساراً جديداً لزيادة قدرته التشغيلية واستعادة جزء من دوره الإقليمي في حركة التجارة والترانزيت والمسافنة.
تبدأ أهمية المشروع من حجمه. فالتوسعة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية لمحطة الحاويات من نحو 1.2 إلى 1.3 مليون حاوية نمطية سنوياً حالياً إلى نحو 3 ملايين بحلول 2028، بعدما بلغت المناولة نحو 950 ألف حاوية في 2025، مع توقع تجاوز المليون خلال العام الحالي. ويملك الرصيف 16، الذي يشكل قلب محطة الحاويات، طولاً يبلغ نحو 1.1 كيلومتر، فيما يصل العمق عند أجزاء منه إلى 16.5 متراً.
وتعطي هذه الأرقام التوسعة بعداً يتجاوز تلبية حاجات وتوقعات نمو السوق اللبنانية. فالوصول إلى طاقة تقارب ثلاثة ملايين حاوية يفترض استقطاب حركة إضافية من خارج لبنان، وإعادة بناء موقع بيروت كمحطة للتجارة العابرة وإعادة الشحن وخدمة أسواق منطقة المشرق وما بعدها.
ميزة تبدأ من البحر
يمتلك لبنان في هذا السباق ميزة بنيوية مهمة تتمثل في عمق مرافئه. ففي مرفأ بيروت يصل الغاطس عند الرصيف 16 إلى نحو 16.5 متراً، بما يسمح باستقبال سفن حاويات كبيرة، فيما يملك مرفأ طرابلس رصيفاً حديثاً بعمق يقارب 15 متراً، وتورد بياناته الفنية عمقاً يصل إلى 15.2 متراً في بعض أجزائه.
ولهذه الميزة قيمة اقتصادية مباشرة. فتعميق أحواض المرافئ وقنوات الدخول إليها يمكن أن يتطلب استثمارات كبيرة، كما أن الحفاظ على الأعماق التشغيلية في المرافئ التي تعاني تراكم الرواسب يفرض أعمال جرف وصيانة دورية. أما امتلاك عمق كبير يتيح استقبال السفن الحديثة، فيمنح المرفأ نقطة انطلاق أقوى ويخفض جانباً من الكلفة المطلوبة للحفاظ على قدرته التنافسية.
وهذا يجعل بيروت وطرابلس أصلين لوجستيين مهمين للبنان في وقت تتجه فيه أحجام سفن الحاويات إلى الازدياد والارتفاع وتزداد أهمية المرافئ القادرة على استقبالها بكفاءة.

التوسعة جزء من توجه حكومي أوسع
ما يميز المشروع أيضاً أنه يأتي ضمن إدراك حكومي متزايد بأن استعادة دور المرافئ لا يمكن فصلها عن موقع لبنان على خريطة النقل والممرات التجارية الجديدة في االمنطقة.
قال سلام خلال مراسم وضع حجر الأساس إن الهدف هو أن يستعيد مرفأ بيروت موقعه بين أبرز مرافئ شرق المتوسط، وأن يعود إلى حركة الترانزيت وإعادة التصدير ويتحول مجدداً إلى مركز لوجستي يخدم لبنان والدول العربية المجاورة، مستفيداً من التغيرات التي تشهدها سلاسل الإمداد والتجارة الإقليمية.
أما رسامني فذهب مباشرة إلى البعد الأوسع للمشروع عندما قال إن ما يجري توسيعه فعلياً هو "دور لبنان في عملية النقل والتجارة في المنطقة والعالم"، وربط المرفأ بالمرافئ اللبنانية الأخرى وبالمطار ومنظومة النقل ككل.
وقد بدأ هذا التوجه يأخذ شكلاً أكثر عملية. ففي وقت سابق من هذا العام، وقعت إدارة مرفأ بيروت ومجلس الإنماء والإعمار مذكرة تفاهم تشمل، بين مشاريع أخرى، إنشاء خط لوجستي يربط المرفأ بالحدود اللبنانية - السورية مروراً بالبقاع، وإقامة مرفأ جاف في البقاع، إلى جانب تحسين مداخل المرفأ ومخارجه.
بذلك تصبح توسعة محطة الحاويات جزءاً من تصور أوسع يقضي برفع قدرة المرفأ في البحر، ثم توسيع المساحة الاقتصادية التي يستطيع خدمتها في البر.
من السوق اللبنانية إلى أسواق أوسع
لا يوفر حجم الاقتصاد اللبناني وحده الحركة المطلوبة لاستغلال طاقة ثلاثة ملايين حاوية. لذلك تقوم الجدوى الأوسع للمشروع على قدرة مرفأ بيروت على استعادة دوره كبوابة إلى سوريا والعراق وربما إلى أسواق أبعد مع تطور شبكات النقل الإقليمية.
وهنا يملك لبنان مجموعة مزايا متراكمة أهمها موقع جغرافي قريب من الداخل السوري، عمق يسمح باستقبال السفن الكبيرة، بنية قائمة لمحطة الحاويات، خبرة طويلة في عمليات المسافنة، ووجود مشغل عالمي بحجم "CMA CGM" يمتلك شبكة خطوط واسعة وقدرة على توجيه أحجام كبيرة من الشحن.
كما أن لبنان لا يعتمد على بيروت وحده. فمرفأ طرابلس، بعمقه وموقعه الأقرب إلى سوريا ومساحاته القابلة للتوسع، يستطيع أن يؤدي دوراً مكملاً. وتؤكد إدارة مرفأ طرابلس نفسها أن رؤيتها تقوم على تحويله إلى مرفأ محوري يعمل في إطار تكاملي مع المرافئ اللبنانية الأخرى.
ويعكي وجود مرفأين قادرين على استقبال سفن كبيرة لبنان فرصة لبناء منظومة مرفئية متعددة الأدوار بدلاً من حصر المنافسة في مرفأ واحد.

شرق المتوسط يتحرك
لكن لبنان يعود إلى هذه الخريطة في وقت تستثمر فيه المرافئ المجاورة بكثافة. ففي سوريا، وقعت "CMA CGM" اتفاقاً مدته 30 عاماً لتطوير وتشغيل محطة الحاويات في اللاذقية باستثمارات بقيمة 230 مليون يورو، فيما حصلت "موانئ دبي العالمية" على اتفاق لتطوير وتشغيل مرفأ طرطوس باستثمارات معلنة تبلغ 800 مليون دولار.
لا شك أن وجود "CMA CGM" نفسها في بيروت وطرابلس واللاذقية مهم في قراءة المشهد. فالشركة تدير شبكة إقليمية متزايدة الاتساع، ويمكن للبنان أن يستفيد من وجوده داخل هذه الشبكة إذا استطاع أن يقدم مرافئ عالية الكفاءة مرتبطة بمسارات برية سريعة ومنظمة.
لا يعني التنافس هنا بالضرورة أن كل حاوية تذهب إلى مرفأ آخر هي خسارة لبيروت. المنطقة مقبلة على حاجات كبيرة في التجارة وإعادة الإعمار والنقل، وقد تتسع الحركة لأكثر من مركز. لكن توزيعها سيتحدد وفق الكلفة والسرعة والعمق وتوافر الخطوط البحرية وسهولة نقل البضائع إلى الأسواق الداخلية.
استثمار في وظيفة لبنان
من هنا تأخذ توسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت معناها الأوسع. فهي استثمار في مرفأ بيروت، لكنها أيضاً استثمار في وظيفة اقتصادية يستطيع لبنان استعادتها.
فرفع الطاقة إلى ثلاثة ملايين حاوية يزيد قدرة المرفأ على جذب الخطوط البحرية والمسافنة والترانزيت. وزيادة الحركة بدورها تنعكس على النقل البري والتخزين والتخليص والخدمات البحرية والتأمين والخدمات اللوجستية والمالية. وكلما زادت نسبة البضائع التي تستخدم لبنان كنقطة عبور، اتسع العائد الاقتصادي إلى ما يتجاوز السوق المحلية.
تبقى هناك متطلبات واضحة. فميزة البحر يجب أن تستكمل بشبكة برية ومعابر فعالة، وإجراءات جمركية أسرع، ورقمنة أوسع، وطرق قادرة على استيعاب الحركة، ثم بربط أفضل مع سوريا والعراق. وهذه ليست شروطاً هامشية، لأنها هي التي توفر الشروط الأفضل لتحويل الطاقة المرفئية إلى ممر تجاري فعلي.
لكن مشروع التوسعة يمثل في ذاته خطوة مهمة. لبنان يمتلك موقعاً جغرافياً مناسباً ومرافئ ذات أعماق جيدة وبنية تشغيلية قابلة للتطوير، والحكومة باتت تنظر إلى هذه المزايا ضمن سياسة أشمل لاستعادة موقع البلد في النقل والتجارة الإقليمية.

