حكم الراجحي يطوي فصلاً ثقيلاً من إرث هجمات 11 سبتمبر
حكم الراجحي يطوي فصلاً ثقيلاً من إرث هجمات 11 سبتمبر
-
كتب فيصل أبوزكي
أغلق الحكم الصادر لمصلحة مصرف الراجحي في 19 أغسطس 2026 واحداً من أخطر أبواب المخاطر التي ظلت مفتوحة أمام البنك والقطاع المصرفي السعودي منذ أكثر من عشرين عاماً. فقد انطوت القضية على احتمال تحميل القضاء الميركي مصرف أجنبي مسؤولية عن أعمال لم يرتكبها، استناداً إلى علاقات مصرفية وتحويلات غير مباشرة، مع ما يمكن أن يترتب على ذلك من تعويضات ضخمة وضغوط قانونية وانعكاسات سلبية اخرى.

وكان المدعون، وبينهم أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر وشركات تأمين، قد اتهموا الراجحي بتقديم خدمات مالية إلى أفراد وجمعيات قالوا إنها ارتبطت بتنظيم القاعدة، واعتبروا أن هذه العلاقات أسهمت في تمويل النشاط الذي قاد إلى الهجمات. وظل البنك ينفي هذه الاتهامات، مؤكداً أن تعاملاته كانت خدمات مصرفية اعتيادية وأنه لم يكن على علم باستخدامها في أي نشاط غير مشروع.
وفي 19 أغسطس 2026، قبل القاضي جورج دانيلز في المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك طلب الراجحي إسقاط الدعوى، بعد سنوات أتيح خلالها للمدعين الحصول على الوثائق والبحث في المعاملات والعلاقات المصرفية التي قالوا إنها تربط البنك بالوقائع محل القضية. وانتهى هذا المسار إلى عدم إثبات الأساس المطلوب لإخضاع المصرف للاختصاص القضائي الأميركي، كما لم تجد المحكمة في الأدلة ما يكفي لإسناد ادعاءات التآمر أو تقديم المساعدة والتحريض بالمستوى الذي سعى المدعون إلى إثباتها.
قضية استنفدت طريق البحث عن الأدلة
يكتسب الحكم وزناً إضافياً من المسار الذي سبقه. فالمحكمة كانت قد أسقطت القضية سابقاً، ثم أعادت محكمة الاستئناف في 2019 فتح الطريق أمام المدعين للحصول على مزيد من المعلومات والوثائق والبحث في معاملات البنك وصلاته بالولايات المتحدة. واستمر هذا المسار سنوات قبل أن تعود القضية إلى المحكمة وتنتهي إلى الإسقاط.
وهذا يعني أن المدعين حصلوا على فرصة واسعة للبحث عن رابط أقوى بين الراجحي والهجمات، ثم انتهى الأمر من دون إثبات الصلة القانونية المطلوبة.
وتجعل هذه النتيجة من الأصعب مستقبلاً إقامة قضية مشابهة على أساس سلسلة بعيدة من العلاقات والتحويلات من دون أدلة تربط المصرف بالفعل غير المشروع نفسه.
من هنا تبدأ دلالة الحكم الأوسع. فالمسألة تجاوزت منذ سنوات احتمال خسارة دعوى أو دفع تعويضات، لأنها فتحت باباً أمام نوع من المسؤولية يصعب على أي مصرف دولي أن يعرف حدوده مسبقاً. معاملة مصرفية مشروعة، أو حساب عميل، أو تحويل مر عبر بنك أميركي، كان يمكن أن يتحول بعد سنوات إلى جزء من سلسلة اتهام تمتد إلى أفعال ارتكبها آخرون.
خطر يصعب التحسب له
تواجه المصارف في العادة مخاطر تعرف مصدرها وتستطيع تقدير نطاقها، من تعثر المقترضين إلى تقلب الأسواق ونقص السيولة. أما هذا النوع من القضايا فيأتي من خارج الحسابات المعتادة، لأن مصدره قد يكون معاملة مشروعة يعاد تفسيرها بعد سنوات في ضوء أفعال قام بها عميل أو طرف آخر.
وتتضاعف خطورة ذلك عندما ترتبط القضية بتمويل الإرهاب. فاستمرار الاتهام سنوات قد يؤثر في السمعة، وعلاقات المصارف المراسلة، ومتطلبات التدقيق، ونظرة المستثمرين والمؤسسات الدولية، قبل أن يصدر أي حكم في أصل المسؤولية. وبالنسبة إلى مؤسسة بحجم الراجحي وموقعها في النظام المالي السعودي، كان بقاء هذا الباب مفتوحاً يحمل وزناً يتجاوز كلفة الدفاع أو قيمة التعويضات المحتملة.
من الراجحي إلى النظام المصرفي السعودي
تتسع دلالة الحكم عند وضعه في السياق السعودي. فالدعاوى المرتبطة بهجمات 11 سبتمبر طالت أيضاً البنك الأهلي التجاري والبنك السعودي الأميركي ومؤسسات أخرى، وانتهت مطالبات أساسية ضد هذه المصارف إلى الإسقاط في مراحل سابقة.
ومنذ ذلك الوقت تغيرت خريطة القطاع. تحول البنك السعودي الأميركي إلى مجموعة سامبا المالية، ثم اندمجت سامبا مع البنك الأهلي التجاري لتأسيس البنك الأهلي السعودي.
يجلب الكم الأخير نهاية لملف لاحق مؤسسات امصرفية سعودية كبرى لأكثر من عقدين، ويزيل عن القطاع مصدراً استثنائياً من عدم اليقين في وقت أصبحت فيه مصارف المملكة أكبر وأكثر ارتباطاً بالأسواق الدولية.
قضية تتعلق بحدود القوة القانونية الأميركية
تنبع خطورة هذه القضية من المكانة التي تحتلها الولايات المتحدة في النظام المالي العالمي. فمركزية الدولار، ودور نيويورك في المقاصة، واعتماد المصارف الدولية على البنوك المراسلة الأميركية، تمنح القانون الأميركي قدرة واسعة على الوصول إلى معاملات ومؤسسات خارج الولايات المتحدة.
وقد شكلت هذه القوة أداة رئيسية في مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية، إلا أن توسيع نطاق المسؤولية انطلاقاً من روابط غير مباشرة يمكن أن يجعل هذا النفوذ نفسه مصدراً لاضطراب العلاقات المالية الدولية.
كان نجاح الدعوى ضد الراجحي سيعني توسيع المسؤولية المصرفية إلى حد يمكن معه تحميل بنك مسؤولية عن أفعال طرف بعيد لمجرد أن بعض التعاملات مرت عبر النظام المالي الأميركي، أو لأن عميلاً ظهر لاحقاً ضمن شبكة علاقات محل الاشتباه. وهذا كان سيضع المصارف الأجنبية أمام نطاق من المسؤولية يصعب تحديد حدوده، ويزيد احتمالات جرّها إلى قضايا واسعة استناداً إلى صلات مالية غير مباشرة.
لو جاء الحكم في اتجاه يوسع هذه المسؤولية، لكان لذلك أثر مباشر في العلاقات المصرفية والمالية بين الولايات المتحدة والسعودية ودول الخليج. فالبنوك كانت ستضطر إلى مراجعة درجة استعدادها للتعامل مع عملاء وأسواق ودول يصعب التنبؤ بما قد ينشأ عن علاقاتها معها بعد سنوات، كما كان يمكن أن تتشدد المصارف المراسلة في قبول العلاقات والمعاملات التي تحمل أي قدر من الغموض.
وهذا يمس أساساً مهماً في العمل المصرفي الدولي، هو الثقة بأن للمسؤولية حدوداً يمكن فهمها وبناء القرارات على أساسها. فإذا أصبحت هذه الحدود قابلة للتمدد عبر سلسلة طويلة من العملاء والتحويلات والوسطاء، فإن المصارف قد تلجأ إلى تقليص التعامل، ورفع كلفته، والانسحاب من علاقات يصعب تقدير نتائجها القانونية.
وكان يمكن لنجاح هذا المسار أن يترك صدى عالمياً أوسع، لأن القضية عندها كانت ستتحول من نزاع بين مدعين ومصرف سعودي إلى مسألة مبدأ تتعلق بمدى اتساع تفسير القانون الأميركي عندما يطبق على مؤسسات أجنبية تعمل داخل نظام مالي عالمي تقوده الولايات المتحدة. وكلما اتسعت المسؤولية من الفاعل المباشر إلى الأطراف الأبعد في سلسلة التعاملات، ارتفع خطر أن يصبح النفوذ القانوني الأميركي نفسه مصدراً لعدم اليقين في العلاقات المالية الدولية.
الحكم يجعل إعادة إنتاج هذا الخطر أصعب من السابق
لهذا يجعل هذا الحكم في غاية الصعوبة تحويل مجرد وجود حساب مراسل، أو تنفيذ تحويل بالدولار، أو تقديم خدمة مصرفية، إلى أساس كاف لتحميل البنك مسؤولية عن أفعال ارتكبها آخرون، وتفرض على المدعين تقديم رابط أكثر وضوحاً وأدلة أقوى على دور المصرف نفسه.
وهذه النتيجة مهمة للمصارف الخليجية لأن المنطقة أصبحت أكثر اندماجاً في أسواق التمويل الدولية، وأكثر حضوراً كمستثمر ومصدر لرأس المال، فيما تستند نسبة كبيرة من تعاملاتها الخارجية إلى الدولار والشبكات المصرفية العالمية.
لا شك أن حكم 19 أغسطس 2026 أغلق عن الراجحي قضية استمرت أكثر من عشرين عاماً، وساعد في طي واحد من أثقل الملفات القانونية التي لاحقت المصارف السعودية بعد 11 سبتمبر. والأهم أنه جعل إعادة إنتاج هذا النوع من الدعاوى أكثر صعوبة، وضيّق مساحة كان يمكن أن يمتد فيها أثر قضية واحدة إلى العلاقات المالية الخليجية الأميركية وإلى الثقة التي تقوم عليها شبكات العمل المصرفي الدولي.

