الفوسفات السوري: من تصدير الخام إلى بناء صناعة ترفد الاقتصاد
الفوسفات السوري: من تصدير الخام إلى بناء صناعة ترفد الاقتصاد
-
الاقتصاد والأعمال
يتجاوز العرض الاستثماري الذي قدمته شركة "أركان" الأردنية لاستثمار أحد بلوكات الفوسفات في مناجم الصوانة بريف حمص في أهميته مشروعاً تعدينياً منفرداً، فهو يأتي ضمن تطورات متسارعة لإعادة تشغيل قطاع يمتلك أحد أكبر الموارد المعدنية القابلة للتحويل إلى مصدر مستدام للصادرات والعملات الأجنبية، ويمكن أن تتسع مساهمته بدرجة أكبر إذا انتقلت سوريا تدريجياً من استخراج الخام وبيعه إلى تطوير صناعات الأسمدة والمنتجات الفوسفاتية المرتبطة به.
وبحسب وزارة الطاقة السورية، يعتمد العرض الأردني على التعدين الانتقائي، بما يسمح باستخراج الطبقات الأعلى تركيزاً وعزل الطبقات الأقل جودة، بهدف إنتاج خام بمواصفات أفضل وتعزيز قدرته على المنافسة في الأسواق الخارجية. وتُعد حالياً دراسة جدوى اقتصادية تمهيداً للانتقال إلى التنفيذ.
تبرز أهمية هذا التطور بوضوح عند وضعه ضمن سلسلة الخطوات التي شهدها القطاع خلال الأشهر الماضية. فقد أعيد في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تشغيل معمل الفوسفات في مناجم الشرقية بعد توقف دام عشر سنوات، بطاقة تبلغ 1.2 مليون طن سنوياً من الفوسفات المغسول والمجفف. وفي كانون الأول/ ديسمبر، أبرمت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية اتفاقاً مع شركة "ترياق" التابعة لمجموعة ELIXIR GROUP الصربية لاستثمار وتصدير 1.5 مليون طن خلال 2026.
وتبعت ذلك اتفاقيتان إضافيتان خلال 2026. كانت الأولى مع شركة الشرقية للتجارة والمقاولات لاستكشاف وإنتاج وتصدير مليون طن، والثانية مع شركة الحسن القابضة لبيع وتصدير 2.5 مليون طن، منها 1.5 مليون طن بحراً ومليون طن براً.
احتياطي كبير وإنتاج صغير
المفارقة الأساسية في الفوسفات السوري تكمن في الفجوة الواسعة بين حجم الاحتياطي المقدر وبين مستوى استثماره الفعلي.
تضع تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية USGS لعام 2026 إنتاج سوريا من صخر الفوسفات في 2025 عند نحو 800 ألف طن فقط، في سوق عالمية بلغ إنتاجها قرابة 250 مليون طن. وهذا يضع سوريا في مرتبة متأخرة نسبياً بين المنتجين، بفارق كبير عن دول إقليمية مثل الأردن الذي أنتج نحو 12 مليون طن والسعودية 10 ملايين طن ومصر 5.5 ملايين طن.

أما تقديرات الاحتياطي فتتفاوت بصورة لافتة. فالبيانات السورية المتداولة رسمياً تشير إلى نحو ملياري طن من الفوسفات، في حين يورد أحدث تقدير منشور يستند إلى بيانات الهيئة اللأميركية نفسها رقماً أكثر تحفظاً يبلغ نحو 250 مليون طن من الاحتياطيات. هذا الاختلاف مهم، لأن الحديث عن إمكانات القطاع يجب أن يميز بين الموارد الجيولوجية الواسعة والاحتياطيات المثبتة اقتصادياً والقابلة للاستخراج وفق المعايير الدولية.
ومع ذلك، فإن حجم الإنتاج الحالي يبقى متواضعاً حتى وفق التقدير الأقل للاحتياطي. وإذا أمكن الوصول إلى الهدف الذي أعلنته المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية بإنتاج نحو 5 ملايين طن سنوياً، مع إمكانية الارتفاع لاحقاً إلى 7 أو 8 ملايين طن، فإن موقع سوريا في سوق الفوسفات سيتغير جذرياً.
سوق عالمية مستقرة
يتميز الفوسفات عن عدد كبير من المواد الخام في أن الطلب عليه يرتبط مباشرة بالزراعة والأمن الغذائي. الفوسفور عنصر أساسي في تغذية النباتات، ويذهب الجزء الأكبر من الفوسفات عالمياً إلى صناعة الأسمدة الفوسفاتية ومركبات الأسمدة المستخدمة في الإنتاج الزراعي. كما أن صخور الفوسفات تمثل المصدر التجاري الأساسي للفوسفور على المستوى العالمي.
وهذا يمنح سوريا مورداً له سوق عالمية مستقرة نسبياً على المدى الطويل، خصوصاً مع تركز جزء كبير من الإنتاج والاحتياطيات في عدد محدود من الدول. بلغ الإنتاج العالمي نحو 250 مليون طن في 2025، استحوذت الصين وحدها على نحو 110 ملايين طن، تلتها المغرب بنحو 36 مليون طن، ثم الولايات المتحدة وروسيا والأردن.
ويكتسب الموقع السوري هنا ميزة إضافية هي أن المناجم الرئيسية تقع في وسط البلاد ويمكن ربطها بالساحل ومرفأ طرطوس، ما يفتح أمام المنتج السوري أسواق المتوسط وأوروبا وشمال أفريقيا.
وقد بدأت هذه البنية اللوجستية تستعيد عملها فعلاً. ففي الربع الأول من 2026 وحده، صدّر مرفأ طرطوس نحو نصف مليون طن من الفوسفات. كما يجري العمل على إعادة تأهيل خط السكك الحديدية المستخدم في نقل الخام من مناجم ريف حمص باتجاه المرفأ، وهو عنصر أساسي في خفض كلفة نقل كميات كبيرة من مادة منخفضة القيمة نسبياً قياساً بوزنها.
الاختراق الأكبر يبدأ بعد المنجم
زيادة الاستخراج والتصدير يمكن أن توفر لسوريا مورداً سريعاً للعملات الأجنبية، لكن الأثر الاقتصادي الأكبر يبدأ عندما يتجاوز النشاط بيع الصخور الخام.
يدخل الفوسفات في صناعة حمض الفوسفوريك والأسمدة الفوسفاتية ومجموعة واسعة من المنتجات الكيميائية. وكلما ارتفعت درجة المعالجة داخل سوريا، ارتفعت الإيرادات الممكن تحقيقها من الكمية نفسها من الخام، واتسعت قاعدة النشاط الاقتصادي المرتبط بالمناجم.
وهنا يمكن تقسيم تطوير القطاع عملياً إلى ثلاث حلقات مترابطة تشمل تعدين حديث يرفع الإنتاج والجودة، بنية نقل ومرافئ تقلص الكلفة، ثم صناعات تحويلية تنتج الأسمدة والمواد الفوسفاتية بدلاً من تصدير الخام فقط.
تعطي الاتفاقيات الأخيرة مؤشرا على هذا التوجه. فالشركات التي وقعت اتفاقيات إنتاج وتصدير تحدثت أيضاً عن إمكان إنشاء مصانع للأسمدة وتطوير صناعات فوسفاتية داخل سوريا، كما أشار المدير العام للمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية إلى الرغبة في توسيع التعاون مع مجموعة ELIXIR ليشمل مصانع مرتبطة بالصناعات التحويلية.
فرصة لإعادة بناء الصادرات
تتصل الأهمية الأخرى للفوسفات بتركيبة الاقتصاد السوري نفسه. الصادرات السلعية السورية بلغت نحو 3.34 مليارات دولار في 2024 وفق بيانات الأونكتاد، في مقابل واردات تجاوزت 6.28 مليارات دولار، أي أن البلاد ما زالت تواجه فجوة تجارية كبيرة وحاجة مستمرة إلى مصادر للنقد الأجنبي.
وللفوسفات سجل سابق يثبت قدرته على أن يكون بنداً تصديرياً مهماً. ففي 2010 بلغت صادرات سوريا من الفوسفات الطبيعي المطحون نحو 202 مليون دولار وفق بيانات التجارة التي يعرضها البنك الدولي استناداً إلى قاعدة UN Comtrade، وكان بين أكبر خمسة منتجات تصديرية للبلاد في ذلك العام.
عودة الإنتاج إلى عدة ملايين من الأطنان يمكن بالتالي أن تعيد الفوسفات إلى مقدمة الصادرات السورية، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع رفع الجودة وتطوير المرافق اللوجستية وتوسيع شبكة المشترين.
شركة التعدين وإدارة المورد
يتزامن التوسع في القطاع أيضاً مع تغيير مؤسسي مهم تمثل في إحداث "الشركة السورية للتعدين" في نيسان/أبريل 2026 كشركة عامة قابضة تتولى استثمار الخامات وتسويقها. ووضعت وزارة الطاقة الفوسفات في مقدمة الموارد التي يمكن أن تستفيد من الهيكل الجديد، مع التركيز على الانتقال إلى إدارة اقتصادية أكثر مرونة وزيادة العائد المحقق من الثروات المعدنية.
يعتمد نجاح تطوير القطاع على بناء علاقة واضحة بين الدولة والمستثمرين، من خلال عقود تحدد الحقوق والالتزامات وحصة الدولة وآليات التسعير والتسويق، بالتوازي مع الاستثمار في الكهرباء والسكك الحديدية والمرافئ والمياه، بما يضمن تحويل زيادة الإنتاج إلى كميات قابلة للنقل والتجهيز والتصدير بكلفة تنافسية.
وهنا يرتبط تطوير الفوسفات بإعادة تأهيل البنية التحتية، إذ إن زيادة الإنتاج لن تحقق كامل جدواها ما لم تتراجع كلفة النقل وتتحسن قدرات التخزين والتحميل. لذلك تشكل السكك الحديدية ومرفأ طرطوس جزءاً أساسياً من اقتصاد القطاع.
تطوير قطاع اقتصادي
يمكن للفوسفات أن يوفر لسوريا خلال فترة قصيرة صادرات وإيرادات بالعملات الأجنبية، وهو أمر مهم لاقتصاد يعاني فجوة تجارية واسعة وحاجة كبيرة إلى تمويل التعافي. لكن قدرته على إحداث أثر أعمق ترتبط بمدى نجاح البلاد في استخدام المناجم قاعدة لبناء صناعة تمتد إلى غسل الخام وتركيزه ثم الأسمدة والمنتجات الكيميائية، وربط هذه الصناعة بالزراعة والأسواق الخارجية.
لذا يكتسب العرض الأردني في الصوانة أهمية خاصة. استخدام تقنيات تعدين أكثر دقة لتحسين جودة الخام خطوة ضرورية، لكنه يمثل الحلقة الأولى فقط. القيمة الأكبر ستكون في القدرة على تحويل ملايين الأطنان الموجودة تحت الأرض إلى إنتاج تنافسي، ثم تحويل الجزء الأكبر من هذا الإنتاج داخل سوريا إلى منتجات تحقق عائداً أعلى.
الأكثر قراءة
-
أربعة عوامل تقود نمو الناتج المحلي الإجمالي السعودي عبر الرعاية الصحية
-
نمو الاقتصاد والائتمان يرفع أرباح المصارف العُمانية في النصف الأول
-
مطارات دبي تُجري تعيينات قيادية لدعم النمو والتحول الرقمي
-
المنجم والجوف... شراكة تربط الإنتاج بالتوزيع
-
سوق المال العُماني...لائحة جديدة توسع التمويل وتعزز جاذبية الاستثمار

