وفد اقتصادي إماراتي رفيع إلى بيروت يحمل رسائل تتجاوز الاستثمار

  • 2026-08-25
  • 12:00

وفد اقتصادي إماراتي رفيع إلى بيروت يحمل رسائل تتجاوز الاستثمار

كتب فيصل أبو زكي*

يزور لبنان وفد اقتصادي إماراتي رفيع يترأسه وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، ويضم نحو 80 رجل أعمال يومي 26 و27 اب / أغسطس الجاري، في زيارة تحمل دلالات تتعدى برنامج الاجتماعات والفرص التي ستطرح أمامه. وفي برنامج الوفد زيارة الرؤساء الثلاثة في لبنان ولقاء موسع مع قادة الهيئات الاقتصادية اللبنانية.

ويأتي الوفد إلى لبنان في توقيت سياسي وأمني دقيق، فيما لم يكتمل بعد انتقال البلد من الحرب إلى الاستقرار.

ومن هنا تبدأ أهمية الزيارة. فحضور وفد اقتصادي رفيع يضم مجموعة كبيرة من القيادات الاقتصادية ورجال الأعمال في ظروف كهذه يحمل دلالة مختلفة عن زيارة مماثلة إلى سوق مستقرة. وهو يشير إلى استعداد إماراتي لاستكشاف الفرص الاقتصادية بالتوازي مع مسار استعادة الدولة اللبنانية لمؤسساتها وقدرتها على إدارة الاقتصاد، من دون أن يعني ذلك أن قرارات استثمارية كبيرة أصبحت محسومة.

الأهم أن لبنان عاد إلى دائرة الاهتمام الإماراتي في وقت ما زالت المخاطر قائمة، ما يعطي الزيارة بعداً سياسياً واقتصادياً يتجاوز نتائج اجتماعاتها المباشرة.

مسار بدأ بالسياسة

لا تأتي الزيارة من فراغ. فقد أعيد تنشيط العلاقات مع زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أبوظبي في 30 أبريل 2025 ولقائه رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.  وبحث الجانبان يومها تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وتبادل الخبرات وتطوير العمل الحكومي، واتفقا على إنشاء مجلس أعمال مشترك، وعلى قيام صندوق أبوظبي للتنمية بإرسال وفد لبحث مشاريع التعاون المتاحة. وتوالت بعد ذلك خطوات أعادت بناء القنوات السياسية والدبلوماسية بين البلدين، بينها تعيين فهد سالم سعيد الكعبي سفيراً للإمارات لدى لبنان في سبتمبر 2025.

وفي مرحلة لاحقة، زار بيروت وفد إماراتي برئاسة عبدالله ناصر لوتاه، مساعد وزير شؤون مجلس الوزراء للتنافسية والتبادل المعرفي، للاطلاع على حاجات الدولة اللبنانية وأولوياتها. وضم الوفد مسؤولين في الأداء الحكومي والإحصاء والبيانات والمستقبل والتنمية والتعاون الدولي، في خطوة وصفتها رئاسة الجمهورية بأنها ترجمة لنتائج القمة اللبنانية-الإماراتية.

ويُشار في هذا السياق إلى القرار الامارات برفع الحظر عن سفر الاماراتيين إلى لبنان والذي جاء قبيل بدء فصل الصيف في لبنان.

هذا التسلسل يوضح طبيعة السياسة الإماراتية تجاه لبنان. فقد بدأ المسار على مستوى القيادتين، ثم انتقل إلى التعاون الحكومي والمؤسسي، ويصل الآن بصورة أكثر وضوحاً إلى التجارة والاستثمار والقطاع الخاص.

لماذا الآن؟

التوقيت هو الزاوية الأهم في الزيارة. فلبنان لم يطو بعد تداعيات الحرب، ولا يزال الوضع في الجنوب مرتبطاً بتنفيذ ترتيبات أمنية وسياسية صعبة ومعقدة، فيما يبقى تثبيت الاستقرار شرطاً أساسياً لأي تعاف اقتصادي واسع.

لذلك تحمل الخطوة الإماراتية رسالة بأن أبوظبي ترى مساراً يمكن البناء عليه إذا استمر، وأنها مستعدة لفتح قنوات اقتصادية قبل اكتمال جميع شروط الاستقرار. وهذه أقرب إلى ثقة مبكرة بمسار الدولة اللبنانية منها إلى حكم نهائي على البيئة الاستثمارية.

وفي الوقت نفسه، تحمل الزيارة رسالة إلى لبنان بأن عودة الاهتمام الخليجي ستصبح أكثر قابلية للتحول إلى استثمارات كلما تقدمت الدولة في الإصلاحات، وعززت الاستقرار القانوني والمؤسسي، وأصبحت أكثر قدرة على إعداد المشاريع وتنفيذها.

من المساعدات إلى الاستثمار

تنسجم هذه المقاربة مع السياسة الاقتصادية الخارجية للإمارات، التي جعلت التجارة والاستثمار والشراكات بين الشركات جزءاً أساسياً من علاقاتها الدولية. ويقود الزيودي نفسه ملفات توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية الإماراتية مع أسواق عديدة، بالتوازي مع تنامي حضور الإمارات كمصدر للاستثمار الخارجي.

ومن هنا يمكن أن تفتح زيارة لبنان المجال أمام علاقة اقتصادية تستند بصورة أكبر إلى التجارة والاستثمار والشراكة، إلى جانب أدوات التعاون التنموي التقليدية.

علاقة اقتصادية موجودة أصلاً

العلاقة الاقتصادية بين لبنان والإمارات لا تبدأ مع الوفد الحالي. فقد كان رأس المال الإماراتي حاضراً تاريخياً في قطاعات لبنانية مختلفة، كما ظلت الإمارات من الأسواق المهمة للمنتجات والشركات اللبنانية.

ويضاف إلى ذلك حضور لبناني اقتصادي واسع داخل الإمارات، يضم رجال أعمال ومستثمرين ومديرين وأصحاب كفاءات أسس عدد منهم شركات ذات نشاط إقليمي ودولي.

وتتخطى أهمية هذا الوجود الاقتصادي اللبناني في الإمارات مسألة التحويلات المالية إلى لبنان. فهو يضم رأس مال وخبرات وشبكات أعمال وعلاقات مع مؤسسات وشركات إماراتية وعالمية، ويمكن أن يلعب دوراً في ربط الفرص اللبنانية بالمستثمرين في الإمارات.

من عرض الحاجات إلى عرض المشاريع

اعتاد لبنان خلال أزماته عرض حاجاته التمويلية ومشاريع البنية التحتية أمام الدول والمؤسسات المانحة. أما المستثمر فيبحث عن مشاريع محددة، وأطر قانونية واضحة، وجهات مسؤولة وآليات لاتخاذ القرار والتنفيذ.

وتملك الشركات الإماراتية خبرات واسعة في قطاعات مثل الموانئ واللوجستيات والطاقة والمطارات والعقار والتكنولوجيا والخدمات المالية، وهي مجالات تتقاطع مع أولويات اقتصادية أساسية للبنان. لكن الانتقال إلى الاستثمار يرتبط بقدرة لبنان على توفير الاستقرار القانوني والشفافية وسرعة اتخاذ القرار.

وسيم ضاهر.. وصل مجتمع الأعمال بمسار تحسن العلاقات

في هذا السياق يبرز رئيس مجلس الأعمال اللبناني-الإماراتي وسيم ضاهر، مؤسس ورئيس مجموعة "أزاديا"، باعتباره أحد رجال الأعمال اللبنانيين الذين بنوا حضوراً إقليمياً واسعاً انطلاقاً من الإمارات.

ومن أعضاء الوفد رجال اعمال لبنانيين بارزين مثل سفيان الصالح وكميل سري الدين وغيرهما.

ولعب ضاهر دوراً أساسياً في ترتيب التواصل بين مجتمعي الأعمال اللبناني والإماراتي. وتكتسب هذه المساهمة أهمية لأنها تضع مجلس الأعمال المشترك في موقع يتجاوز تنظيم اللقاءات إلى بناء قناة اتصال مستمرة بين الشركات في البلدين.

وتبدأ الأهمية الفعلية للمجلس بعد انتهاء الزيارة، من خلال متابعة الشركات التي تبدي اهتماماً، وربطها بالشركاء والفرص في لبنان، ومواكبة المشاريع المقترحة مع الجهات المعنية. وبذلك يمكن للمجلس أن يواكب التحسن الحاصل في العلاقات ويترجمه تدريجياً إلى تعاون بين الشركات واستثمارات مشتركة.

وهذا ما يدركه رئيس وأعضاء المجلس وبالدرجة الأولى رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية الوزير السابق محمد شقير.

رسالة تتجاوز الزيارة

تعتبر الإمارات أحد أبرز مراكز رأس المال والتجارة والاستثمار في المنطقة، ولذلك فإن تحرك شركاتها باتجاه لبنان يمكن أن تكون له دلالة تتخطى العلاقات الثنائية.

وهذا هو البعد الأهم للزيارة. فهي تفتح باباً كان شبه مغلق خلال السنوات الماضية، وتضع أمام لبنان فرصة لاستعادة جزء من علاقاته الاقتصادية والاستثمارية العربية.

*عضو مجلس الأعمال اللبناني والاماراتي