العراق يعيد بناء منظومته النفطية... تعزيز الانتاج والتصدير والقيمة المضافة
العراق يعيد بناء منظومته النفطية... تعزيز الانتاج والتصدير والقيمة المضافة
-
الاقتصاد والأعمال
كشفت حرب إيران عن نقطة ضعف أساسية في قطاع النفط العراقي لا ترتبط بحجم الاحتياطيات أو قدرة الحقول على الإنتاج، وإنما بالطريق الذي يسلكه النفط للوصول إلى الأسواق الخارجية. فالعراق، الذي يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على عائدات الخام، كان يصدر قبل الحرب نحو 3.4 ملايين برميل يومياً عبر مضيق هرمز، قبل أن تؤدي اضطرابات الملاحة إلى خفض قدرته على التصدير بشكل ملموس.
وفي أحدث تصريحاته لوكالة الأنباء العراقية، قال وزير النفط باسم محمد خضير إن الإنتاج النفطي يبلغ حالياً نحو 2.7 مليون برميل يومياً، بينما تتراوح الصادرات بين 1.5 و1.7 مليون برميل يومياً، مؤكداً أن الحقول قادرة على استعادة مستويات التصدير السابقة عندما تسمح الظروف بذلك.

وتوضح المقارنة بين هذه الأرقام أن المشكلة التي فرضتها الحرب لم تكن في قدرة العراق على استخراج النفط، وإنما في ضيق الخيارات المتاحة أمامه لنقله إلى الأسواق.
ومن هنا تأخذ الخطط التي تحدث عنها الوزير بعداً أوسع. فبغداد لا تسعى فقط إلى زيادة الإنتاج، وإنما إلى توسيع الاستكشاف، وتطوير شبكات الأنابيب ومنافذ التصدير، واستثمار الغاز الذي يهدر بالحرق، ورفع قدرات التكرير، وجذب شركات عالمية لتنفيذ مشاريع تغطي حلقات متعددة من صناعة الطاقة.
هذا التحول مهم للشركات والمقاولين والمستثمرين، لأن الجزء الأكبر من الإنفاق الجديد يمكن أن يتوزع بين الحفر، والأنتاج، ومعالجة الغاز، والأنابيب، ومحطات الضخ والتخزين، والمصافي والصناعات البتروكيمياوية.
الاستكشاف يهيئ قاعدة الإنتاج المقبلة
تبدأ دورة التوسع من الاستكشاف. فالحقول العملاقة التي تشكل اليوم قاعدة الإنتاج العراقي ستستمر في العمل، لكن المحافظة على الاحتياطيات وزيادة الإنتاج على المدى الطويل تتطلب إدخال مناطق جديدة إلى عمليات المسح والتقييم والتطوير.

ولهذا أشار وزير النفط إلى أن الفرق الاستكشافية التابعة للوزارة تنفذ أعمال مسح في عدد من المحافظات لتعويض الاحتياطيات المستنزفة. كما شملت جولتا التراخيص الخامسة التكميلية والسادسة 29 حقلاً ورقعة، أحيل 14 منها إلى شركات مؤهلة. وتقدر الوزارة أن تطوير العقود المحالة يمكن أن يضيف نحو 750 ألف برميل يومياً من النفط، ونحو 800 إلى 850 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً من الغاز.
لا تمثل هذه الأرقام إنتاجاً متاحاً فوراً، لكنها تكشف حجم الأعمال التي يمكن أن تسبق الوصول إليه. لذلك فإن توسع النشاط الاستكشافي يوفر مؤشراً مبكراً على اتجاه الإنفاق أمام شركات الخدمات النفطية والمقاولين وموردي المعدات.
زيادة الإنتاج ترتبط بقدرة العراق على التصدير
الطموح إلى زيادة الإنتاج العراقي ليس جديداً، لكن حرب إيران أعادت ترتيب الأولويات وأظهرت أن التوسع في الطاقة الانتاجية لا يحقق كامل جدواه ما لم يترافق مع قدرة أكبر على نقل الإنتاج وتصديره.
أظهرت حرب إيران أن امتلاك الحقول طاقة إنتاجية مرتفعة لا يضمن القدرة على تصدير الكميات نفسها. فقد أدت القيود على حركة الملاحة إلى انخفاض الصادرات العراقية إلى ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل يومياً، رغم استعداد الحقول لإنتاج كميات أكبر.
ولهذا، فإن أي توسع جديد في إنتاج النفط يجب أن يترافق مع تطوير خطوط الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات ومرافق التصدير وفتح منافذ إضافية.
وهذا يوسع نطاق الفرص المتاحة في العراق للشركات العاملة في قطاعي النفط والغاز وللمستثمرين. فإلى جانب خدمات الحفر وتطوير المكامن، سيزداد الطلب على خطوط التجميع ومحطات الضخ والخزانات وأنظمة القياس والتحكم ومرافق التصدير. بذلك تصبح البنية التحتية جزءاً من اقتصاد زيادة الإنتاج نفسه، وليست مجرد مرفق تابع له.
الحرب تدفع العراق إلى تنويع منافذ التصدير
كان العراق يبحث قبل الحرب في تطوير طرق بديلة لهرمز، لكن الأحداث الأخيرة حولت هذا الملف إلى أولوية ترتبط مباشرة باستقرار الإيرادات العامة.
فقد أظهر الانخفاض من نحو 3.4 ملايين برميل يومياً عبر هرمز قبل الحرب إلى إجمالي صادرات يقل عن مليوني برميل حالياً مدى تعرض الاقتصاد العراقي لتعطل الممر الجنوبي. لذلك تعمل بغداد على بناء خيارات تسمح بتحويل جزء من الصادرات شمالاً وغرباً عند الضرورة.
المسار الأكثر جاهزية هو تركيا عبر ميناء جيهان، نظراً إلى وجود بنية قائمة بالفعل. لكن توسيع صادرات هذا الطريق يتوقف على قدرة الشبكة الداخلية على نقل كميات أكبر من الجنوب نحو الشمال. وقد أشار الوزير إلى أن الكمية المستهدفة البالغة نحو 700 ألف برميل يومياً لا يمكن تأمينها من كركوك وحدها، وهو ما يفسر الاهتمام بمشروع البصرة-فيشخابور الذي يمكن أن يربط إنتاج الجنوب بشبكة التصدير الشمالية.
أما الخيار السوري، فيقوم على إعادة إحياء خط حديثة-بانياس. وقد انتقل المشروع إلى مرحلة التفاهمات والدراسات الفنية، مع بحث إعادة تأهيل المسار الذي يصل العراق مباشرة بالساحل السوري. وإذا أنجز وربط بشبكة تنقل النفط من الجنوب إلى حديثة، فسيوفر منفذاً إلى شرق المتوسط والأسواق الأوروبية بعيداً عن هرمز.
ويظل العقبة خياراً ثالثاً عبر الأردن نحو البحر الأحمر. المشروع أقل تقدماً جيهان وبانياس ويستلزم استثمارات كبيرة في الأنابيب ومحطات الضخ، لكنه يضيف اتجاهاً مختلفاً جغرافياً عن الخليج وشرق المتوسط.
يمثل الجمع بين هذه المسارات التحول الأهم في استراتيجية التصدير العراقية. فبدلاً من اعتماد الجزء الأكبر من الصادرات على الطريق البحري عبر الخليج ومضيق هرمز، تسعى بغداد إلى بناء شبكة تتيح توجيه النفط أيضاً شمالاً عبر تركيا إلى جيهان، وغرباً عبر سوريا إلى بانياس، وجنوب غرب عبر الأردن إلى العقبة.
شبكة الأنابيب الداخلية تحدد جدوى البدائل
لكن وجود موانئ بديلة لا يكفي إذا بقي النفط محصوراً في مناطق الإنتاج الجنوبية. ولذلك تتقدم مشاريع الأنابيب الداخلية إلى قلب الاستراتيجية الجديدة.
ومن أبرزها مشروع البصرة-فيشخابور الذي قال الوزير إنه سيقام وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية . "BOT" ويفتح هذا النموذج الباب أمام مشاركة مستثمرين يمولون المشروع ويبنون الخط ويشغلونه لفترة محددة قبل انتقال ملكيته إلى الدولة.
بالنسبة إلى المستثمر، لا تتحدد جاذبية هذه المشاريع بطول الخط أو طاقته التصميمية حصراً. العناصر الأكثر حسماً ستكون كمية النفط التي ستضمن الحكومة مرورها عبره، ورسوم النقل، ومدة الامتياز، وآلية استرداد رأس المال وتوزيع مخاطر الإنشاء والتشغيل.
الغاز يتحول من مورد مهدور إلى مجال توسع
في موازاة النفط، ركز الوزير على ملف الغاز وحدد مسارين هما وقف حرق الغاز المصاحب وتطوير الحقول الغازية.
ويمثل الغاز المصاحب أحد أبرز الموارد غير المستغلة بالكامل في قطاع الطاقة العراقي. فعند إنتاج النفط تخرج معه كميات من الغاز، ولا تزال نسبة منها تحرق في الحقول بسبب عدم اكتمال منشآت جمعها ومعالجتها ونقلها. وفي الوقت نفسه، يحتاج العراق إلى كميات كبيرة من الغاز والوقود لتشغيل محطات الكهرباء، ما يفرض عليه تكاليف إضافية لتأمين هذه الإمدادات.
لذلك فإن جمع الغاز المصاحب الذي يحرق حالياً ومعالجته يوفر وقوداً محلياً لمحطات الكهرباء والصناعة، ويحول كميات كانت تهدر من دون عائد إلى مورد اقتصادي يمكن استخدامه محلياً وتقليل الإنفاق على تأمين الطاقة من الخارج.
كما يفتح تطوير حقول الغاز الحر مجالاً لتوسيع الإمدادات بعيداً عن ارتباطها بإنتاج الخام. أما بالنسبة إلى الشركات، فتشمل المشاريع المحتملة شبكات تجميع الغاز، ووحدات الضغط والمعالجة، واستخراج سوائل الغاز، وخطوط النقل ومرافق التخزين.
ولا يتوقف الأثر عند الكهرباء. فزيادة إمدادات الغاز المحلية توفر قاعدة لتوسيع صناعات الأسمدة والبتروكيمياويات وغيرها من الصناعات التي تعتمد على الغاز مادة أولية أو مصدراً للطاقة.
زيادة القيمة من البرميل داخل العراق
يتعلق الجانب الآخر من التحول بالطريقة التي يستفيد بها العراق من النفط بعد استخراجه. فقد أسهم توسيع قدرات التكرير في تخفيف الاعتماد على استيراد عدد من المشتقات، لكن الفرصة الأكبر تكمن في الانتقال من تلبية السوق المحلية إلى إنتاج فوائض قابلة للتصدير وتوسيع الصناعات اللاحقة.
فكل برميل يجري تكريره أو تحويل مشتقاته إلى منتجات بتروكيمياوية يضيف نشاطاً اقتصادياً يفوق مجرد بيع الخام. وتظهر حول هذه الصناعة استثمارات في المصافي والمجمعات الصناعية والتخزين والخدمات اللوجستية، إضافة إلى فرص العمل التي توفرها.
التخزين الخارجي يضيف بعداً تجارياً
ولفت الوزير أيضاً إلى أن العراق يبحث إنشاء خزانات في بعض الدول، وهي خطوة تضيف بعداً جديداً لسياسة التصدير.
يمكن أن يقلل وجود مخزون عراقي قرب الموانئ أو الأسواق الخارجية زمن التسليم ويوفر شحنات جاهزة للبيع عند اضطراب أحد طرق النقل. كما يمنح شركة تسويق النفط "سومو" مرونة أكبر في إدارة الإمدادات ومواعيد البيع.
أين تتشكل الفرص أمام الشركات؟
يمكن من قراءة المشاريع العراقية كمجموعة واحدة اكتشاف سوق أوسع من عقود التنقيب والإنتاج التقليدية. فالاستكشاف يفتح المجال أمام المسح والحفر، وتطوير الحقول يخلق عقوداً للمرافق والخدمات، وزيادة الإنتاج تستدعي أنابيب وخزانات ومحطات ضخ، بينما يولد الغاز استثمارات في المعالجة والنقل. ثم تأتي المصافي والبتروكيمياويات لتضيف طبقة صناعية جديدة إلى دورة الإنفاق.
لكن الشركات التي تنظر إلى العراق يجب أن تميز بين كثرة المشاريع المعلنة وبين الفرص القابلة للاستثمار فعلياً. وسيكون العامل الحاسم هو انتقال المشاريع طور مذكرات التفاهم والدراسات إلى عقود ذات تمويل واضح ونموذج تجاري وجدول تنفيذ محدد.
من زيادة الإنتاج إلى كفاءة المنظومة
أبرز ما غيرته حرب إيران هو معيار تقييم القوة النفطية العراقية. فوجود احتياطيات ضخمة وحقول جاهزة للإنتاج لم يمنع تراجع الصادرات عندما تعرض الطريق الرئيسي إلى السوق للاضطراب.
لذلك أصبح مستقبل القطاع مرتبطاً بقدرة العراق على تطوير عدة مجالات في وقت واحدعلى رأسها الاستكشاف، وزيادة الإنتاج، وبناء شبكة أنابيب متعددة الاتجاهات، واستثمار الغاز، وتوسيع التكرير والصناعة.

